لما خرج بنو إسرائيل من مصر يقدُمهم كليم الله موسى عليه السلام، ووقفوا أمام اليَمِّ عاجزين، أمر الله نبيه أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كلُّ فرق كالطود العظيم. لكنهم ما إن جفت أقدامهم حتى سألوا نبيهم قائلين: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ، ثم عتوا فقالوا: أرنا الله جهرة، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات. فلما دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة قائلًا: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْـمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]، أجابوه: {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22].

زهدٌ في أرض الأنبياء التي باركها الله، مع جبنٍ وخوَرٍ، وبُعدٍ عن منهج الله، وتمرد على النبوة. لقد كان حب الدنيا قد تملك شغاف قلوبهم حتى زهدوا في بيت المقدس خوفاً من أن يحال بينهم وبين ما يشتهون. ولذا عاش اليهود أذلة بين الأمم لا يجرؤون إلا على الأنبياء وأتباعهم لقِلَّتهم. وقد وصف الله عز وجل حرصهم على الحياة رفيعةً كانت أم وضيعةً، فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أْن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } [البقرة: 96].

وما تخلُّفهم عن دخول الأرض المقدسة، أرضِ الرسالات، إلا مظهرٌ من مظاهر هذا التعلق بالدنيا، ولهذا أجابوا نبي الله بقولهم: {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. وهو جوابٌ جامعٌ للشخصية اليهودية: فهي جريئة على الله، جبانة عن عباده. فكيف يُظن بمن جَبُن عن دخول الأرض المقدسة في زمن كليم الله أن يقاتل من أجلها تعبُّداً بعد وفاته بأكثر من ثلاثة آلاف عام؟ وقد ورد في ما يجدون بين أيديهم على لسان موسى عليه السلام: «لأني أعرف تمردكم وقساوة قلوبكم. إذ وأنا ما زلت حياً معكم اليوم أخذتم في مقاومة الرب. فكم بالأحرى تتمردون بعد موتي؟»[1].

بعد وفاة الكليم عليه السلام خلَفَه فتاهُ يوشع بن نون عليه السلام، فدخل بمن معه من بني إسرائيل الأرض المقدسة وأيده الله بمعجزة باهرة. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: «إن الشمس لم تُحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس»[2].

دخل بنو إسرائيل بيت المقدس يزحفون على أستاههم![3] وكما نزعوا إلى شرك الفراعنة في مصر، تأثروا بمعبودات الوثنيين من حولهم في أرض الشام، فعبدوا أصنامهم بعد موت يوشع عليه السلام، وبهذا تشهد أسفارهم فسلط الله عليهم أعداءهم.

تسلط العماليق على الأرض المقدسة إبان حكم الأسباط الاثني عشر، وعجز القضاة عن سياسة بني إسرائيل واضطربت شؤونهم، فسأل بنو إسرائيل نبيهم «صموئيل» أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله. قال تعالى في ذِكر حالهم: {أَلَمْ تَرَ إلَى الْـمَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246].

وعند أهل الكتاب أن صموئيل خاطبهم قائلاً: «انْزِعُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ وَأَصْنَامَ الْعَشْتَارُوثِ مِنْ وَسَطِكُمْ، وَهَيِّئُوا قُلُوبَكُمْ لِلرَّبِّ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، فَيُنْقِذَكُمْ مَنْ قَبْضَةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»[4].

فماذا كان جوابهم؟ قال تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [البقرة: 246]، كحال أسلافهم الذين أبوا أن يدخلوا الأرض المقدسة.

لكن الله نصر من ثبَت من المؤمنين يقودهم ملكهم طالوت، وكان في جنده داود عليه السلام. وقَتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. ثم كان فتح مدينة القدس على يده فعادت لأهل الإيمان.

ولما بعث الله المسيح عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل، ودخل الهيكل - وهو بيت المقدس - وجد اليهود قد جعلوا من المسجد سوقاً للربا فـ«أَخَذَ يَطْرُدُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ فِيهِ وَيَشْتَرُونَ، قَائِلاً لَهُمْ: قَدْ كُتِبَ: إِنَّ بَيْتِي هُوَ بَيْتٌ لِلصَّلاَةِ. أَمَّا أَنْتُمْ، فَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»[5].

ثم أشار إلى زهدهم في بيت المقدس لأجل حطام الدنيا كما صنع آباؤهم من قبل، فقال: «لَكِنِ الْوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ!... تَقُولُونَ: مَنْ أَقْسَمَ بِالْهَيْكَلِ، فَقَسَمُهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ؛ أَمَّا مَنْ أَقْسَمَ بِذَهَبِ الْهَيْكَلِ، فَقَسَمُهُ مُلْزِمٌ! أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّ الاِثْنَيْنِ أَعْظَمُ: الذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يَجْعَلُ الذَّهَبَ مُقَدَّساً؟».

وتفضيل الذهب على الهيكل يذكرنا بحال أبي الصهيونية ثيودور هرتزل لما استجدى البابا بيوس العاشر - كما دوَّن في مذكراته - قائلاً: «أيها الأب الأقدس، إن اليهود في أزمة فظيعة، ولا أدري إن كان قداستك يعلم قدر مأساتهم. إننا بحاجة إلى أرض لهؤلاء المنكوبين»، فلما سأله البابا: «هل يُشترط أن تكون أورشليم [القدس]؟» أجاب أبو الصهيونية: «إننا لا نريد أورشليم، وإنما فلسطين، الأرض العلمانية [The Secular Land[6]، أي فلسطين باستثناء البقاع المقدسة. فهو كأسلافه يؤثر الذهب على الهيكل. ومطمع الصهيونية منذئذ كان وما زال أرض فلسطين باستثناء البقاع المقدسة، وهو ما أكده هرتزل في مواطن أخر من مذكراته[7].

إن الحركة الصهيونية حركة استعمارية رومية وظفت يهود العالم لخدمتها، بينما صورها الغرب أمام الشرق على أنها طوفان يهودي عاد ليكتسح الأرض المقدسة ويستعيد تراث بني إسرائيل! ولا أدري كيف أصبح اليهود الذين تخلوا عن الأرض المقدسة بصحبة الأنبياء حريصين على استعادتها مع هرتزل أو نتنياهو؟ إلا أن يكون فهمنا للتاريخ خاطئاً.

ومن قرأ مذكرات الدُّنياني (العلماني) ثيودور هرتزل أدرك أن شخصيته تجسيد لواقع الذلة والمسكنة التي ضربها الله على يهود كما قال الله عز وجل في كتابه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ } [آل عمران: 122] ، فهي ملازمة لهم وإن سكنوا البروج المشيدة. قال ابن زيد رحمه الله مفسراً هذه الآية: «واليهود لا يأمنون في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل... فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون»[8].


 


[1] التثنية 31: 27.

[2] مسند الإمام أحمد 14/65.

[3] رجح الإمام ابن كثير في تفسيره أن بيت المقدس هو القرية التي جاء ذكرها في قول الله عز وجل: {وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْـمُحْسِنِينَ 58 فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 58، 59]. وعليه يكون دخولهم على ما جاء وصفه في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ».

[4] صموئيل الأول 7: 3.

[5] لوقا 19: 43-46.

 [6] Marvin Lowenthal, trans. The Diaries of Theodor Herzl (NY: The Universal Library, 1962), p. 429.

[7] The Diaries of Theodor Herzl, p. 419.

[8]  تفسير الطبري (دار المعارف)، 7/ 112.