تتزامن الأزمات الطاحنة التي يشهدها العالم الإسلامي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والاستهداف الإعلامي للمسلمين في الغرب، مع محاولات لتشكيل صورة ذهنية خاطئة عن طبيعة الشخصية العربية والمسلمة، وذلك ليس فقط من خلال الرسائل الإعلامية الزائفة أو الرسوم الكاريكاتورية التي أثارت حالة سخط خلال السنوات الماضية، وإنما أيضاً من خلال ألعاب فيديو انتشرت على نطاق واسع بين الأطفال في مختلف دول العالم، بنفس أفكار وقصص الأفلام السينمائية التي حظيت بمشاهدات عالية، وتحمل نفس الاتجاه.

أفلام السينما وألعاب الفيديو.. دعمت الحروب واستباحت دماء المسلمين:

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، ومروراً بثورات الربيع العربي، تدرجت رسائل منتجي الأفلام السينمائية ومطوري ألعاب الأطفال لبث صورة ذهنية تخدم أجندات الدول الكبرى والجماعات اليمينية المتطرفة، ولم تساهم فقط تلك الأعمال في تقبل الرأي العام العالمي لقرارات شن الحروب أو الصمت عليها، وإنما أيضاً في تأييد الشعوب للقوى التي تغزو البلدان المسلمة، من خلال غرس التعاطف مع أبطالها في الأفلام الغربية، أو تحريكهم للقضاء على المسلمين في ألعاب فيديو.

فعلى أرض المعارك، وبينما كانت القوى الكبرى العالمية ترتكب مجازر ضد المسلمين في أفغانستان والعراق وغيرها من البلدان، كانت السينما العالمية وألعاب الفيديو تعج بقادة حروب وجنود منقذين للعالم يحاربون قوى الشر التي تهدد البشرية جمعاء، وفي المقابل يظهر المسلمون في زي إرهابيين وآكلي لحوم بشر في بعض الأحيان، وذلك بشكل ينزع التعاطف عن المسلمين، ويحقق مكاسب للقوى الكبرى وحركات اليمين المتطرف التي تعتمد في الأساس على نشر الإسلاموفوبيا وكراهية المسلمين في مجتمعاتها.

في السينما، خرجت عدة أفلام تُظهر العرب إرهابيين وغوغائيين مثل فيلم Rules of Engagement الذي يتعاطف البطل فيه (محام أمريكي) مع القتلى من النساء والأطفال والمشوهين خلال التحقيق في جريمة ارتكبتها البحرية الأمريكية في حق اليمنيين العُزَّل، لكنَّ مشاعره سرعان ما تتحول بعد أن يعثر على أحد الشرائط المسجلة التي يقول فيها المتحدث إنه يجب قتل الأمريكيين كلهم المدنيين والعسكريين.

وفي فيلم آخر يحمل رسالة ساخرة تحت اسم True Lies، يظهر العربي في ثوب غبي، ويتم تصوير المقاومة الفلسطينية على أنها مجموعة من الحمقى يستحقون القتل بوصفهم إرهابيين على أيدي البطل الأمريكي المخلص.

أفلام كثيرة صورت العربي والمسلم في صورة تبيح قتله سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن برغم التأثير الكبير للسينما على صناعة الرأي العام العالمي، إلا إن ألعاب الفيديو تبدو أكثر خطورة كونها تستهدف شريحة كبيرة من الأطفال وتغرس داخلهم روح الكراهية في سن صغيرة، كما أنها تنقل كذلك الشخص من حالة التعاطف والتأثر الصامت في مشاهدة الأفلام إلى حالة الرغبة في القتل والمشاركة في أي عمل عدائي يستهدف المسلمين في ألعاب الفيديو.

المسلمون ومقدساتهم.. رموز للشر:

في هذا الصدد تزايدت محاولات تشويه المسلمين خلال السنوات الماضية وكانت أكثر خطراً عبر تشكيل وعي زائف للأطفال من خلال ألعاب فيديو رصدتها وسائل إعلامية وبحثية، من بينها دراسة أعدتها الباحثة «منيبة سليم» من جامعة «ميتشغان» الأمريكية بالاشتراك مع «الجمعية الأمريكية للطب النفسي»، حيث استعرضت فيها مراحل الانتقال من استغلال الغرب لألعاب الأطفال خلال الحرب ضد النازية، ثم ضد الشيوعية، لتتحول بنفس الطريقة ضد العرب والمسلمين.

من بين الألعاب التي تم رصدها لعبة Resident Evil وخاصة نسختها الذهبية والحصرية الخامسة، التي قامت شركة يابانية بطرحها في الأسواق، حيث احتوت إحدى مراحلها على صور للقرآن الكريم ملقاة على الأرض، إلى جانب بعض الصور التي تشير إلى صفحات ممزقة من القرآن الكريم.

كما شملت اللعبة مبنى مماثلاً للكعبة، حيث يكون على اللاعب أن يقتحم الكعبة ويدمر بابها ليقضي على ما بداخلها من شياطين، وفي إحدى مراحلها يظهر شرط للعبور من مرحلة إلى أخرى وهو إلقاء المصحف الشريف على الأرض والمرور من فوقه، ثم اقتحام مسجد يشبه المسجد النبوي الشريف، وعلى بابه علامة ترمز للشيطان.

على غرار ذلك، اشترطت لعبة أخرى تحت اسم First to Fight تسجيل نقاط الفوز عن طريق تدمير المساجد وقتل المسلمين وملاحقتهم بعد دخولهم للاحتماء في المساجد وقتلهم داخلها، تزامناً مع صوت الأذان الذي كان كاشفاً لفحوى الهدف من هذه اللعبة.

إلى ذلك، اعتمدت لعبة Call Of Duty Black، في إحدى مراحلها على أن يقوم اللاعب بإطلاق النار لتدمير مكتبة تضم مجموعة مصاحف لكي يجتاز مرحلة، ويتجه لبقية المراحل.

وبنفس الطريقة حملت لعبة فيديو على شبكة الإنترنت في بريطانيا اسم «مذبحة المسلمين»، وتشمل قواعدها قتل كافة المسلمين الموجودين من الرجال والنساء، على أيدي جندي مسلح بأحدث الأسلحة بعد أن يتم إنزاله بالمظلة في إحدى دول الشرق الأوسط.

تزييف معلومات عن المسلمين وبلدانهم:

وحول مدى تأثير صناعة ألعاب الفيديو اجتمعت في مطلع عام 2016م لجنة الخبراء في مؤتمر مطوري الألعاب، وهو أكبر تجمع سنوي لمطوري ألعاب الفيديو في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، واستعرض مشاركون في المؤتمر الحالة الراهنة لتمثيل المسلمين في ألعاب الفيديو، والصورة السلبية المرتبطة بالمسلمين في وسائل الإعلام من خلال هذه الألعاب.

«رومانا رمضان» المحاضرة في جامعة جلاسكو كاليدونيان والحاصلة على دكتوراه في الألعاب الخطرة كانت واحدة من المشاركين في هذا المؤتمر، وتحدثت في كلمتها عن «فريدة مالك» الشخصية المحورية في لعبة Deus Ex: Human Revolution، (ديوس اكس: ثورة الإنسان)، معتبرة أنها تمثل الصورة النمطية لما يعنيه أن تكون «مسلماً صالحاً» ولكن الجزء الخاص بكونها مسلمة هو شيء تمّ الكشف عنه من خلال الخلفية الدرامية.

تقول رومانا رمضان: مطورو الألعاب في شركة «ايدوس مونتريال» قدموا «فريدة» باعتبارها أمريكية مسلمة، مضيفة: «لماذا تم تعريفها بديانتها في حين لم يتم تعريف الشخصيات الأخرى بدياناتهم؟».

في مقال كتبته في صحيفة The National الإماراتية، رصدت رومانا رمضان سلسلة ألعاب تسيء للإسلام مثل Call of Duty كونها تعتمد على فكرة أن الأشرار من أصول شرق أوسطية، ولعبة Call of Duty Modern Warfare 2، التي تظهر فيها مدينة كراتشي وبها علامات مكتوبة باللغة العربية، مشيرة إلى أن هذا ليس مفاجئاً لأي شخص لا يعرف شيئاً عن باكستان، ولكنَّ العربية ليست اللغة المتداولة في كراتشي، بل الأردية والإنجليزية.  

وتضيف رمضان: «عندما يتعلق الأمر بألعاب الفيديو، فإنَّ الطريقة التي يتم بها وصف المسلمين عادة ما تستغل التعميمات النمطية. ويتم الاستخفاف والحط من قدر المسلمين إلى دور الآخر.. الشخصيات أصحاب البشرة السوداء الذين يركضون على الشاشة، يحملون البنادق أو يرمون القنابل بينما يصيحون: (الله أكبر). باختصار، يتحول المسلمون إلى أهداف تجب إبادتها».

أدوات لتشكيل وعي أطفال المسلمين:

وعن فرص التصدي لهذه الظاهرة المنتشرة على نطاق واسع تبرز أهمية التحرك في اتجاهين، الأول: ممارسة ضغوط قانونية من الدول المسلمة والأقليات المسلمة في الخارج وكذلك المنظمات الدولية المعنية بقضايا ازدراء الأديان، وكلها أمور من الممكن أن تؤتي ثمارها كما كان الحال إزاء لعبة تدعى «أسطورة زيلدا» The Legend of Zelda، حيث اضطرت شركة «نيتيندو» اليابانية لسحبها من الأسواق وسط احتجاجات من المسلمين بسبب احتوائها على آيات من القرآن الكريم رافقت المؤثرات الصوتية الموسيقية في هذه اللعبة.

والاتجاه الثاني يتثمل في دور البلدان العربية والإسلامية في التصدي لهذه الظاهرة، غير أن حظر هذه الألعاب في البلدان العربية والإسلامية، يبدو صعباً في ظل سهولة تحميل هذه الألعاب واختراق أي حظر مفروض عليها، وبالتالي تبقى صناعة ألعاب فيديو بطريقة تحافظ على الثوابت والعقيدة أمام محاولات التشويه الخارجية هي الخطوة الأرجح.

في هذا السياق، خرجت عدة شركات عربية لصناعة ألعاب الفيديو، وبرغم أن الألعاب التي تبنتها هذه الشركات تبدو إيجابية وحظيت باهتمام من الأطفال في العالم العربي، إلا إن إعمالاً مشابهة يجب أن تنطلق برعاية حكومية داخل الدول العربية والإسلامية باعتبارها جزءاً من خطط الدفاع عن الهوية أمام المحاولات الخارجية، وباعتبارها كذلك أقل تكلفة من صناعة أفلام السينما العالمية.

كما يمكن الاستفادة كذلك من أفكار المسلمين في الخارج بشأن إنتاج ألعاب فيديو تخاطب البلدان التي يعيشون فيها بلغاتهم، لكي تكون هناك أدوات مضادة لمواجهة الصورة الذهنية الخاطئة عن المسلمين.

إلى ذلك، يمكن للجاليات والأقليات المسلمة أن تقدم محتوى إعلامياً أو ألعاب فيديو على غرار الخطوة التي أعلن عنها قادة الجالية المسلمة الأسترالية في ديسمبر 2016م حين أطلقوا حملة لجمع تبرعات للمساهمة في إنتاج سلسلة من الرسوم المتحركة للأطفال المسلمين تحت اسم Baraka Hills، وذلك كبديل لإحدى الرسوم المتحركة البريطانية الموجهة للأطفال بمستوى الحضانة والذي يدعى Peppa Pig الذائع الصيت في بريطانيا وفي أكثر من 180 دولة.

كانت شركة One4Kids، التي تتخذ من العاصمة سيدني مقراً لها، قد أنتجت العديد من الرسوم المتحركة للأطفال، والتي تركز على الصلاة وقصص الأنبياء وفضل صيام شهر رمضان وتعلم اللغة العربية، وتعد هذه التجربة مثالاً حياً على إمكانية الدفع بألعاب الفيديو في نفس الاتجاه، وفي إطلاق مبادرات مماثلة في مختلف دول العالم.

عود على بدء، إن الخير والشر في ألعاب الفيديو ليس مجرد مؤامرة، لكنه خلاصة تجارب ودراسات عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الأمة.