تنظيمات العنف بوصفها أداةً توظف في إدارة الصراعات المحلية والإقليمية والدولية

تجب التفرقة هنا بين مصطلحين أساسيين، وهما: التوظيف والاختراق: فالأول بمثابة هدف، والثاني وسيلة لتحقيق الهدف.

من السهل على مراكز الأبحاث وأجهزة الاستخبارات توقع أفعال وردود أفعال تنظيمات العنف، وبناء نماذج تقريبية على درجة كبيرة من الدقة، لسلوكياتها وممارساتها وتصرفاتها، وهذا ما يجعلها أداة مثالية للتوظيف في الصراعات للدرجة التي تجعل وجودها مهماً، وصولاً إلى مستوى إنشائها إن لم تكن موجودة بالفعل، أو دعمها إن كانت ضعيفة متهالكة.

وبالإضافة لما سبق، توجد عوامل إضافية تعزز من قيمة هذه التنظيمات التوظيفية في الصراعات، وهي:

نزعة التشدد البالغة لدى هذه التنظيمات تتيح مجالا ًأرحب للتحكم وتحقيق الأهداف الجانبية.

النموذج المعرفي والتطبيقي الذي تقدمه هذه التنظيمات ليس تنافسياً، ولا يشكل خطراً حقيقياً - في حال دعمه وتوظيفه - على توازنات الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام، بل إن إبرازه على أنه واجهة للإسلام يحقق مكسباً حقيقياً في هذا الصراع لصالح الغرب.

بناء على ما سبق يمكن ملاحظة أنه في خلال المدى الزمني القريب والذي يمتد منذ عام 2012م إلى 2016م، كان وجود تنظيم داعش يشكل مكسباً سياسياً وأحياناً هدفاً لبعض الدول المعنية بشأن المنطقة إقليمياً ودولياً بحسب تطور قوة التنظيم ونقاط اشتباكه، وينطبق ذلك بالأخص على إيران وسوريا والكيان الصهيوني وروسيا وأمريكا .

لذلك كانت حملة التحالف الدولي ضد داعش والتي بدأت عام 2015م شكلية لدرجة كبيرة وغير فعالة، وظلت كذلك ربما حتى منتصف عام 2016م، وهو ما جعل الحاكم الأمريكي الأسبق للعراق» بول بريمر» يصف هذه الحملة العسكرية التي كانت تدار أمريكياً، بأنها «مجرد حملة علاقات عامة»، وأن أغلب الطائرات تعود دون أن تقصف أهدافاً، وأن أغلب الأهداف التي تُقصف غير مؤثرة.

ولفترة زمنية طويلة ظل المئات من المجندين الجدد ينضمون للتنظيم عبر خط نزوح جغرافي طويل، يمتد من أوربا الغربية إلى سوريا والعراق، عبر تركيا ودول أخرى، وهو ما يصعب تخيل حدوثه دون وجود دعم خفي أو غض للطرف لأسباب مختلفة.

كما توجد شواهد متعددة على دور إيراني في تعزيز نزعة التشدد والتكفير لدى التنظيم بطرق مختلفة، وعلى تمرير ملايين الدولارات إلى قيادات التنظيم وفروعه، خاصة حتى عام 2015م.

وليس خافياً مستوى التنسيق المتواصل لسنوات - منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م - بين قيادات التنظيم وبين النظام السوري، فحتى بعد تدخل الروس عسكرياً كان قصف أهداف التنظيم ومقراته هدفاً ثانوياً لدى القيادة العسكرية الروسية.

الخلاصة أن التنظيم قدم خدماته عبر سنوات لدول كثيرة في مقدمتها إيران والنظام البعثي، ولم يكن ذلك ليتم بدون وجود قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة، وبدون وجود اختراق واسع النطاق للهيكل التنظيمي.

هذا الاختراق يمتد لكافة المستويات القيادية والقاعدية، حتى على مستوى الصف الأول، وإن كان يتركز بصفة أساسية في قيادات الصفين الثاني والثالث، وهو ما أثبتته عمليات الإعدام الدورية التي ينفذها التنظيم ضد قياداته بتهمة العمالة والخيانة.

باختصار، تحول تنظيم داعش ليصبح أداة لإعادة صياغة التحالفات، وتنفيذ تقاربات سياسية، وإعادة ترتيب المصالح، وتحقيق توافقات لم تكن ممكنة، وتغيير أولويات كانت محسومة ..إلخ.

تداعيات ظهور وانهيار داعش في العراق وسوريا

أولاً بالنسبة لإيران:

 نجحت طهران في إنقاذ النظام السوري من الانهيار عن طريق إعادة ترتيب أولويات الدول الإقليمية والكبرى في معالجة الأزمة السورية، ومن المعروف أن بقاء النظام السوري يمثل قضية حياة أو موت بالنسبة لحزب الله اللبناني.

 تمكنت إلى درجة كبيرة من فتح ممر مباشر إلى البحر المتوسط عبر الأراضي العربية السنية في العراق، مروراً بشرق وشمال سوريا، وإن كانت أمريكا تعرقل - حالياً - الإتمام النهائي لهذا الممر الحيوي.

تعزز النفوذ الإيراني في العراق بإنشاء مليشيا الحشد الشعبي الطائفية، التي يقودها عراقيان معروفان بولائهما التام لإيران، وهما: هادي العامري، وأبو مهدي المهندس.

وقد اكتسبت المليشيا وجوداً قانونياً بضمها للقوات المسلحة، كما أنها باتت متغلغلة في مختلف المؤسسات العراقية المدنية، وينظر إليها البعض على أنها بمثابة النموذج العراقي لــ«الحرس الثوري» الإيراني.

ثانياً: بالنسبة للعرب السنة في العراق:

تدمرت الحاضرة العربية السنية بصورة شبه تامة، فالمدن الكبرى مثل: الفلوجة،و الرمادي،و الموصل، تم تدميرها حرفياً، وتهجير ملايين من أهلها، فضلاً عن مئات من القرى والبلدات الصغيرة التي تمزقت بسبب المواجهات العسكرية المتكررة طيلة السنوات الماضية، ولم يعد هناك من مطلب للعرب السنة إلا أن يبقوا أحياءً، وأن يعودوا إلى منازلهم المهدمة ليعيشوا في أطلالها، خاصة وأن التجارب السابقة علمتهم أن شعارات «إعادة الإعمار»  مجرد زوبعة إعلامية لا تسفر عن تغيير حقيقي على أرض الواقع.

على المستوى السياسي، فإن العرب السنة لم يعد لديهم قادة حقيقيون، فلم يبق إلا بعض السياسيين أو البرلمانيين الذين لا يملكون تأثيراً، وليس لهم حول ولا قوة، فضلاً عن أن بعضهم يتاجر بقضايا العرب السنة ولا يخدمها. وإذا لم يكن هناك قادة، فليس ثمة مطالب.

تمكنت الطائفة الشيعية من إحداث تغييرات ديمغرافية في مختلف أنحاء العراق، وفي نقاط التماس المشتركة بين مناطق السنة والشيعة، مثل «تكريت» من خلال مصادرة الأراضي، وإعادة رسم حدود المدن والمحافظات كما حدث في جنوب الأنبار - منطقة النخيب - وفي نقطة تماسها مع محافظة كربلاء، وتهجير آلاف الأسر خارج مناطقها ورفض عودتها مرة أخرى -  أو عرقلتها  -  بعد انتهاء المواجهات، كما هو الحال في الفلوجة وغيرها.

ثالثاً: بالنسبة لأمريكا:

اعتمدت إدارة الرئيس السابق أوباما إستراتيجية «الإدارة بالصراع»، وذلك بتقليص التدخل الأمريكي المباشر في الأزمات، وفتح ساحات للصراع أمام دول المنطقة تستنزف طاقاتهم، وتدفعهم لطلب التدخل الأمريكي السياسي لدعمهم، لذلك كانت واشنطن تحرص على إبقاء جذوة النزاعات مستعرة دون أن يتمكن أحد الأطراف من تحقيق نصر نهائي.

هذه الإستراتيجية كانت تتطلب وجود قوة عسكرية على قدر كبير من النزق والحماقة والاندفاع، لتنفيذها، وهو الدور الذي لعبه تنظيم داعش ببراعة.

تعتمد واشنطن في مناطق مثل العراق، على إستراتيجية «الهدم والبناء»، لاستنزاف الطاقات سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فهي تنفذ حملات عسكرية تؤدي إلى هدم واسع النطاق، ثم بعد ذلك تبدأ حملات إعادة الإعمار، والتي ربما يعقبها بعد سنوات حملات عسكرية جدية وحملات هدم متكررة، وهكذا.

التنظيمات المتطرفة تعد عنصراً حيوياً لتنفيذ هذه الإستراتيجية، فالقاعدة في العراق مثلاً - بقيادة الزرقاوي- تسببت في تدمير الفلوجة مرتين عام 2005م، ثم تسبب التنظيم المتفرع عنها - داعش-  في تدميرها للمرة الثالثة عام 2016م.

 حالياً لا يبدو أن الرئيس دونالد ترمب تمكن من الخروج عن إستراتيجية أوباما، برغم تصريحاته المتكررة، وبرغم بعض الغارات الشكلية التي نفذها ضد النظام السوري، فهو لا يزال يدور في فلك الهدم والبناء، وإدارة الصراعات لتبقى لا لتنتهي.

التصعيد الكبير ضد داعش - أمريكياً وإيرانياً -  منذ منتصف  2016م، كان ناتجاً عن انتهاء دور التنظيم، وجهوزية الساحة لمرحلة جديدة من الصراع، لن يلعب فيها التنظيم دوراً بوصفه «دولة» لكنه ربما يلعب دوراً بوصفه تنظيماً إرهابياً، ومن الواضح أن أمريكا قد استغرقت الفترة الماضية أثناء وجود التنظيم، لتجهيز البديل المناسب له، وهو المليشيات الكردية، بعد تدريبها وتجهيزها، لتكون طرفاً عسكرياً وسياسياً فاعلاً في مرحلة جديدة وقادمة من الصراع، ويكفي أن تلك القوات ستُعامل على أنها »البطل» الذي نجح في دحر داعش عسكرياً، وهو ما سيكسبها زخماً سياسياً كبيراً، خاصة على الصعيد الدولي.

رابعاً: بالنسبة للنظام السوري:

منذ عام 2012م اتبعت دمشق إستراتيجية «عسكرة الثورة» عن طريق عدد من الإجراءات والخطط، أبرزها: إطلاق سراح مئات المعتقلين الجهاديين لديها في سجن صيدنايا المعروف، وقد انطلق هؤلاء ليؤسسوا تنظيمات عسكرية مزقت الساحة السورية وشتت أهداف الثورة وحرفتها عن مسارها، كما أنها قدمت مسوغاً للدول الغربية لكي تغير موقفها من النظام السوري، وهو ما حدث بالفعل بعد أشهر قليلة من ظهور هذه التنظيمات.

كان ظهور داعش هو المرحلة الثانية من النجاح في تحويل الساحة السورية إلى ساحة لمكافحة الإرهاب، وليس للثورة على النظام القمعي في دمشق.

تمتلك المخابرات السورية اليد الطولى في اختراق تنظيمات العنف في المنطقة، وفي تسريبات منشورة لمدير مكتب الأمن الوطني السوري - اللواء علي مملوك - في عام 2010م اعترف صراحة أن المخابرات تخترق عدداً كبيراً من هذه التنظيمات وصولاً إلى التحكم في قرارات بعضها وتوظيفها، بل إن بعض قادة هذه المجموعات ينتمي مباشرة للمخابرات.

التعاون بين النظام وداعش لم يعد سراً، وتفاصيله لا حصر لها، وهي تمتد من تقديم دعم عسكري مباشر من خلال معلومات عن مخازن الأسلحة والذخائر، أو من خلال الانسحاب المتفق عليه من بعض المناطق، أو من خلال مواجهة عدو مشترك مثل الجيش السوري الحر.

في مرحلة ضعف النظام وقرب انهياره - قبل التدخل الروسي - كان داعش يقدم خدمة الاحتفاظ بالأراضي السورية بعيداً عن سيطرة الثوار، وكان طموح النظام وقتها يقتصر على السيطرة على ما اصطُلِح على تسميته بــ«سوريا المفيدة»، لكن بعد التدخل الروسي، وتدهور فصائل الثورة، أصبح من حق النظام السوري أن يسترد «عاريته»، ويسترجع الأراضي التي احتفظ التنظيم بها، ولعل ما حدث في مدينة «تدمر» يعطي مثالاً على ذلك.

بصفة عامة، فإن سقوط داعش يترك فراغاً هائلاً، سيملؤه غالباً خصوم وأعداء العرب السنة في العراقو سوف يتمدد نفوذ الميلشيات الشيعية، ومن خلفهم إيران.

وفي سوريا سيتمدد نفوذ الأكراد، كما سيستعيد النظام أنفاسه ومناطقه ليقضي على البقية الباقية من فصائل الثورة، أو يحتويها باتفاقات سياسية عديمة القيمة.

باختصار، إن المتأمل والدارس لنشأة تنظيم داعش وتطوره وتمدده ثم انهياره، لن يرى إلا يداً إيرانية تعبث وتدمر، وغفلة سنية تلدغ من ذات الجحر مرات ومرات.