إن القصة القرآنية ميدان خصب للتوجيهات الهادفة لإقامة مجتمع إنساني متحرر من ربقة التقليد والانحلال، فهي تحتوى على مادة لدراسة تاريخية منهجية صادقة، وعلى بيان لأسباب قوة الأمم وضعفها وتماسكها وانحلالها، ومن هذه الأمم قوم ثمود، تلك الأمة التي قص الله خبرها وما آلت إليه بعصيانها لأوامر الله ورسوله. 

هويتهم:

ذهب الرازي (ت 604هـ) وتابعه القرطبي (ت646هـ)[1] إلى أن قوم ثمود ينسبون لثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، بينما ذهب ابن كثير إلى أنهم ينسبون لثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم وكل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة[2]، بينما ذهب ابن عاشور (ت 1393هـ) في تفسيره إلى أنه ثمود بن جاثر، وأن ثمود من العرب البائدة[3]. وجمع الألوسي (ت 1270هـ) بين القولين فقال ثمود بن عامر بن إرم ابن سام بن نوح وقيل ابن عاد بن عوص بن إرم، وهو المنقول عن الثعلبي[4]، ويجمع المؤرخون الإسلاميون على أن الثموديين عرب، بل ويكادون يتفقون على أنهم من العرب العاربة، والصحيح أن ثمود سكنت في شمال الجزيرة العربية منذ أعماق التاريخ وتركوا لنا آثاراً ونقوشاً، فالثموديون هم السكان الأصليون لشمال شبه الجزيرة العربية[5] وليسوا مهاجرين، فهم عرب خلص ومن العرب البائدة، وهذا ما رجحه الدكتور مهران، على نقد منه لمصطلح العرب البائدة[6]، ولقد وجدت أغلب الكتابات الثمودية في الحجر (مدائن صالح) وأطلق عليها المستشرقون اسم النقوش الثمودية نسبة إلى ثمود في القرآن الكريم حيث كانت تسكن في تلك الناحية[7]، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْـحِجْرِ الْـمُرْسَلِينَ} [الحجر: 80]، {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الحجر: 81]، وقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم على قراهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع وقال وهو بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم»[8].

نشأتهم:

ذكرت ثمود في القرن الثامن قبل الميلاد في الكتابات الآشورية وظلت حتى القرن الثالث بعد المسيح مستخدمة في شمال بلاد العرب في تيماء ومدائن صالح وجبيل والجوف وتبوك وجبل رم[9]، ويحدثنا القرآن الكريم أن تلك الأمة بلغت شأواً كبيراً في التقدم المادي فلقد اتخذوا من سهول الجبال قصوراً زاهية ودوراً عالية وهذا يدل على القوة المادية، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْـجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74][10]، فبناء القصور الفخمة ونحت البيوت في الجبال يدل على تفننهم في الصناعة وهندسة البناء ودقة النجارة مما يدل على الرقي المادي والتقدم والتطور في تلك الحضارة، ونحت الجبال له هدف حماية القوم من برد الشتاء وفي الصيف يتخذون القصور في السهول للترف واللهو، فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم ويبدو أن سلطانهم امتد خارج الحجر وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، أي جعلكم عماراً تعمرونها وتستغلونها وتسكنونها، ويقول تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ 146 فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 147 وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ 148 وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْـجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ 149 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 146 - 150].

فالآية تتحدث عن إنشاء الحدائق المختلفة وغرس الجنات والبساتين، وكلمة {هَضِيمٌ} تشير إلى ثمار النخل المغذية سهلة الهضم، وكلمة {فَارِهِينَ} تشير إلى المهارة في النحت وأنهم يتخذون البيوت المنحوتة في الجبال بطراً وأشراً وعبثاً فالفراهة قوة، وقوتهم المعمارية ظهرت في أنهم أول من نحت الجبال والصخور والرخام فبنوا في المدائن ألف وسبعمئة مدينة كلها بالحجارة بدليل قوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر: ٩]، فهذه من نعم الله عليهم[11].

انقراضهم:

هذه الأمة الممكنة ذات النعم الكثيرة ما الذي أدى إلى سقوطها واندثارها قد توفر لها من أسباب الانهيار الحضاري الذي أدى إلى دمارها؟

أولاً: الشرك بالله: قال تعالى: {وَإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِـحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]، ثم ذكرت الآية الثانية كفرهم الصريح بالمولى سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِّثَمُودَ} [هود: 68]، فلقد عبدوا الأصنام فكان لهم إله يسمى «صلم» الذي كان معبوداً ثمودياً في منطقة تيماء، وتصور النقوش الثمودية المكتشفة في القرن الخامس ق.م تضرعاتهم إلى المعبودات لطلب الحماية والعون ومنح الحظ والسلام[12]، ثم كفرهم الواضح باليوم الآخر: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} [الحاقة: ٤] تذكير بما حل بثمود وعاد لتكذيبهم بالبعث والجزاء تعريضاً بالمشركين من أهل مكة بتهديدهم أن يحق عليهم مثل ما حل بثمود وعاد[13].

ثانياً: التكذيب بالرسول: أرسل المولى سبحانه وتعالى نبيه صالحاً عليه السلام رسولاً لثمود فكذبوه وكفروا به، فصالح هو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود، كان من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً فدعاهم إلى الله حتى كبر في السن ولم يتبعه إلا القليل، وقد كان قبل النبوة محبوباً فيهم قال تعالى على لسانهم: {قَالُوا يَا صَالِـحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ مُرِيبٍ 62 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 62، 63]، أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: انقطع رجاؤنا منك[14]، رد عليهم أرأيتم إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته. {وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} [هود: 63]، يقول: وآتاني منه النبوة والحكمة[15].

ثالثاً: قتل الناقة: وصفت في القرآن بناقة الله وفي هذا تشريف لها وتكريم، ومن صفاتها أنها كانت تشرب في يوم جميع المياه التي في الآبار وثمود في اليوم الآخر وفي اليوم الذي ليس لهم أن يأخذوا من الماء كانت الناقة تكفيهم، قال تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73]، ولكن دعوا صاحبهم لقتلها: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَر} [القمر: 29]، وجاء التعبير القرآني بالجمع {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: 14] برغم أن القاتل واحد {إذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} [الشمس: 12] واسمه قدار بن سالف أحيمر ثمود، ولكن لما رضي القوم بالفعل ولم ينكروا دخلوا في الوعيد[16].

رابعاً: الظلم: وهو وضع الشيء في غير موضعه، قال الله عنهم: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52].

خامساً: الطغيان والفساد: فالطغيان هو مجاوزة الحد وأصحاب الحضارات الفاسدة يتجاوزون الحد في كل شيء والفساد نتيجة حتمية له، قال تعالى عن ثمود: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ 11 فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر: 11، 12].

سادساً: الاستكبار: تقف عوامل الجاه والثروة حائلاً منيعاً دون انصياع الماديين لدعوة الحق لهذا يتكرر مصطلح (الملأ) والمراد بهم هم من يملأون صدور المجالس وتمتلئ الأبصار من رؤيتهم: {قَالَ الْـمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِـمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِـحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75].

سابعاً: الترف: التنعم والاشتغال بالملذات يؤدي لوجود أمة لا هدف لها ولا غاية فتنشغل بسفاسف الأمور وتنهار: قال تعالى {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].

ثامناً: الجمود والتقليد الأعمى: أصحاب الحضارات المنحرفة يتمسكون بموروثهم الباطل، قال تعالى: {قَالُوا يَا صَالِـحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62].

وأخيراً جاء ذكر هلاك تلك الأمة بالرجفة كما في الأعراف، والصيحة كما في هود، وعذاب الظلة كما في الشعراء، وهشيم المحتظر كما في القمر، وكل هذا يدل على مدى التمكن الإلهي والتفنن في العذاب ليذيقهم عاقبة فعلهم وكفرهم بالمولى عز وجل، ويصبحوا أثراً بعد عين كما قال سبحانه: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [سبأ: 19]. أعاذنا الله من الظلم والظالمين.

 


 


[1] تفسير الرازي ج7ص168طبعة دار الفكر، بيروت، 1995م/1415هـ؛ تفسير القرطبي ج4ص2674، طبعة دار الريان، مصر، بدون تاريخ.

[2] تفسير ابن كثير ج3ص439، طبعة دار طيبة، السعودية، 1430هـ/ 2009م.

[3] التحرير والتنوير، ج8ص215، طبعة سحنون، تونس، بدون تاريخ.

[4] روح المعاني ج8ص162، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م.

[5] دراسات في تاريخ العرب القديم، أ.د. محمد بيومي مهران، ص 166، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، 1977م/ 1397هـ؛ تاريخ العرب القديم، للدكتور مهران، ج1 ص322-325، طبعة دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996م.

[6] البائدة في نظره: عدم وجود أحد من العرب ينتسب إلى هذه القبيلة عند كتابة المؤرخين الإسلاميين لتاريخ ما قبل الإسلام، ولكن كيف يكون بائداً وقد ترك آثاراً تدل عليه. ينظر للتوسع تاريخ العرب القديم ج1ص293-301، فهو مفيد في بابه.

[7] العرب قبل الإسلام، تأليف الدكتور خليل يحيى نامي، ص25، طبعة دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.

[8] أخرجه عبد الرزاق (1/415، رقم 1624) ، وأحمد (2/91، رقم 5645)، والبخاري (1/167، رقم 423) ، ومسلم (4/2286، رقم 2980)، والنسائي فى الكبرى (6/374 ، رقم 11274) ، وابن حبان (14/81، رقم 6200).

[9] العرب قبل الإسلام، تأليف الدكتور خليل يحيى نامي، ص27 طبعة دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.

[10] ينظر تفسير المراغي ج8ص199، طبعة مصطفى الحلبي، 1389هـ/ 1970م.

[11] ينظر قيم حضارية في القرآن، لتوفيق محمد سبع، ج1ص163-166، تفسير ابن كثير ج6ص155.

[12] يراجع تاريخ العرب القديم، أ.د. مهران، ص326، مباحث في تاريخ اللغة العربية تأليف أ.د. إبراهيم الصلوي، ص32-34، طبعة كلية الآداب، بجامعة صنعاء، ط1 2010م.

[13] التحرير والتنوير، لابن عاشور، ج29ص115.

[14] تفسير القرطبي ج5ص3286.

[15] تفسير الطبري ج12ص67.

[16] روح المعاني ج8ص164-165.