تمنَّى لو باغته الموت قبل أن تأتي هذه اللحظة، جال ببصره في أركان قصره المنيف مودِّعاً، كان يُدقِّق في كل تفاصيله، دارت به الأرض كثَمِلٍ أثقله الشراب، تشبَّث بكرسيٍّ جاوره، توهَّم السَّقف سيخرُّ عليه، تراجع خطوة وتقهقر أخرى، تعثَّر في بساطٍ وثيرٍ، لم يجدْ من يأخذ بيديه ليُقيمه، صرخت أخته مِلء الحمراء: أضعتنا؛ أضاعك الله أيها المشئوم، قضيتَ بحماقتك على أمةٍ، كانت ملء السمع والبصر!

غاص أبو عبد الله محمد بن الأحمر الصغير داخل نفسه، وتجمَّد لسانه في فمه، لم يَقْو على النظر إليها، تقدَّمت نحوه في سورة غضبها، جَثَت على رُكْبتيها، سألته بعصبيَّة: كيف نترك بلدنا لأحفاد الجاهل شارلمان بعد أن صنعنا حضارتها؟! ألم يُحرِّموا الاستحمام ويروه خطيئةً كبرى حين كنا نضيء شوارع قرطبة فيستضيء الساري بسرجها ثلاثة فراسخ؟! فلمن نترك سلاح سرقسطة وطليطلة ومرسية، وجلود قرطبة وحُلِيَّها، وسجاد رية، وزجاج مالقة، وورق شاطبة، ووشي المرية وجوخها وديباجها، وكتَّان باجة؟! لمن نترك كل هذا أيها الزغابي الغِر؟!

ظلَّ آخر ملوك الأندلس خافضاً رأسه، لقد أعطى الموافقة على تسليم غرناطة لفرناندو الخامس وإيزابيلا، مَلِكَيْ قشتالة وأراجون، لينتهي بذلك حكم المسلمين لهذا البلد.. ليته رضي بالقتل في الأَسْر حتى لا يرى ذلك اليوم!

في بهو القصر وقفت الجواري، الحسرة تملأ عيونهن، كُنَّ أكثر من أرغفة الخبز، وأكثر من القناديل المتدلية من السقف الشاهق، حزن الخدم والطبَّاخون، وقف البستانيون ينظرون إلى بقية من حدائق كانت يوماً ذات بهجة، لكنها سُنَّةُ الله في خلقه، يومٌ تُسرُّ فيه وآخر فيه تُساء!

***

كان على آخر ملوك الأندلس التعجيل بالخروج، لقد ثار الغرناطيون مغاضبين بسبب من المعاهدة، إذْ تقضي بانتقال ملك بني الأحمر إلى أندرش، ليكون عاملاً على البشرات لملك قشتالة، يطارده هذا المشهد كثيراً، حين خرج للقاء ملك قشتالة على ضفة نهر شنيل ليسلمه مفتاح الحمراء، قالوا: إنه ترجَّاه أن يَسُدَّ الباب الذي سيخرج منه؛ ليكون آخر من يجوزُهُ، يقولون أيضاً: إنه لما رأى فرناندو؛ همَّ بترك جواده والترجُّل، ولكن الملك المنتصر أَبَى ذلك وعانقه.. ترى هل كان يشكر له صنيعه؟! أم كان يُمعن في السخرية منه؟!

نكَّس آخر الملوك رأسه، وسكت قليلاً ليستجمع أنفاسه، ثم قال لفرناندو: «إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانيا، وقد أصبحتَ أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا، هكذا قضى الله؛ فكن في ظَفَرِك رحيماً عادلاً»، ثم سارا إلى حيث كانت إيزابيلا فحيَّاها، وسرعان ما لحق بأسرته.

***

في بهو السباع، جفَّت مياه النافورة إلا من قطرات متباعدة، تساقطت على استحياء كدموع حَرَّى من عين امرأة مكلومة، أصبح القصر كطلل بالٍ قديم، لقد هرِمَ هو الآخر، اعتلَّت زهور حديقته الغَنَّاء، وهجرتها الطيور المُغرِّدة، وخلَفَتها الغربان فعشَّشت، وصارت تنعق في أنحاء قصرٍ كان يوماً رمزاً للفَخَار، أمَّا الأُسُود الاثنا عشر؛ فمنذُ نُحتت من الحجر وهي فاقدة للحياة.

وقف زَيدون يرقب المحتفلين من بعيد، كانت ضربات قلبه تدقُّ كطبول الحرب، دخلت إيزابيلا القصر منتفشة في زهو، وخلفها جَرْوُها الأحمر لاهثاً، لمعت عيناه كوَبَرِ شنترين الذهبي، لم يكن يحلم بهذا اليوم الذي يغادر فيه العرب بلا رجعة، عزفت الموسيقى فطار آخر عصفور، حتى الغربان انزعجت هي الأخرى، دخل الهمج القصر فعاثوا به، تعالت ضحكاتهم.. قهقهوا.. شربوا.. ثملوا.. وحُقَّ لهم؛ فالتاريخ لا يعترف إلا بمن غلب، والغالب هو مَن يكتبه، ولولا تفرُّق المسلمين وتشرذمهم، وموالاة الأعداء، وتكفُّل بعضهم بالقضاء على بعض ما كانوا ليتساقطوا كالبعوض في النار، ولولا العصبية المقيتة، ولولا الدسائس والخونة لكان لهم شأن آخر.

وقف كريستوفر كولمبس منتشياً يهزُّ رأسه، انبعثت الهتافات من جموع المحتفلين: «أنت الرَّبُّ.. الحمد لك». سالت دموع زيدون فحرقت خدَّيه، وهوت دمعةٌ على الأرض فخشعتْ، حمل على ظهره ما تبقَّى من قديدٍ وزيت زيتون، وقطعة من جبن غرناطة، وجوزة من أشجارها، ومفتاح بيت أضحى أثراً بعد عين، ترك حمراءه الذي ساس خيوله العربية، أتُراها تتأبَّى على غير أصحابها؟! أم تخضع هي الأخرى لتعيش؟! لتعيش فحسب!

***

منذ أيام وأُمُّه لا تتكلم، صامتة ترفض الطعام والشراب، تندب حظَّ أُمَّةٍ عَثِراً، تقول في نفسها: ليتني متُّ قبل هذا، لمن نترك بلاد الآباء والجدود؟! كان كل مَنْ حولها يستنطقونها؛ لكنها اختارت الاتشاح بالصَّمت والسَّواد.

على مقربة منها، وفوق ربوةٍ عاليةٍ قريبةٍ منها، وقف وَلَدُها آخر ملوك غرناطة، أطلَّ على قصر الحمراء، كان برغم كل شيء يبدو شامخاً، ظللته سحابة سوداء ذهبت ببهجته، رأى الرايات يراودها الهواء فتتراقص كاللهب، لمح بجانبها صليباً فضياً عالياً، سمع الأجراس تدقُّ دون هوادة، تحسَّر على مجده، ومجد أُمَّته الذي ولى، تذكَّر تلك الليالي الصاخبة، ندم على ما فرط في جنب دينه وأمَّته، كان بوسعه أن يحافظ على غرناطة، آخر أمل للمسلمين في الأندلس.. لكنها الخيانة والحماقة!

بكى.. بكى بحرقة.. ارتفع نحيبه، تجاوب معه كل مَن حوله، إلا أمه عائشة الحرة، نظرت إليه نظرة خلعت قلبه، أطلقت صيحة صدَّعت جدران الصمت: «فلتبك كالنساء مُلْكاً لم تدافع عنه كالرجال!».

نكس الصغير رأسه من جديد، ثم أطلق زفرته الأخيرة في هذا المكان، ولا يزال الإسبان يطلقون عليه «زفرة العربي الأخيرة»!