بالنسبة للشباب الفلسطيني الذين خرجوا في شوارع القدس والمدن الفلسطينية عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس فإن تلك معركة هوية وأرض وحياة، وليست مجرد معركة سياسية تدور رحاها في أروقة المنظمات الدولية حول حقوق «متنازع» عليها، لذلك نجد القيادات الصهيونية شعرت بارتياح كبير من الخطوة الأمريكية واستبشرت بأنها ستكون خطوة لتهميش الفلسطينيين على طاولة المفاوضات وإسقاط العرب والمسلمين بوصفهم قوة مؤثرة في مسار مفاوضات السلام، وكذلك هي اعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني للقدس المحتلة.

تتكون مدينة القدس من قسمين، الأول وهو القسم الغربي للمدينة واحتله الجيش الصهيوني منذ عام 1948م، حيث قامت المليشيات اليهودية في تلك الفترة بطرد 60 ألفاً من سكانها العرب، من أحياء مأمن الله، والبقعا الفوقا، والبقعا التحتا، والقطمون، والطالبية، والمصرارة، والكولونيالية الألمانية، والحي اليوناني، وقسم من أبي طور وحي الثوري. وبحسب تقرير نشره مركز الزيتونة للدراسات فإن الفلسطينيين يمتلكون نحو 88.7% من مجمل مساحة غرب القدس، التي قام الصهاينة بتهويدها، وبناء أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها، وأراضي القرى العربية المصادرة حولها، مثل قرية لفتا التي بُني عليها البرلمان الصهيوني (الكنيست) وعدد من الوزارات، وقرى عين كارم ودير ياسين والمالحة وغيرها.

أما القسم الآخر فهو شرق المدينة الذي احتلته السلطات الصهيونية عام 1967م في مسعى لتوحيد مدينة القدس المحتلة، بعد أن كان تحت الحكم الأردني، وغالبية السكان فيه من الفلسطينيين، مع وجود حملة تهويد تستهدفه منذ الاستيلاء عليه. ففي عام 1980م أعلن أن القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الصهيوني، وقد وضعت السلطات الصهيونية يدها على مساحات واسعة من شرق القدس، فبُنيت عليها المستعمرات ومنعت الفلسطينيين من حقّ البناء على معظم أراضي القدس، ولم يبق سوى تسعة آلاف دونم فقط (من أصل 72 ألفاً) مخصصة لأغراض البناء، أي ما يعادل 12.5% من مساحة شرقي القدس.

يقول الكاتب اليميني نداف شرغاي تعقيباً على قرار الرئيس الأمريكي بشأن القدس: هذا الإعلان لا يصل في أهميته إلى وعد بلفور. لذلك يقترح أن يشكل هذا الإعلان شرعنة للبناء الاستيطاني في القدس حيث إن على الحكومة الصهيونية تكثيف الاستيطان، مضيفاً أن هذا الإعلان ينهي فكرة تقسيم القدس، حيث إن الاعتراف بالأمر الواقع سيعني في المستقبل الاعتراف بكل القدس عاصمة للكيان الصهيوني.

بالتزامن مع الخطوة التي اتخذها ترمب أعلن وزير البناء الصهيوني، يوآف جالانت، عن بناء 14 ألف وحدة سكنية في القدس، منها 7000 وحدة في مستوطنات شرق القدس.

وبحسب خطة وزير البناء الصهيوني، تبني الحكومة الصهيونية 5000 وحدة استيطانية في مستوطنة «عطاروت» وألفي وحدة في مستوطنة «بسجات زيئيف»، وكذلك 5000 وحدة في حي «كتمون»، وألفين في حي «ريخيس لفان» في غربي القدس. وقال الوزير جالانت إنه «تبعاً لاعتراف ترمب التاريخي، قررت زيادة البناء في عدد من أحياء القدس»، في حين علق عدد من الوزراء الآخرين أنه «لا أعذار بعد اليوم»، وأن العذر الوحيد الذي منع البناء في القدس سابقاً لم يعد موجوداً، بما أن الرئيس الأميركي اعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

كما سعى اليمين الصهيوني إلى إقرار قانون القدس الكبرى، والذي ينص على أن أي تغيير في وضع المدينة أو نقل الأراضي منها يتطلب أغلبية خاصة من 80 عضواً بالكنيست ما يجعل من الصعب على أي رئيس وزراء إجراء مفاوضات مستقبلية حول المدينة. من جانب آخر يقول رئيس تحرير صحيفة «هآرتس»، ألوف بن، إن أحد الأهداف التي يتم استغلال قرار ترمب لتحقيقها من قبل الحكومة الصهيونية القضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية وليس الوصول إلى تسوية سياسية معها. فالأمر بالنسبة لألوف بن لم يكن يتعلق بشرعنة للاحتلال في القدس من خلال فكرة الأمر الواقع فقط بل ضربة أخرى للحركة الوطنية الفلسطينية.

تماشياً مع المزاج الأمريكي الداعم لتهويد القدس، فإن الدورة البرلمانية الحالية للكنيست الصهيوني شهدت إدراج 14 قانوناً تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس من الناحية الجغرافية والديمغرافية، إضافة إلى سلسلة قوانين ومشاريع قوانين، في خلفيتها أهالي القدس والأماكن المقدسة وحركة المقاومة الشعبية فيها، لكون أهالي القدس لا تسري عليهم الأحكام العسكرية القائمة في باقي المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967م. ومن بينها قانون يقضي بأنه لا يجوز تغيير قانون القدس، الذي يشمل أيضاً تحديد منطقة النفوذ، ومسألة ما يسمى بـ«السيادة الإسرائيلية» فيها، إلا بموافقة 80 عضو كنيست على الأقل، من أصل 120 نائباً، بمعنى أغلبية عددية مستحيلة في ظل الوضع السياسي القائم.

إلا إن الحكومة أدخلت تعديلاً على مشروع القانون، ويقضي بأنه من الممكن إلغاء القانون كلياً، بأغلبية 61 نائباً. والقصد من هذا البند، هو أن يكون بقدرة الحكومة لاحقاً، سن قانون يقضي بتغيير منطقة نفوذ المدينة، لسلخ أحياء فلسطينية ضخمة كلياً عن المدينة، بما يشمل عشرات آلاف الفلسطينيين.

ويقول مركز مدار المتخصص في الشأن الصهيوني إنه يجري إعداد 4 مشاريع قوانين؛ 3 قوانين من الائتلاف الحاكم، والرابع من كتلة «المعسكر الصهيوني» المعارضة، وهي قوانين تسعى إلى تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي، إذ إن قانونين يقضيان بضم مستوطنات ضخمة في محيط القدس إلى المدينة، على أن يكون لكل مستوطنة مجلس بلدي تابع لبلدية الاحتلال. بينما ينص قانونان آخران على فصل أحياء ضخمة خاصة في شمال المدينة وشرقها عن مركز المدينة وضمها للسلطة.

وأقرت خمسة قوانين عقابية على السكان المقدسيين، تقضي بسحب بطاقات الإقامة، التي يفرضها الاحتلال على المقدسيين، بفعل قانون الضم والاحتلال. وثلاثة قوانين تقضي بسحب البطاقة من عائلات المقاتلين الفلسطينيين، وهم أسرى وشهداء نفذوا عمليات. وقانونان آخران يسحبان بطاقة مقيم فوراً من المقاتلين الأسرى من أهالي القدس. كما يمنح مشروع قانون صلاحيات لوزير الداخلية في سحب الإقامة من كل مقدسي لديه جنسية من دولة تعتبرها الحكومة الصهيونية معادية.

ومن أبرز هذه القوانين قوانين تشديد العقوبات على إلقاء الحجارة، إذ إن وتيرة المواجهات مع قوات الاحتلال أعلى بما لا يقاس عن باقي مناطق فلسطينيي 48، لذا فإن السعي لتشديد هذه القوانين استهدف المقدسيين.

وفي سابقة قضائية، أقر قانون يقضي بخفض سن المثول أمام المحاكم الجنائية، إلى ما دون سن 14 عاماً، ومنح المحاكم صلاحية فرض عقوبة السجن على أطفال، ليبقوا ضمن ما يسمى «مؤسسات مغلقة»، إلى أن يصلوا إلى السن الذي يجيز نقلهم إلى ما يسمى «مراكز إصلاح»، ومن ثم إلى السجن العام مع بلوغهم سن 18 عاماً. ويضاف له قانون أقر هو أيضاً بالقراءة النهائية، الذي يفرض غرامات مالية لعائلات عن أطفالها الصغار في حال ألقوا الحجارة.

وفي الفترة الأخيرة طرحت أربعة قوانين جديدة تستهدف جثامين الشهداء المقاتلين: اثنان بهدف تقنين شروط «الأجهزة الأمنية» على شكل دفن الشهداء، مثل عدم إجراء جنازات إطلاقاً، والدفن مباشرة بعد التسليم بمشاركة بضعة أفراد فقط. وقانونان آخران يمنعان تسليم الجثامين كلياً، ويتم دفنها فوراً في «مقبرة قتلى العدو». وأيضاً في هذه الحالة، فإن الهدف الأساس هم فلسطينيو القدس الذين لا تسري عليهم الأحكام العسكرية.

ويشار هنا إلى أن الجمهور الأكثر تضرراً من قانون منع لم شمل العائلات، المؤقت الذي يتم تمديده سنوياً منذ العام 2003م، هم المقدسيون. فهذا القانون يمنع لم شمل العائلات التي أحد الوالدين فيها من الضفة وقطاع غزة، ونسبة العائلات هذه هي أعلى بكثير بين المقدسيين، مقارنة مع عائلات فلسطينيي الداخل.

وأيضاً فإن قانون إسكات صوت الأذان كان يستهدف بالدرجة الأولى مدينة القدس، حيث أقر القانون بالقراءة التمهيدية، ويحق للمجلس البلدي أن يقر قانوناً بلدياً، يجيز الأذان في الساعات التي يحظرها القانون، ولكن على أن لا يخرج هذا عن نطاق البلدة. وفي حالة القدس، فإنه ليس متوقعاً من بلدية الاحتلال التي يسيطر عليها المستوطنون أن تسن قانوناً يلتف على القانون الذي بادر له المستوطنون أنفسهم، وكان المستهدف الأساس منه، المسجد الأقصى المبارك، ومساجد القدس عامة، لكونها في الأحياء الفلسطينية المحاصرة بالأحياء الاستيطانية.

 وشرع الائتلاف الحكومي إلى دعم قانون يتيح لكل شخص أن يؤدي شعائره الدينية في كل مكان، يشعر بالانتماء إليه. وهذا الأمر هدفه فرض قاعدة قانونية صهيونية تجيز صلاة اليهود في المسجد الأقصى الشريف، تحت ذريعة «الشعور بالانتماء للمكان».