مثلما جعل الله تعالى للناس زماناً شريفاً فاضلاً تتنزَّل فيه الرحمات، وتَعظم فيه النفحات، ويكون هذا الزمان بذلك التكريم محلاً لاجتهاد الصالحين، وميداناً لتسابقهم في الاغترافِ من هذا الشرف والفضل، والنَّهَلِ من تلك المكانة الممنوحة؛ فكذلك الحال في الأمكنة! فلقد فضَّل الله تعالى بعض الأمكنة على بعض، وجعلها مثابة للناس وأمناً، وخلع عليها من رحماته وأفضاله ما ميزها على ما سواها، وما جعلها ذات مكانة مميزة عند عباده الطائعين.

ومدينة القدس هي من تلك الأمكنة المشرفة والمفضلة؛ بارك الله فيها وحولها، ورفع قدرها بإيجاد المسجد الأقصى فيها، ذلك المسجد الذي ربط الإسلام بينه وبين المسجد الحرام في الرحلة المعجزة، فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ إلَى الْـمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: ١]، كما أنه مسجد تضاعف فيه الصلوات[1]، وكان محطاً ومَجمعاً للأنبياء والرسل، وقبلة أولى للمسلمين قبل أن يؤمروا بدوام التوجه لبيت الله الحرام بمكة المكرمة.

هذه الأمكنة التي شرفها الله وفضلها من سائر الأماكن، ليست مجرد بناء من الحجارة والأخشاب، ولا تتفاضل على ما عداها بما فيها من كنوز وماديات؛ إنما هي أبنية تتجسد فيها المبادئ، وأمكنة صارت مَعْلَماً على قيم محددة، وبقدر ما تكون هذه المبادئ وتلك القيم ذات أهمية وعلو ورسوخ، تكون الأمكنة أيضاً بالضرورة ذات أهمية وعلو ورسوخ.

ونستطيع أن نبرز ما لمدينة القدس من أهمية وتميز في المنظور الإسلامي وفي وجدان المسلمين، من خلال الإشارة إلى بُعْدَين مهمين توافرا لهذه المدينة، وميَّزاها من بين المدائن، وهي أنها المدينة الجامعة الحارسة.

القدس.. المدينة الجامعة

لقد كانت مدينة القدس جديرة بأن توصف بأنها المدينة الجامعة؛ لأنها المدينة التي شهدت ميلاد وحياة وبطولات كثير من الأنبياء؛ بل يكفيها أن توصف بهذا الوصف لأنها شهدت اجتماع الأنبياء جميعاً في بيت المقدس، ليلة الإسراء والمعراج، حين صلى بهم إماماً خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان ذلك إيذاناً بهيمنة رسالته الخاتمة على كل الرسالات، وبانتقال بيت المقدس إلى عهدة الإسلام وأمانة المسلمين.

في مدينة القدس عاش داود وسليمان عليهما السلام، وعاش عيسى وأمه عليهما السلام، وعلى مقربة منها دُفن خليل الرحمن إبراهيم[2]، ثم جُمع الأنبياء خلف خاتمهم صلى الله عليه وسلم، إنها حقاً المدينة الجامعة!

إن للقدس - من دون سائر المدن - مكانة مميزة عند أصحاب الرسالات السماوية الثلاث، حتى ولو لم يرها موسى عليه السلام، ولو لم تتنزل فيها التوراة شريعة اليهود، وقد عاش فيها أصحاب الرسالات الثلاث في وئام وسلام تحت راية الإسلام قروناً عدة، قبل أن تعصف الأهواء بأصحاب المطامع والمشاريع الاستيطانية، الذين وجدوا الدعم الكامل من الغرب الاستعماري؛ فعاثوا في المدينة فساداً، وحرموها من أن تظل كما كانت مدينة جامعة لأتباع الأنبياء.

فالقدس وإن كانت مدينة جامعة بحق فإنها لم تتمتع بهذه الجامعية إلا في رحاب الإسلام، الذي أتاح الأمان لكل المنضوين تحت رايته، وصان دماءهم وأعراضهم، وأمَّنهم على بِيَعهم وكنائسهم، وجعل الإيمان بكل الأنبياء دون تفرقة ركناً أساسياً لا يتم إيمان المسلم دونه: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: ٥٨٢]، لقد عاش اليهود في كنف القدس تحت راية الإسلام، قبل الحروب الصليبية وقبل الاستعمار الحديث، مواطنين متمتعين بالحقوق التي يتمتع بها المسلمون في هذه المدينة، وكذلك عاش النصارى.

وكان الاستعمار الخارجي - قديماً في الحروب الصليبية، وحديثاً في غزوة نابليون بونابرت لمصر وفلسطين - حريصاً على انتزاع صفة الجامعية عن مدينة القدس، وذلك بأن يهدم التعايش الذي قرره النبي صلى الله عليه وسلم في صحيفة المدينة، وحرص عليه المسلمون بعده؛ حتى يسهل له النفاذ لعمق البلاد الإسلامية، وليجد مبرراً لتدخُّله تحت زعم حماية الأقليات الدينية!

فقد تحالف نابليون مع اليهود، عندما غزا مصر عام 1798م، ووقف في أبريل عام 1799م أمام أبواب مدينة عكا، وأصدر نداءه الشهير إلى اليهود، والذي جاء فيه: «إن العناية الإلهية التي أرسلتني على رأس هذا الجيش إلى هنا، قد جعلت رائدي العدل، وكلفتني بالظفر، وجعلت من القدس مقري العام، وهي التي ستجعله بعد قليل في دمشق، التي لا يضير جوارها بلد داود.. يا ورثة فلسطين الشرعيين.. انهضوا، وبرهنوا على أن القوة الساحقة التي كانت لأولئك الذين اضطهدوكم، لم تفعل شيئاً بسبيل تثبيط همة أبناء هؤلاء الأبطال الذين كانت محالفة إخوانهم تشرف إسبرطة وروما»[3].

ففي عهد الإسلام وأمانه، كانت القدس مدينة جامعة، توفر الأمان والكرامة والحقوق لكل أبنائها، بينما في عهد غيره أريد لها أن تكون مدينة مفرِّقة، لا يتساوى ساكنوها في الحقوق وفي صون الدماء والأعراض ودور العبادة، بل لا تعرف إلا لوناً واحداً من الدين والفكر؛ وليذهب من يخالفون ذلك إلى خارج المدينة، أو ليبقوا فيها عبيداً أذلاء!

 

القدس.. المدينة الحارسة

كما أشرنا، فإن مدينة القدس لها مكانة راسخة متميزة في قلوب المسلمين، لما ميزها الله تعالى وحباها من نفحات،  ومن ثم كان المسلمون- وما زالوا - يتنادون لمصابهم فيها.

ولأن مدينة القدس كثيراً ما كانت مرمى لسهام الأعداء، وهدفاً لأطماعهم وحملاتهم العسكرية، قديماً وحديثاً؛ فإنها صارت رمزاً لهذا التدافع الحضاري؛ الذي يجري على أسنة الرماح وعلى حد السيوف وضربات المدافع!

وأصبح المسلمون يتنادون ويتناصرون كلما أصاب القدس مصاب، وحلَّ بها بلاء، بأكثر مما يتنادون ويتناصرون لأي مصاب أو بلاء آخر.

وبهذا التنادي والتناصر للقدس، صار يحصل للمسلمين من استجماع الطاقات، واستنفار الهمم، وتوحيد الصفوف.. ما لا يحصل لهم بغيره.

فكأن القدس - ويا للمفارقة - تحولت إلى مدينة حارسة للمسلمين ولقيمهم، ولنخوتهم وفروسيتهم، واتحادهم، لا أن المسلمين هم من يحرسونها!

ولذا، فنحن نرى بأعيننا أن المسلمين يتدافعون ويتناصرون لمصاب القدس، ولمصاب فلسطين عامة، بأكثر من أي مصاب آخر، فهي - بحق - قضيتهم المركزية، التي معها يتعالون على خلافاتهم وجراحاتهم وهمومهم، ولا توجد قضية أخرى يتوحد عليها المسلمون- من جاكرتا بإندونيسيا إلى طنجة بالمغرب - مثل قضية القدس وفلسطين.

ولننظر مثلاً كيف تفاعل العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومعه الجاليات الإسلامية في أوربا وأمريكا، ومعهم أحرار العالم؛ تجاه غلق الكيان الصهيوني بوابات المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه ومحاولة فرض بوابات إلكترونية على مداخله، في شهر يوليو الماضي، حتى استطاع المرابطون في الأقصى أن ينتصروا على إرادة الاحتلال، وأن يستعيدوا الأقصى كما كان قبل الأزمة.

كذلك، فلننظر كيف هب المسلمون في كل قارات العالم، لرفض قرار الرئيس الأمريكي، في 6 ديسمبر الماضي، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبار المدينة المقدسة عاصمة الكيان الصهيوني، مؤكدين مكانة القدس في الوجدان العربي والإسلامي.

ولو أننا نرى مثل هذا التفاعل الحار من العالم الإسلامي - على تنامي أطرافه - تجاه قضاياه الأخرى، وهي كثيرة؛ لما كان المسلمون في هذه الحالة من الضعف والاستكانة، ولما تجرأ عليهم غيرهم واستخف بحقوقهم.

فالقدس حارسة للوعي والضمير الإسلامي، الذي يجب أن يكون منتبهاً دائماً إلى ضرورة وحدته، وإلى أهمية وقوفه صفاً واحداً لمواجهة الأخطار الخارجية، وإلى أن ما يجمع العرب والمسلمين أكثر مما يفرقهم، بل إن تجمعهم هو الوسيلة لقطع الطريق على ما يمكن أن يفرقهم ويمزق صفوفهم.

نعم، إن القدس هي المدينة الحارسة للعقل المسلم، وهي الكفيلة بأن تضبط البوصلة على الاتجاه الصحيح والطريق المستقيم، بعيداً عن متاهات الطرق الجانبية.

 


 


[1] الصواب أن الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة، لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: «تذاكرنا ونحن عند رسول الله أيهما أفضل؛ مسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله: صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شَطَنِ فَرَسِهِ من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس خيراً له من الدنيا جميعاً». رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي والألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم (2902).

[2] «مكانة بيت المقدس»، د. عبد الحليم عويس، ص27، 28، مركز الإعلام العربي، ط2، 2007م، باختصار.

[3] «القدس الخالدة»، د. عبد الحميد زايد، ص270، تقديم د. عبد العظيم رمضان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 2000م.