القدوة العليا والمربي الأول للمسلمين هو الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول الذي حذر من الهوى، وحرم الظلم، واستهجن الطغيان، ومقت الكبر، وحارب الفساد، وحذّر من الجور، ودعا إلى الإنصاف، وأوجب الحق، ومجد التسامح، وأثنى على التواضع، وخطواته - تلك وغيرها - مدرسة تربوية، تصب في خدمة الإنسانية وتسهم في تأصيل العدل، وتعميمه، وتحقق للبشرية كلها الأمن والاستقرار.

قال أحمد شوقي:

ربوا على الإنصاف فتيان الحمى

تجدوهم كهف الحقوق كهولاً

فهو الذي يبني الطباع قويمة

وهو الذي يبني النفوس عدولاً

ويقيم منطق كل أعوج منطق

ويريه رأياً في الأمور أصيلاً

فمنهج الله سبحانه وتعالى ينتج إنساناً متزن الطباع، وسطي المزاج، متساوي الأخلاط، متمسكاً بالمأمور به، متجنباً ما نهي عنه، مدركاً مهاوي الزلل، وبؤر العيوب، ومنازل الشرف، ومجامع الخير، وكلها ثمار تعاليم الإسلام، وهي المختزلة في:

التربية الدينية، حيث إن العدل فريضة وعبادة وأخلاق.

الصلح والفضل، وهو جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.

القضاء، وما فيه من طرق الإثبات، والشهود، والقرائن، والإقرار، والخصوم، والبينة، والقضاة، وآليات التنفيذ.

وسيرته عليه الصلاة والسلام لا تخرج عن منهج الله سبحانه وتعالى، وإصراره المتواصل في إنقاذ الناس من متاهات الظلم إلى نعيم الحق في الدنيا، ومن النار إلى الجنة في الآخرة، وصور عدله صلى الله عليه وسلم لا تحصى، ومنها المحسوس والخفي، ومن مقدماتها الخفية أنه لم يضع بينه وبين الناس سياجاً من الكبر والطغيان والرهبة والحجاب، ولم يوظف النبوة - برغم علو درجتها - ليكون في دائرة والآخرون في أخرى، بل سعى عليه الصلاة والسلام إلى علاج هيبة الناس منه بحكمة وحزم، وقال لأعرابي ارتعدت فرائصه حين رآه واختلجت ملامحه من رهبته: «هون عليك فإن أمي كانت تأكل القديد بمكة» (رواه ابن ماجه)، كما أنه لم تمنعه من التواضع منزلته العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، ومحبة أصحابه له، وحاجة جميع الناس إليه؛ من تحمل سوء تعامل الساذجين وغلظتهم عليه، بل تقبل بروح سامية عالية عادلة كلمة نابية من أعرابي قال له: يا رسول الله اعدل»، وحينما هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتأديبه نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: «دعه يا عمر إن لصاحب الحق مقالاً» (رواه البخاري)، وبقي صلى الله عليه وسلم في كل لحظات حياته في قلق من الظلم وشوق إلى العدل وروى مجمع الزوائد أنه قال محتاطاً خائفاً من على المنبر: «من كنت أخذت منه مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه»، وما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجاء بأكمل شريعة، ودعا للحق، وحث على الإصلاح، وكانت عليه مراقبة إلهية دائمة، في رسالته وأحكامه إذا ما نسي، أو زادت شفقته على أحد، جاء الوحي يصحح أو يحمل العتاب أو الإنذار، وفي القرآن الكريم أمثلة عديدة، فمعنى هذا أن العدل في معية كل خطواته وكلماته، ونياته ومشاعره.

ومن صور عدله صلى الله عليه وسلم «شهادته لله»، تلك الشهادة التي تعبر عن بلوغ العدل كماله، الشهادة التي لا تجامل أحداً مهما كان، فقد حذر أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها بأسلوب مباشر وقوي حينما وقعت في الغيبة قائلاً: «لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» (رواه أبو داود)، وفي موقف آخر تبرأ من فعل صحابي مخلص مجاهد حينما أخطأ، وقال كلمته المدوية، كلمة الشهادة لله سبحانه وتعالى: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» (رواه البخاري)، والموقف الثالث غضبه واستنكاره، وخلجات ألمه وهو يقول للصحابي المحبوب أسامة بن زيد: «هلا كشفت عن قلبه» (رواه مسلم)، والمواقف العادلة منه كثيرة، وتأتي في كل موقف الشهادة الحقة.

ومن صور عدله، خطواته عليه الصلاة والسلام البارزة نحو العدل - وكل خطواته عدل - فوثيقة المدينة، أول دستور عالمي يلم الأفراد والأسر والجماعات في وطن من أجل تشكيل الأمة، وبناء الدولة، وتحقيق الحرية والمساواة، وتنظيم الواجبات والحقوق انطلاقاً من أن العدل للجميع ومن الجميع، ثم حرصه المتواصل على عدم تميزه عن أصحابه بلباس أو عمامة أو مجلس أو صفة، حتى إن الأعرابي يحتار ويستفسر جلساءه: «أيكم محمد؟».

وروعة الشريعة الإسلامية وقمة اعتدالها وعدلها أنها تفرق بين المفرط والمحترز، والعاجز والقادر، والمضطر والمكره وعكسهما، والمسلم مدعو لتحري العدل، وتؤمن أن السعي إليه من ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى وعبادته، ولذا فالمؤمن في نظر الحسن البصري «أحسن الناس عملاً، وأشد الناس وجلاً، لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبراً إلا ازداد فرقاً»، والأصل في المسلمين أنهم عدول في مجملهم، وأصحاب وسط واعتدال واتزان، وهم الأمة الشاهدة، وأهل الحق والاستقامة، ومن خرج منهم عن هذه الصفات فهو شاذ، تلوث بظلم، على الأمة نصحه وتذكيره، وعليه التوبة والرجوع، أما واقعهم مع العدل العام فهو متباين الدرجات، ويبقى لكل فرد منهم هداية الله سبحانه وتعالى، وتربية الإسلام، وتوجيهات العلماء والدعاة، وأبواب التوبة، ووجله، فالإسلام لم يقف عند تأكيد الحقوق بين جميع الأطراف، بل وضع آلية تحقيقها، وربطها بعدة أساليب لتنفيذها، منها المادي والمعنوي، كالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، والقيم، والمراقبة الاجتماعية، وحضور الضمير والسلطة والقدوة والقبول العقلي، والألفة والمحبة في كل الأصعدة ومع كل الأنواع.

وأثر الإسلام على المسلمين واقتداؤهم بحبيبهم عليه الصلاة والسلام مؤشر على حجم نجاح تعليمه وتربيته على العدل، ونجاحه في إبراز دور الإسلام عملياً في هذا الميدان، وظاهر جهود المسلم وتمكن العدل دليل على أن الإسلام والمسلمين على خير وإلى خير.

والإطلالة على سيرة الجيل الأول من المسلمين تتضح من خلالها ثمار يانعة من الإنصاف والاتزان، وهي نتيجة التزامهم بمنهج الله تعالى، وقوة ونجاح تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، والصور عنهم في العدل كثيرة ومتنوعة ولكن أصدقها عدالتهم في خفايا الأمور ودقيقها، وما طبقوه على أنفسهم متجاوزين حظ النفوس وأهواءهم ومصالحهم الخاصة، ويبرز منها قصصهم المتواترة والمتنوعة، وآثار من سار على خطاهم ممن جاء بعدهم من الصالحين الملتزمين.

ففي خطبتي الصديق والفاروق رضي الله عنهما حين تولي الخلافة تأكيد على التزامهم بالعدل، وفرضيته، وتساوي الناس فيه أمام القضاء، ووضع «الأمة» لتكون جهاز مراقبة عليهما، وأداة توجيه، إن مالا أو ظلما، وتحميل المسلمين إثم السكوت عنهما.

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان معبراً عن أسمى معاني العدل، وقصصه لا تحصى، ودقتها لا تبارى، وقد حمد الله - وهو على المنبر - وأمام كل المسلمين في المسجد حينما هز أعرابي سيفه أمامه مؤكداً له أنه سوف يقوّم عمر بن الخطاب به، إن هو انحرف أو ظلم، وحينما اقترح رجل عليه أن يعهد بالخلافة لابنه عبد الله بن عمر غضب وقال: «ما أردت بهذا وجه الله، كيف يتولى أمر المسلمين من لا يعرف يطلق زوجته؟»، وعبد الله من أفضل الصحابة ولكن تقوى والده وخوفه وتحريه العدل حتى بعد وفاته رضي الله عنهما جعلته يرى هذا الرأي، أما رسالته لأبي موسى الأشعري في الحكم بين الناس، وفصل القضاء عن الولاية، وقصته مع الفتى القبطي، واشتهاء زوجه للحلوى، وإبل ابنه السّمان، وملابسه، وطعامه، وغيرها فهي درر من درر العدل، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تخلل الإسلام لحمه وعظمه، وخالط عقله وقلبه، وأصبحت كلماته وخطواته عدلاً وتربية، قال - في نهج البلاغة - يخاطب ابنه، ويوصيه: «يا بني اجعل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك، فأحب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكرهه، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم ولكن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك».

فالإسلام رسخ معالم العدل، ووسع معرفة الأمة به، وأوضح أحكامه وأولوياته وخطط تفاصيله، وصفات القائمين عليه، وعين أجهزة تحقيقه وتنفيذه، وحدود مكانته في الدين والمجتمع ومسؤولية الوالي عنه، والرضا التام بأحكامه، فالمسلم من خلال إسلامه عليه أن يلتزم بالعدل، ويدعو إليه، ويجاهد من أجله، ويصدره، وينتظره من الآخرين، وأن ينصر المظلوم أياً كان ومن أي مكان، وأن يكون العدل لديه من مستلزمات حياته، ومطلباً أساسياً في كل الأصعدة، وعلى المستوى الفردي والأسري والمجتمعي والشعوب والأمم والحكام، وفي ميادين السياسة والاقتصاد والحروب، فملامح عدل المسلمين الأوائل متعددة ومتنوعة وإلى كل هذا تشير، ومن طرائف ذلك احترازهم من الكلام وما يتعلق به من ظلم أحياناً ألجأهم إلى السكوت رغبة في السلامة، وتمييزهم بين الكلمة الطيبة والخبيثة، وشعورهم العميق بتبعيتها، وأنها تؤدي إلى الجنة أو النار، وقد نقلت كتب التراث الكثير منها، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، وألا يكون في حديثك فضل عن عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك»، وروي أن جماعة من الناس ذكروا عند معاوية شيئاً فتكلموا، والأحنف ساكت فقال معاوية: يا أبا بحر مالك لا تتكلم؟ فقال: أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت.

وعبد الله بن زكريا كان يقول: ما عالجت من العبادة شيئاً أشد علي من السكوت، أما ابن وهب فيقول: «نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة»، وتقصي قصصهم في زلات اللسان وما يماثلها في النميمة والغمز والعبوس وما يقاربها فيها خير كثير، وطرائف عجيبة، ولا حد لها، وكلها من آثار التربية الإسلامية على العدل.

ومن إشراقات عدل المسلمين، رفض الإمام مالك رحمه الله اقتراح الخليفة المنصور تعميم كتابه «الموطأ» على أمصار المسلمين، وكلمة الفضيل المدوية: «والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق فكيف تؤذي مسلماً»، بل وصل ببعض الزهاد المبالغة في الخوف من عجزه من أداء الحق، فقد قيل لابن أسباط: «لم لا تأذن لابن المبارك أن يسلم عليك، قال: خشيت ألا أقوم بحقه وأنا أحبه»، «وأغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له: جهل عليك وتحلم عنه؟ فقال: لم أعرف مساويه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه»، وجاء بعد ذلك ابن تيمية رحمه الله واصفاً تعامله مع خصمه قائلاً: «إنه إن تعدى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل» هذه حال المسلمين الملتزمين الصادقين، وبهم تحقق النصر وامتد الإسلام، واستظل بظلهم أصحاب أديان وطوائف، وخصائصهم العادلة العالية سبب قوتهم وتمكنهم ومحبة غير المسلمين لهم، وقد حدد صفاتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مقولته: «من علامات المسلم التقي أنك ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وتحملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، وتحرجاً من طمع»، فعدل الإسلام في العلاقات بين الناس مبني على استقرار المجتمعات، وعمارة الأرض من خلال وضع أحكام تأخذ بأيديهم إلى النجاح بواسطة دائرتين:

الأولى: آداب التعامل كالاحترام والصدق والسلام والزيارة والهدية والتعزية والتهنئة.

الثاني: أحكام المعاملات كالبيع والشراء والزواج والعمل والشراكة والشهادة والوقف.

ومنهما يتحقق العدل بين الموظفين، ويتضاعف إنتاجهم، وترتفع أرواحهم المعنوية، وتبرز المصالح العامة، وتختفي المحاباة والمسحوبية، والفساد، والواسطة.

وما نراه اليوم من تقصير وعجز وجهل بين بعض المسلمين إنما هو نتيجة تراكم الكثير من التفاسير، والشهوات التي لا تحصى، والتأويلات والتشويهات والشبهات، وتوظيف الإسلام - مع الأسف - لخدمة دول وفئات وأفراد، جعل جواهر الإسلام الثابتة المشرقة بعيدة عن عيون المؤمنين والمتابعين، أو هي تتراوح ما بين غنيمة وغائبة، وثلة رأت - بعد جهل - أن ما يدعو له الإسلام نوع من المثالية، أو هو خطوات لعصور ماضية لم تعانِ من تقاطعات أو تعقيدات أو انقلابات أو انفلاتات في المفاهيم والوسائل، وكأن الإسلام جاء لشريحة محددة في زمن محدود وعليه بعد ذلك السلام.

إن العدل في الإسلام كالإسلام نفسه، قوة واستمراراً وروعة، وعوامل بقائه متغلغلة فيه، وفي تفاعل وانسجام الإنسان مع أخيه الإنسان، ومع من حوله كالحيوانات والنباتات والجمادات، بل الكون كله، ويظهر ذلك من خلال النظرة الشاملة، ومن خلال معالم تأصيل العدل تربوياً في الأمة، وتعبر عنها محاصرة الظلم قبل وقوعه حيث وضع الإسلام أسساً تحفظ العدل وتحاصر الظلم في النقاط التالية:

تنمية مشاعر الخوف من الله سبحانه وتعالى والإحساس بمراقبته الدائمة والتربية على العدل، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْـخَبِيرُ} [الملك: 14].

تشكيل رأي عام اجتماعي يمجد الفضائل ويرفض الرذائل ويسعى إلى البحث عن الطيبات من الرزق والطيب من الكلام والطيب من المشاعر، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (رواه مسلم)، وقد منح الإسلام لكل أفراده الحق في الدعوة إلى العدل والدفاع عنه من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاعدة «المسلمون ذمتهم واحدة يسعى بذمتهم أدناهم» مما يعطي المواطن الصالح الحق في رفع قضية لا مصلحة شخصية له فيها، لأنه - فقط - مسلم في وطنه، يهمه المصلحة العامة وتكاتف المجتمع وسلامته.

حصر الفساد في زاوية ضيقة مظلمة، بل محاصرة الحديث عنه، والنية فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» (رواه البخاري ومسلم).

التأكد من وقوع الظلم بالأدلة المعتبرة أو السكوت، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

محاصرة الظلم أثناء وقوعه، حيث إن من آداب الإسلام تحريم التجسس، ووجوب ستر المسلم وحسن الظن، وألا يعان الشيطان على مسلم، وأن يحفظ المسلمون ألسنتهم وأبصارهم وآذانهم عن الأخطاء، ويتجنبوا الحديث في الجرائم والانحرافات.

معالجة الظلم بعد وقوعه، وتحقيق العدل، ويكون بالعقوبات في بعض الجرائم أو بالصلح في أخرى، أو بالتعويض، أو رد المظالم، أو بالتوبة منها، ولا شك أن الناس متساوون أمام القضاء، وأن الجزاء عدل، يقول ابن تيمية رحمه الله: «إن وجوب العدل والتعميم في الحدود لا يستثني منه بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن بنت غيره»، و«من العدل أن يمكن المظلوم من الانتصاف ثم بعد ذلك الشفاعة إلى المظلوم في العفو، ويصالحه الظالم وترغيبه في ذلك».

فمنهجية الإسلام وتربية الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين تحث المسلم أن يتعامل مع ما أباحه وأوجبه وحرمه على وجه العدل، فإذا فعل ذلك أوصله الله إلى نعيم وخير هو أفضل مما هو فيه، وأكثر مما يظن، قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (رواه البخاري).

والإسلام يأخذ الناس إلى العدل، من التنشئة الأولى للفرد ومن مواصفات الزوج والزوجة قبل الزواج، ثم من التربية والتعليم قبل العقوبات والمكافآت، وسعى إلى جعل النفس السوية المسلمة متشبعة بالعدل والحرية والمساواة، في خلجاتها نقاء العاطفة وطهارة القلب، وتحمل هماً متواصلاً في مقاومة الظلم ومحبة العدل ومعرفة واجباتها وحقوقها، وتملك إرادة قوية ونفساً مطمئنة تختار وتطالب وتصبر، ففي كتب التراث الأدبي والتاريخي والاجتماعي ما يؤكد على العدل، ويحذر من الخطأ، وقد أجمل ابن خلدون أسباب ذلك في:

الانتماء للمذاهب والطوائف.

الثقة بالناقلين.

مجاملة الكبار في الرئاسة والعلم والتجارة.

الجهل بطبائع الأحوال.

إعجاب النفس بالغرائب.

تشبيه الحاضر بالماضي.

الإعراض عن المقاصد، أو الجهل بها.

الثقة، أو توهم الصدق والكذب.

ومن روعة تربية الإسلام على العدل أنه ربط العدل بالدين، وربط الدين بالأخلاق بطريقة بناءة، وفاعلية واقعية تفتت نظرية الفصل بين الأخلاق والقانون التي تؤدي بالنهاية - في نظر التشريعات البشرية - إلى فصل العدل عن عناية الله سبحانه وتعالى، بدعاوى «استقلال القانون».

وهي نظرية يستحيل تطبيقها، ولن تستمر، ولن تخدم الحق أو تحمي المجتمعات بشكل تام، والأفضل، بل الواجب ربط العدل بالله تعالى، وهو أولى من ربطه بالإنسان الظالم القاصر، ثم إنه لا تتحقق استقلالية العدل وهيمنته ونزاهته الكاملة خارج الإسلام، نظراً لما بينهما من تفاعل وتراكم، ولما يجتمع في العدل الإسلامي من مراعاة رائعة للإنسان والكون وما فيه، ولما في الإسلام من شمولية وأخلاق واحترام للمصالح بدرجاتها، ومن خلال البناء التربوي للنفس المسلمة المطمئنة، والتأكيد على التربية العدلية، كتب الجاحظ في (رسائله) مختزلاً إصلاح الفرد بهذه الكلمات: «لو حكّم [الرجل] العدل في أموره، وفي ما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه، لطاب عيشه، وخفت مؤونته والمؤونة عليه، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق مذاقاً أحلى من العدل، ولا أروح على القلب من الإنصاف، ولا أبشع من الجور»، ويتضح - بعد ذلك - أن عدالة الإسلام حقيقة شاملة تامة، منسجمة مع منبعها، ومتناغمة مع أهداف الخلق وطبائع الناس، ومربوطة بالنية، وجهد الفرد، فعلى الإنسان في الإسلام أن يقيم العدالة على نفسه، فتنعكس آثارها على المجتمع والحاكم، ثم يلتقي الجميع أمام الله سبحانه وتعالى، ويظهر الميزان والموزون، و«في الإنصاف تمام العدالة، وفي القصاص قوتها، وفي الإحسان والإيثار رفعتها وسموها، وبالتالي لا بد أن يكون الإنسان محتكماً لواحدة من تلك الصور، وإلا كان ظالماً لنفسه ولغيره»، والمسلم المتميز يرتقي نحو العدالة حتى يصل إلى التقوى الداخلية، والإحسان الخارجي.