كان فتح الأندلس، سنة 92هـ/711م، آخر الفتوح الكبيرة في الجناح الغربي للدولة الإسلامية، وكان فتحاً مبيناً لا كفاء له في نصرة الملة المحمدية، وقد بنى المسلمون على ظهر شبه الجزيرة هذه أعظم حضارة عرفتها في تاريخها، حضارة كانت العقيدة الإسلامية أساسها، واللغة العربية لسانها، وهي التي لا تزال بتطورها المادي، ورقيها العقلي، وبعدها الإنساني، وجانبها الروحي، تدهش المؤرخين الغربيين وغيرهم حتى اليوم. حدث كل ذلك في الوقت الذي كانت فيه أوربا بجوارها تتخبط في ظلمات الوثنية والجهالة والحياة البدائية.

عصر دول الطوائف:

ظل المسلمون في الأندلس أقوياء متمكنين سياسياً وعسكرياً، وفي بحبوحة من العيش، وحضارتهم في تقدم وازدهار، حتى نهاية القرن الرابع الهجري/ أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، حين سقطت دولة المنصور بن أبي عامر، سنة 399هـ/1009م، وذلك نتيجة لعمل طائش قام به ولده عبد الرحمن المعروف بشنجول، الذي ولي حجابة الخليفة هشام بن الحكم، بعد وفاة أخيه عبد الملك (المظفر)، وهو إجبار هذا الخليفة، الذي لم يكن له من الأمر شيء، أن يعهد إليه بولاية العهد، فانصاع له الخليفة، وكتب له مرسوماً مضمونه أن «الخليفة لم يجد من هو أصلح لولاية العهد، من هذا القحطاني». فاستفز هذا العمل الناس، أشدّ استفزاز، وبخاصة المروانية والمضرية، فقد عزّ عليهم أن تخرج الخلافة عن قريش، وتتحول لليمانية، مع ما في ذلك من مخالفة لعقيدة أهل السنة، ولذلك فقد ثاروا على ذلك الحاجب الأرعن المغرور وقتلوه، وبمقتله دخلت البلاد في سلسلة متلاحقة من الفتن المزلزلة والدموية، والتي أدت في النهاية إلى إلغاء الخلافة الأموية، سنة 422هـ/1031م، ذلك البناء الشاهق الضخم، الذي اجتهد في بنائه أمراء وخلفاء عظام، على مدى 260 عاماً، وإلى تخريب قرطبة، والزهراء، والزاهرة، حيث قامت على أنقاض الخلافة الأموية زهاء عشرين دويلة، وهي التي عرفت في التاريخ باسم «دول الطوائف»، كبني عباد في إشبيلية، وبني جهور في قرطبة، وبني هود في سرقسطة، وبني ذي النون في طليطلة، وبني الأفطس في بطليوس، وبني صمادح في ألمرية، وبني زيري في غرناطة، وغيرهم. وكانت الحروب الأهلية هي الطابع المميز للعلاقة بين تلك الدويلات، التي أضاع حكامها الجهاد، وانغمسوا في الملذات والبذخ والترف، وأرهقوا الرعايا بالضرائب والمغارم الجائرة، وانتشر في ظلهم الفساد الاجتماعي والأخلاقي، واختلط الحلال بالحرام، والحق بالباطل، وشجعوا دول نصارى الشمال على العمل ضدهم، وبخاصة قشتالة، التي كانت تتزعم هذه الدول في الحرب ضد المسلمين، ولذلك فقد تمادت قشتالة في ما سمي بـ«حركة الاسترداد»، الهادفة إلى طرد المسلمين من الأندلس، ومحو الإسلام من الوجود على ظهرها، وبدعم من البابوية وفرنسا، إذ أخذ النفوذ الفرنسي السياسي والثقافي يتغلغل في شمال إسبانيا حينذاك، باعثاً فيها روحاً صليبية جديدة، ضد الإسلام. وقد اشتدت ضراوة هذه الحرب بعد ظهور ألفونسو السادس ملك قشتالة، ذلك الملك الداهية الواسع الطموح، ذو النزعة الصليبية المتعصبة، فقد أخذ يغير على المدن الإسلامية غارات متلاحقة، وينشر الرعب في ربوعها، ويهلك الحرث والنسل، وفي الوقت نفسه أخذ يضرب ملوك الطوائف المتصارعين بعضهم ببعض، ويستذلهم، ويفرض الجزية عليهم، ويعمل بذكاء على توسيع شقة الخلافات، فيما بينهم، وعلى مطالبتهم بالأموال، ليضعفهم عسكرياً واقتصادياً، خصوصاً أن أولئك الملوك الصغار نقضوا عقيدة الولاء والبراء، فكانوا يتسابقون للاستنجاد بهذا الطاغية، في حروبهم ضد بعضهم البعض، ويتنازلون له عن الحصون والمعاقل، في مناطق الثغور، تقرباً إليه، ولم يكن يردعهم عن ذلك رادع من دينٍ أو خلق، لأن كل ما كان يهمهم، هو الاحتفاظ بالملك، وبأي ثمنٍ كان، حتى قال فيهم ابن حزم، عالم الأندلس الكبير (384-456هـ): «والله لو علموا أن في عبادة الشيطان بقاءهم لبادروا إليها».

سقوط طليطلة وتداعياته:

استمر ملوك الطوائف في حروبهم الخاسرة، وصراعاتهم العبثية، حتى استيقظوا ذات يوم على وقع قارعة كبرى، وزلزلة عظمى، أصابت الإسلام في الأندلس، وهي سقوط طليطلة، حاضرة الثغر الأوسط، البالغة الحصانة والمنعة، وثالث الحواضر الأندلسية الكبرى، بعد قرطبة وإشبيلية، في يد ألفونسو السادس، ملك قشتالة، بدون حربٍ ولا قتالٍ، وإنما بخديعة ماكرة دبرها ألفونسو، واستسلام مشين، من أميرها يحيى بن ذي النون، وذلك في محرّم 478هـ/مايو 1085م. وكان سقوط هذه المدينة العظيمة، ذات الموقع الإستراتيجي، في وسط الأندلس، يعني شطر الأندلس إلى شطرين، ومن ثم عزل حواضر الشمال كسرقسطة، وتطيلة، ولاردة، ووشقة، وغيرها، عن حواضر الجنوب، كإشبيلية، وقرطبة، وبطليوس، وغيرها، كما أنه بسقوط هذه المدينة سقطت رقعة واسعة جداً في محيطها، وهي المنطقة التي امتدت جنوباً حتى جبال قرطبة، وشرقاً حتى تخوم بلنسية، مما أدى إلى زيادة مساحة دولة قشتالة إلى الضعف، بين يومٍ وليلةٍ، حيث صارت حدودها متاخمة لحواضر الجنوب على نهر الوادي الكبير، كإشبيلية وقرطبة، واللتان كانتا أبعد المناطق عن متناول العدو، وأيضاً لحواضر الشمال كسرقسطة، وكذلك لحواضر الشرق، كبلنسية، فصارت هذه الحواضر والمدن كلها تحت التهديد المباشر لقوات النصارى، وبالتالي عرضة للاجتياح من قبلها في أي وقت، ولهذا وغيره، كان سقوط طليطلة في يد النصارى كارثة كبرى للإسلام في الأندلس، وبدا واضحاً آنذاك أن دول الطوائف المنهكة والممزقة غير قادرة على مواجهة هذا التحدي الكبير، وأنها سوف تسقط تباعاً في أيدي النصارى الإسبان، وأن عهد الإسلام الزاهر قد أوشك على الزوال، وقد ساد الفزع جنبات الأندلس كلها يومئذ، حتى دعاهم شاعرهم ابن العسال الطليطلي، إلى الرحيل عنها، فقال:

يا أهل أندلس شدوا رحائــــلكــــــــم

 فما البقـــــــــــاء بها إلا من الغلــــــــــــــطِ

العقد ينسل من أطــــــــــــــــــــــرافه وأرى

 عقد الجزيرة منســـــولاً من الوســـــــــــطِ

ويعد بعض المؤرخين سقوط طليطلة خاتمة للتفوق السياسي للمسلمين في الأندلس، وبداية التفوق السياسي لإسبانيا النصرانية، ونتيجة لاستشعاره ذلك التفوق، فقد سارع ألفونسو السادس إلى اتخاذ طليطلة حاضرة لمملكته القوية الواسعة، ولقب نفسه بـ«إمبراطور إسبانيا»، وبـ«ذي الملتين» (الإسلام والنصرانية)، وذلك تعبيراً عن رغبته في التفرد بالملك على ظهر شبه الجزيرة، واستجابة لتحريض مستشاريه الفرنسيين، الذين حلوا في بلاطه، وعلى رأسهم زوجته الفرنسية كونستانس، وصديقها الدون فرناندو، أسقف طليطلة، وبعض القساوسة والرهبان الفرنسيين، أتباع نظام دير كلوني في وسط فرنسا، ذلك الدير الشهير الذي انبعثت منه الحركة الصليبية بزخمها القوي الهادر، وبتعصبها الديني الذي لم يُعرف له مثيل، ضد المشرق الإسلامي، بعد وقعة الزلاقة بعدة سنوات، ثم لم يلبث ألفونسو أن أرسل لملوك الطوائف يطلب منهم الدخول في طاعته، ويهددهم باكتساح عروشهم المهتزة إن لم يفعلوا، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، أشهر وأقوى ملوك الطوائف، لكن ابن عباد أظهر التحدي، ورد على التهديد بتهديدٍ مماثلٍ، بل إنه قتل رسول ألفونسو اليهودي الذي جاء لاستلام الجزية السنوية المعتادة منه، بسبب ما أظهره من وقاحة وتعنت أثناء جبايته لتلك الجزية.

الاستنجاد بالمرابطين:

لم يكن أمام ابن عباد سوى الاقتناع بمشورة العلماء، وهي وجوب الاستنجاد بالمرابطين، إخوانهم في الدين، في عدوة المغرب، للخلاص من المذلة، ولإنقاذ الأندلس من الخطر الصليبي الداهم، ولذلك فقد بادر ابن عبّاد إلى التشاور مع ملوك الطوائف الآخرين بهذا الخصوص، وعندما حذرته الحاشية من عاقبة هذا العمل، قال لهم قولته المشهورة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير». وقد تجاوب مع هذا الرأي أغلب ملوك الطوائف، كابن الأفطس: صاحب بطليوس، وابن بلكين: صاحب غرناطة، وابن صمادح: صاحب المرية، لأن الدرس، حقيقةً، كان عميق الأثر، والخطر داهم، وقد لا يبقي ولا يذر، لذلك فقد جنح ملوك الطوائف إلى الرشاد، وجمعت المحنة كلمتهم، واعترفوا بعجزهم عن مواجهة هذا الموقف الرهيب، فاتفقوا على الاستعانة بإخوانهم المرابطين، في عدوة المغرب. وقد تكون الوفد الذي بعثه ابن عباد إلى مراكش حاضرة المرابطين لمقابلة ملكهم وطلب النجدة منه من قضاة الجماعة في قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبطليوس، إضافة إلى أبي بكر بن اللبانة، وزير ابن عبّاد وشاعره المعروف. وكانت دولة المرابطين حينذاك في قمة عنفوانها وشموخها، وكانت تبسط سيطرتها على ربوع المغرب كله، من المحيط غرباً حتى تونس شرقاً، وتمتد جنوباً حتى غانا، في جنوب الصحراء الكبرى، وكانت تتمتع بوحدة سياسية ودينية قوية، وتقوم على أساس متين من الدين والفقه، وكان على رأسها أمير المسلمين وناصر الدين أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، الملك الداهية المحنك الزاهد، الميمون النقيبة، الذي كان عمره يومئذ قد تجاوز السبعين عاماً، ولكنه كان لا يزال يتمتع بحيوية الشباب، وكان ذا إرادة صارمة تقد الحديد قداً، وكان فوق ذلك محباً للجهاد ونصرة الإسلام، شديد التمسك بالكتاب والسنة، وكان تحت يده زهاء خمسين ألف فارس، أغلبهم من قبيلة لمتونة الصنهاجية (صنهاجة اللثام)، لذلك يطلق البعض على المرابطين اسم «اللمتونيين»، في حين يطلق عليهم البعض الآخر اسم «الملثمين»، لأنهم كانوا يضعون اللثام على وجوههم، كما يفعل أحفادهم الطوارق اليوم في الصحراء الكبرى. ومن هنا فقد وافق ابن تاشفين على نجدة مسلمي الأندلس، والعبور بنفسه إلى هناك على رأس جيشه، وذلك بعد أن امتلك ميناء سبتة، الواقع على مضيق جبل طارق والمطل على الأندلس، وأيضاً بعد موافقة ابن عبّاد، على التنازل عن الجزيرة الخضراء، بوابة الأندلس، للمرابطين، لتسهيل عملية دخولهم إليها وخروجهم منها. وهكذا بعد مضي حوالي عام من سقوط طليطلة في يد النصارى عبرت سفن المرابطين بأثقالها بحر الزقاق، إلى الجزيرة الخضراء التي اتخذها ابن تاشفين قاعدة لجيشه في الأندلس ولحفظ خط رجعته إلى المغرب. وهناك وافته جيوش الأندلس، والمتطوعون من جميع أرجاء الأندلس، ثم تحركت القوات باتجاه إشبيلية، فبطليوس، في جنوب غرب الأندلس، ومنها إلى سهل الزلاقة، في شمالي بطليوس، يتقدمها جيش الأندلس، بقيادة المعتمد بن عبّاد، وفي مقدمته ابنه عبد الله، وفي ميمنته المتوكل بن الأفطس، صاحب بطليوس، ويليه جيش المرابطين، بقيادة يوسف بن تاشفين، وكان قوام الجيشين معاً زهاء ثمانية وأربعين ألف مقاتل من الأندلسيين والمرابطين.

استعداد ألفونسو وخطته:

وفي أثناء عبور جيش المرابطين لبحر الزقاق (مضيق جبل طارق)، كان العديد من المدن الأندلسية، كسرقسطة، وطرطوشة، وبلنسية، تحت حصار جيوش النصارى، لذلك فقد اضطروا لرفع الحصار عن هذه المدن، ومن ثم الاستعداد لمواجهة الجيوش المرابطية والأندلسية المتحدة، الزاحفة نحو طليطلة، حيث سارع ألفونسو السادس إلى استنفار جميع أهل مملكته، وقام هو وبقية ملوك النصارى في الشمال بتكوين حلف قوي في ما بينهم، بقيادته، لمواجهة جيوش المرابطين والأندلسيين، وضم ذلك الحلف الممالك النصرانية الثلاث في شمال إسبانيا، وهي ليون، وقشتالة، ونافار، كما سارع ألفونسو إلى طلب النجدة من حكام النصارى، مما يليه في ما وراء جبال ألبرت، وأيضاً من البابوية، التي كانت تبسط سلطتها على جميع الممالك النصرانية في أوربا، وقد قامت الإمارات الفرنسية المجاورة بإمداده بجيش كثير العدد والعدة، إضافة إلى جموع المتطوعين الذين قدموا من بعض الدول الأوربية في الشمال، وكان على رأسهم جموع غفيرة من القساوسة والرهبان، وكان وجود هؤلاء بأناجيلهم وصلبانهم في صفوف جيش ألفونسو السادس يضفي على حملته طابع الحملة الصليبية بصورة واضحة، وذلك قبل انبعاث الحركة الصليبية من وسط فرنسا ضد المشرق الإسلامي بسنوات قليلة. وعلى كل حال، فقد اجتمع لألفونسو السادس جيش ضخم قوامه زهاء ستين ألف مقاتل من الفرنجة والجلالقة وغيرهم، حتى قال عندما نظر إليهم: «بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء». وقد رسم ألفونسو خطته على مواجهة جيوش المرابطين والأندلسيين بعيداً عن طليطلة وأراضي مملكته، أي في داخل أراضي المسلمين، حتى يمكنه الاستعداد لجولة ثانية من القتال في حال هزيمته، لذلك، فقد بعث للمسلمين يخبرهم بأنه سيزحف إليهم على رأس قواته، وكان هذا يتوافق مع سياسة ابن تاشفين الحذرة، والقاضية بعدم التوغل في الشمال، ولذلك انتظر المرابطون والأندلسيون زحف ألفونسو إليهم، ولم يزحفوا هم إليه. وفعلاً بادر ألفونسو بالزحف على رأس جيشه الضخم نحو الجنوب، حتى نزل شمال سهل الزلاقة، فعسكر هناك، ومن هناك ترددت الرسل بين المسلمين وبينه، فقد بعث إليه ابن تاشفين يخيره بين ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، عملاً بالسنة، فاستشاط ألفونسو غضباً لهذه الرسالة، وتورم أنفه، وأقسم لينتقمن من ابن عباد، كونه الذي جلب المرابطين للأندلس، ورد برسالة عنيفة، مملوءة بالتهديد والوعيد. وفي غضون ذلك قامت الأساقفة والرهبان على رأس جيش ألفونسو، فرفعوا صلبانهم ونشروا أناجيلهم، وشرعوا يتبايعون على الموت، لكي يثيروا حماس بقية الجند، ويحرضوهم على الاستماتة في قتال المسلمين. ثم إن ألفونسو أزمع الغدر بالمسلمين، كما هي عادته التي درج عليها في حروبه ضد أمراء الطوائف، فبعث لابن تاشفين، في يوم الخميس، أي قبل يوم واحد من نشوب المعركة، يقول له: «إن غداً الجمعة هو يوم عيد عندكم، ويوم الأحد يوم عيد عندنا، فلتكن المعركة يوم السبت»، لكن هذه الخديعة، لم تنطل على المسلمين، خصوصاً وأن ملوك الأندلس، وعلى رأسهم ابن عباد، كانوا يعرفونه، لكثرة ما عانوه من غدره ومكره، ونقضه لعهوده ومواثيقه. لذلك فقد بات المسلمون ليلتهم وهم على أهبة الاستعداد للقاء المرتقب.

المعركة ونتائجها:

في يوم الجمعة 12 رجب 479هـ/ 23 أكتوبر 1086م، تحقق ما توقعه الأندلسيون من غدر ألفونسو، فإنه في صبيحة هذا اليوم، شنت قواته هجوماً عنيفاً على جيش الأندلسيين، الذي كان يقوده المعتمد بن عباد، لكون ألفونسو كان يعتبر ابن عباد مسعر هذه الحرب، من جهة، ولأنه كان يظن أن الأندلسيين، بسبب ترهلهم وترفهم لن يستطيعوا الصمود في وجه جيشه، وأنه في حال هزيمتهم سيسهل عليه التعامل مع جيش المرابطين الصحراويين، وفعلاً استطاعت طلائع جيش ألفونسو بهذه الهجمة إزاحة طلائع الجيش الأندلسي عن مواقعها المتقدمة، وتجعل بعضها يلوذ بالفرار، أما المعتمد نفسه فقد صمد لهذه الهجمة الشرسة، وقاتل قتال الضواري، وأثخنته الجراحات، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، ولم يتزحزح عن مكانه حتى قدمت طلائع جيش المرابطين، بقيادة داود بن عائشة، فنفست عنه، ثم تلتها بقية الكتائب المرابطية، بقيادة يوسف بن تاشفين، والتي اشتبكت مع جيوش النصارى، في قتال ضارٍ، لا هوادة فيه، ولم تعرف جيوش النصارى مثيلاً له من قبل، وكانت أصوات طبول المرابطين الضخمة، تصم الآذان، وجمحت بسببها خيول النصارى، وصدق المسلمون الحملة على عدوهم، وحمي الوطيس، وفي غضون ذلك، بعث ابن تاشفين بكتيبة من جيشه إلى مقر معسكر جيش ألفونسو، فأشعلت فيها النيران، فزاد ذلك من إرباك جيش النصارى، الأمر الذي سمح لجيش المرابطين أن يخترق قلب الجيش النصراني، واستطاع أحد عبيد ابن تاشفين أن يصل إلى ألفونسو نفسه، وأن يطعنه طعنة نجلاء بخنجره المعقوف، قبل أن يصيح: الله أكبر، قتل الأنفوش. والحقيقة أنه لم يقتله، فقد كانت الطعنة في فخذه، وعلى إثر ذلك، فرّ ألفونسو من ساحة المعركة، في مئاتٍ من فرسانه، ولجأ إلى ربوة منيعة عالية، ولما حل الظلام تسلل عائداً إلى طليطلة.

ومن أهم نتائج هذه المعركة، ما يلي:

سحق جيش الملك المتغطرس ألفونسو السادس، ملك قشتالة، وكسر شوكته، وتحطيم طموحه، ومن ثم، توجيه ضربة موجعة لحركة الاسترداد، التي كانت قد قويت في هذه الفترة، وإبقاؤها ضعيفة لعدة عقود من الزمن.

إنقاذ الكثير من المدن والمعاقل الأندلسية من سقوط محقق بأيدي النصارى، كسرقسطة وتطيلة، ولاردة، ووشقة، في الشمال، وكطرطوشة، وبلنسية، في الشرق، بل إنقاذ الأندلس برمته من خطر السقوط المبكر بأيديهم.

أعاد هذا الانتصار الكبير الثقة إلى مسلمي الأندلس، وأزاح عن كواهلهم ما كانوا يشعرون به من مذلة، نتيجة تسلط النصارى عليهم، ودفع حكامهم الجزية لهم، وقويت قلوبهم على البقاء في مدنهم ومعاقلهم، التي كانوا قد أوشكوا على النزوح عنها، وخصوصاً المتاخمة لحدود دول النصارى.

ثبّت هذا الانتصار أقدام المرابطين بالأندلس، ومكن ابن تاشفين من الإطاحة بملوك الطوائف عام 483هـ، وبذلك أصبح المغرب والأندلس يكونان دولة إسلامية واحدة قوية عاصمتها مرّاكش، وهذا العامل بالذات هو الذي وضع حداً لتقدم النصارى في شمال وشرق الأندلس، وليس انتصار الزلاقة بحد ذاته، وقد قام ابن تاشفين بإلغاء الضرائب الجائرة التي سادت في عصر ملوك الطوائف، فاكتسب بذلك محبة أهل الأندلس.

إشكالية عدم استعادة طليطلة:

لقد انتصر المرابطون والأندلسيون انتصاراً باهراً في الزلاقة على النصارى، ولكنهم لم يتوجوا انتصارهم الباهر هذا بتحرير طليطلة، التي عبر المرابطون المجاز لأجلها ومن ثم خوضهم لهذه المعركة الخالدة، إذ يذكر بعض المؤرخين أن ابن عباد بعد انتهاء المعركة أخذ يحث ابن تاشفين على الزحف شمالاً لاستعادة طليطلة، وتتبع ألفونسو، وقطع دابره، ولكن ابن تاشفين، لم يستجب لذلك، كما زعموا، خوفاً من كمائن العدو التي قد يقع فيها جيشه الغريب عن الأندلس، وأيضاً خوفاً من قطع خط رجعته. ويزعم أنصار ابن عباد أن ابن تاشفين لم يحاول استعادة طليطلة وقطع دابر ألفونسو خوفاً من زوال الخطر على ملوك الطوائف، والذي بزواله تنتفي الحاجة لوجود جيشه بالأندلس، لكن هؤلاء لم يذكروا لنا سبباً واحداً لعدم زحف ابن عبّاد نفسه على رأس جيشه لتحريرها، أو تكليف أحد قادته بهذه المهمة، وبخاصة بعد سحق جيش عدوه اللدود ألفونسو. وبرغم عدم معرفتنا للسبب الحقيقي لعدم تحمس ابن تاشفين لاستعادة طليطلة بعد انتصاره في الزلاقة، إلا إنه يمكن القول أن استعادة طليطلة لم تكن بالسهولة التي يصورها لنا هؤلاء، وذلك للاعتبارات التالية:

أن طليطلة، كانت بعيدة جداً عن سهل الزلاقة، الذي دارت فيه المعركة.

أنها كانت مدينة بالغة الحصانة، وقد يستغرق حصارها شهوراً طويلة، ولم تكن الظروف تسمح لابن تاشفين بالبقاء طويلاً في الأندلس، لأن بلاده من خلفه ستكون عرضة للخطر خلال هذه المدة.

أن التوقيت لم يكن مناسباً لذلك الحصار، لأن الأندلس كانت على أبواب الشتاء، وشتاء إسبانيا، كما هو معروف، شديد البرد، غزير المطر، كثير الثلوج، ولم يكن المرابطون الصحراويون مستعدين لذلك.

 أن النصارى في شمال إسبانيا كانوا قد قطعوا شوطاً عظيماً في تكوين دولهم وترسيخ أسسها، وصاروا يشكلون جبهة واحدة قوية ضد المسلمين، وكانوا في ذروة حماسهم الديني، ولم يكن بمقدور أية قوة أن تقضي عليهم، وأن تغير دوران عجلة التاريخ، التي كانت قد بدأت تدور لصالحهم، في معركة واحدة أو معركتين، حتى لو استعاد المرابطون طليطلة وقطعوا دابر ألفونسو، خاصة إذا ما علمنا أنهم كانوا في وضع هجومي، وأن البابا والقوى الأوربية الصاعدة تقف خلفهم، بينما المسلمون كانوا منذ سقوط خلافتهم في وضع دفاعي، وفي حالة يرثى لها من التمزق، ولم يعودوا بنفس الحماس للجهاد، الذي كان عليه أسلافهم زمن الفتوحات.

ومع ذلك، فإن الحقيقة تبقى، وهي أن عدم استعادة طليطلة كان خطأ إستراتيجياً، لأنها ظلت خنجراً مسموماً في خاصرة الأندلس، بل في خاصرة الدولة المرابطية، التي صارت تحكم المغرب والأندلس بعد الزلاقة. وهذا الخطأ، بطبيعة الحال، من وجهة نظرنا نحن، بعد أن اتضحت لنا الصورة، وليس لنا أن نلوم ابن تاشفين عليه، أو نقلل من قيمة انتصاره، ومن أهمية هذا اليوم العظيم في تاريخ الأندلس، بشكل خاص، وتاريخ الإسلام بشكل عام. هذا وتجدر الإشارة، إلى أن الموحدين، حاولوا استعادة طليطلة، بعد انتصارهم الباهر على النصارى، في معركة الأرك، سنة 591هـ، ولكنهم لم يفلحوا، بسبب حصانتها واستماتة النصارى في الدفاع عنها.