نظراً لضخامة الحوادث في زماننا اليوم وتسارعها ومفاجآتها حتى أصبح المرء يتوقع في كل يوم يستيقظ فيه حوادث ومفاجآت جديدة، تنسيه ما حدث بالأمس، ونظراً لانصراف كثير من الناس عن ربط هذه الأحداث بتدبير الله عز وجل وقيوميته وحكمته ورحمته ولطفه إلى ربطها بتفسيرات مادية وتحليلات سياسية متخبطة، فنظراً لذلك كله رأيت أن أنبه نفسي وإخواني المسلمين إلى أن نرتبط بالله عز وجل وأن نتعرف على أسمائه الحسنى وصفاته العلى وآثارها في النفوس والآفاق والأحداث والنوازل، فما أشرفه من علم وما أسعد من وفقه الله إلى هذا العلم بمعرفة الحق والهداية إليه والانقياد له.

وأستفتح هذه الكتابة بآيات شريفات من سورة يونس، تحتاج منا إلى وقفة طويلة لنتأمل فيها ونتدبرها ونحاكم إليها ونفسر بها كل ما يقدر الله عز وجل في ملكه العظيم ويدبره من خلق وأمر.

يقول الله عز وجل: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْـحَيَّ مِنَ الْـمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْـمَيِّتَ مِنَ الْـحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ 31فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْـحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْـحَقِّ إلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ 32 كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 33 قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْـخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْـخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 34 قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إلَى الْـحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْـحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْـحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35 وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْـحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 31 - 36].

إن هذه الآيات الكريمات من الوضوح والجلاء بحيث لا تحتاج إلى مزيد من شرح وبيان، ولقد ورد ذكر كلمة «الحق» في هذه الآيات خمس مرات في مقابل الظن والتخبط والتيه في شعاب الضلال.

كما جاء في صدر هذه الآيات بعض الصفات والأفعال التي اختص الله سبحانه بها دون خلقه والتي اقتضت أن يكون له سبحانه الملك كله والحكم كله والتدبير كله وله الحمد كله على ذلك كله.

إن هذه المسلمات والمحكمات قد غابت اليوم عن كثير من المسلمين في زحمة الأحداث والمفاجآت وما يصاحبها من تلبيس وتضليل يمارسه شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ليصرفوا الأمة عن مصدر نجاتها وهدايتها.

حيث نرى ربط هذه الأحداث بأسباب مادية وتحليلات متخبطة، وأخطر ما فيها تضخيم قدرات العدو وقوته وهيمنته وإيهام الناس بأنه المتحكم في الأحداث والمتصرف فيها وخلعوا عليه بعض صفات رب العالمين فاطر السماوات والأرض من القدرة والقوة والتدبير وأن لا طاقة لأحد بمواجهته ومحاسبته بل لا بد من الرضا بالواقع والاستسلام له وهذا ما يريده منا أعداء الأمة من شياطين الأنس والجن، {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].

إننا بحاجة - بل ضرورة عظيمة - إلى معرفة ربنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وما تثمره في قلب المسلم وفي واقع المسلمين من ثمار طيبة يانعة وموازين ثابتة عادلة منضبطة لكل ما يحدث وينزل بالمسلمين من أحداث ونوازل. ومن هذه الأسماء الحسنى:

ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع مقترناً باسمه سبحانه «الحي»:

الأول: في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ الْـحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: ٥٥٢]، الثاني: في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ الْـحَيُّ الْقَيُّومُ 2 نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ مُصَدِّقًا لِّـمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ} [آل عمران: ٢، ٣]، الثالث: في قوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْـحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: ١١١]، وهذا الاسم الكريم من أسماء الله الحسنى التي تخصه سبحانه لفظاً ومعنى، فلا يجوز تسمية أحد من خلقه بهذا الاسم، وذلك لما يتضمنه من المعاني والآثار التي ينفرد بها الله سبحانه عن خلقه.

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معنى هذا الاسم العظيم في أكثر من موطن من كتبه. ومن ذلك قوله: «معنى اسمه القيوم: هو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد، وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه بالذات»[1]، وقال في موطن آخر: «وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه. وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه، وهو المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته، وهذا من كمال قدرته وعزته»[2].

وقال في موطن آخر: «وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء وقائم على كل نفس، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه، وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى، وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية، وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلا هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما أن ربوبية ما سواه كذلك فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة والمألوه وحده وله الحكم وحده فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى لغيره فقر وضلال، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وفاقه، فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره»[3].

وقال في نونيته المشهورة:

هذا ومن أوصـــــــافه القيوم والـ

قيوم في أوصـــــــــــــافه أمــــران

***

إحـــداهما القيوم قام بنفســـــــه

والكـــــــــون قام به هما الأمــران

***

فالأول اســـــــتغناؤه عـــن غـيره

والفقــــــــــــر من كل إليه الـثاني

***

والوصف بالقيوم ذو شأن عظيم

 هكذا موصوفه أيضاً عظيم الشان[4]

***

وعند قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: ٣٣] يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: «القائم الحفيظ والمتولي للأمور. وأراد سبحانه نفسه فإنه المتولي لأمور خلقه، المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق، وإحصاء الأعمال على كل نفس»[5].

هذه بعض معاني اسمه سبحانه «القيوم»، والتي فيها البلسم الشافي للقلوب والمعين في التفسير الصحيح للأحداث والميزان القسط للمواقف والأحكام والطمأنينة والسكينة التي يسكبها في قلوب المؤمنين العارفين.

ويمكن زيادة البيان حول هذه المعاني في الأمور التالية:

الأمر الأول:

إن تدبر معاني أسماء الله عز وجل ومنها اسمه سبحانه «القيوم» يزيد من يقين المسلم واطمئنانه على أن كل ما يجري في ملكوت الله عز وجل علويه وسفليه من خلق أو أمر إنما يقع بعلم الله وإرادته وإذنه، فهو المقدر له الخالق لجميع الخلق وأفعالهم، وأن كل ما يقدره سبحانه ويخلقه ويوجده ناشئ عن علمه وحكمته سبحانه وقهره وعزته وعدله ولطفه ورحمته، والعارفون لربهم سبحانه المدركون لهذه المعاني والمسلمات هم الذين يعيشون في طمأنينة وحسن ظن بالله تعالى في كل ما يقدره سبحانه، ويوقنون أن أقضيته قد وقعت في مواقعها التي ينبغي أن تقع فيها، علم الحكمة منها من علم وجهلها من جهل، ومثل هذا الشعور يجعل المؤمن يتلقى أقضية ربه بطمأنينة غير متفاجئ أو مستغرب منها، لعلمه أن الخلق والأمر له وهو مقتضى أسمائه الحسنى وسننه العادلة المطردة التي لا تتبدل.

ولا يعني هذا الرضا الاستسلام لأقدار الله عز وجل الكونية التي يمكن مدافعتها، وإنما الواجب أن ندافع أقدار الله بأقدار الله، فكما ندافع قدر الجوع بالأكل، والمرض بالتداوي، كذلك ندافع كل نازلة كونية بقدر آخر من أقدار الله ندافعها به إن أمكن ذلك، وذلك بالقيام بالأسباب الدافعة لها، فيدفع مثلاً قدر تسلط الأعداء وغزوهم العسكري أو العقدي أو السلوكي بقدر آخر أمرنا الله عز وجل به، وهو مدافعة ذلك كله بجهاد الدفع، إن كان عسكرياً فبالسنان، وإن كان فكرياً فبالحجة والبيان، وإن كان سلوكياً فبالتربية والتحصين والاحتساب.

الأمر الثاني:

إذا استقر في حس المؤمن أن كل ما يجري في السماوات والأرض من قضاء الله وقدره إنما هو بعلم الله عز وجل وإذنه فيه وخلقه وقهره وعزته ولو شاء الله لما كان ووجد، وأن الخلق جميعهم تحت قهره وعزته وقوته نواصيهم بيده لا يستطيعون فعل أي شيء إلا بإذنه سبحانه، إذا استقر هذا في قلب المؤمن فإنه حينئذ يغيب في شهود قيوميته سبحانه وقهره وعزته عن شهود أفعال العباد وتدبيرهم والخوف منهم أو رجائهم أو ابتغاء مرضاتهم وتقديم محابهم على محاب الله عز وجل. فيغيب في تدبير الله عز وجل وعزته وقهره وشهود حكمته ولطفه عن شهود تدبير العباد وقوتهم فلا يراهم شيئاً، وإن كان مأموراً بأن يحذرهم ويأخذ بالأسباب التي تبطل باطلهم وتدفع صيالهم، فيغيب في إرادة الله عز وجل وتدبيره عن إرادة غيره وتدبيره، وبمحبته عن محبة من سواه، وبخوفه عن خوف من سواه، وبرجائه والتوكل عليه عن رجاء من سواه، فلله كم تثمر هذه المشاهد في قلب المؤمن من المحبة لله سبحانه وتجريد الخوف والرجاء والإخلاص له والنظر إلى المخاليق الضعاف مهما بلغوا من القوة والبطش على أنهم في قبضة الله عز وجل ونواصيهم بيده ولا يستطيعون تدبير أمر أو فعل شيء إلا بإذنه وحكمته ولطفه بعباده المؤمنين، قال الله عز وجل عن نبيه هود عليه السلام حينما هدده قومه قوم عاد الشداد: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنظِرُونِ 55 إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 55، 56].

كم نحن في حاجة لإحياء هذا البعد وهذه المعاني في نفوسنا ونفوس المسلمين حتي يضعوا الأمور في مواضعها الصحيحة ويزنوها بميزان الله عز وجل القسطاس المستقيم، وذلك بأن يغيب في تدبير الله وإرادته ومحبته والخوف منه ورجائه عن تدبير وإرادة ومحبة من سواه وعن الخوف مما سواه، وهذه المعاني هي التي عبر عنها ابن القيم رحمه الله تعالى بالفناء المحمود، حيث ذكر في «باب الفناء» في مدارج السالكين نوعين من الفناء:

فناء الملاحدة والزنادقة من غلاة الصوفية الذين انتهى بهم إلى وحدة الوجود والاتحاد وأنه ليس ثمة خالق ومخلوق وأن وجود جميع الموجودات هو عين وجود الله تعالى.

الفناء المحمود فناء عباد الله المخلصين من الرسل وأتباعهم، وهو فناء المؤمن في إرادة الله عز وجل والخوف منه ورجائه عن إرادة ما سواه أو الخوف والرجاء لمن سواه، هذا وإن كانت كلمة «الفناء» عبارة ومصطلح صوفي إلا إن ابن القيم رحمه الله تعالى فصل فيه وذكر الجانب المحمود منه فقال: «وأما أهل التوحيد والاستقامة: فيشيرون بالفناء إلى أمرين، أحدهما أرفع من الآخر.

 الأمر الأول: الفناء في شهود الربوبية والقيومية، فيشهد تفرد الرب تعالى بالقيومية والتدبير، والخلق والرزق، والعطاء والمنع، والضر والنفع، وأن جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة، وما له منها فعل فهو منفعل في فعله، محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه، لا يملك شيئاً منها لنفسه ولا لغيره، فلا يملك ضراً ولا نفعاً، فإذا تحقق العبد بهذا المشهد؛ خمدت منه الخواطر والإرادات، نظراً إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصاً منه إلى مشيئته وحكمته فهو ناظر منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه، ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه، قائماً بالواجبات والنوافل».

الأمر الثاني : الفناء في مشهد الإلهية، وحقيقته الفناء «عن إرادة ما سوى الله ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجائه، فيفنى بحبه عن حب ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة، والخوف والرجاء، والتعظيم والإجلال»[6].

والمقصود أن من عرف ربه سبحانه باسمه الرب العزيز الرحيم الحي القيوم الحكيم العليم لم يلتفت إلى غيره ولم يبق فيه إلا الحي القيوم المدبر الذي لا يوجد شيء ولا تنزل نازلة إلا بإذنه وحكمته فله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد ولا يحدث الخلق شيئاً إلا بإذنه، وإذا استقرت هذه المعاني والأعمال في قلب المؤمن غاب خوف المخلوق عنه واستولى الخوف من الله وحده وغاب التعلق بالأسباب وبالمخاليق الضعاف وتمكن التوكل على الله وحده في القلب مع أخذه للأسباب تعبداً لله عز وجل الذي هو مسبب الأسباب.

إن غياب هذه المعاني والأعمال القلبية عن قلوب كثير من الناس وهم يتعرضون اليوم للأحداث والنوازل المتسارعة والمكر الكبار من أعدائهم هو الذي يؤدي بهم إلى الخوف من الخلق الضعفاء أو التعلق بهم ورجاء ثوابهم والخوف من عقابهم، لأنه قد اضطربت موازينهم ومواقفهم وأحكامهم وسيطرت عليها التفسيرات المادية والتحليلات السياسية المقطوعة عن الله عز وجل وقيوميته وحكمته وعزته ورحمته، فلا تسأل بعد ذلك عن الضياع والحيرة والتخبط والاضطراب، قال الله عز وجل: {فَمَاذَا بَعْدَ الْـحَقِّ إلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32]، وقال سبحانه: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14]، وقال سبحانه: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْـحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الرعد: 19].

الأمر الثالث:

مع ظهور آثار قيوميته سبحانه لكل شيء من المخلوقات جامدها ومتحركها، فاجرها وتقيها، إلا إن لآثار قيوميته سبحانه بأوليائه وبمن أحبه شأناً آخر وطعماً خاصاً يظهر في حفظه ولطفه ورعايته بعباده المتقين، وهذا يقتضي محبة الله عز وجل المحبة التامة والركون إليه والتعلق به وحده والسكون إليه والرضا بتدبيره.. وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضي به من دون الناس حبيباً ورباً ووكيلاً وناصراً ومعيناً وهادياً؟ فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حباً له وشوقاً إليه ولتقطع شكراً له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك بتقدير العزيز العليم، وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه؟ هذا ما لا يكون أبداً»[7].

اللهم يا من لك الملك كله ولك الحمد كله ولك الثناء كله سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك،  نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم املأ قلوبنا من معرفتك ومحبتك وتعظيمك وخشيتك ورجائك، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وثبتنا على هداك حتى نلقاك. والحمد لله رب العالمين.


 


[1] مدارج السالكين 2/111.

[2] بدائع الفوائد 2/410.

[3] طريق الهجرتين ص 80،79.

[4] الكافية الشافية ص248.

[5] فتح القدير 3/120.

[6] مدارج السالكين 4/325 ط دار طيبة.

[7] طريق الهجرتين 1/180 ط دار السلفية (مصر).