في هذا المقال المكون من جزأين نبحث ظاهرة «داعش»، وأسباب انهيارها السريع، وتداعيات ظهورها وانهيارها على المحيط السني المحلي والإقليمي.

في الجزء الأول نتناول ظروف نشأة التنظيم المتشدد التي جعلته محكوماً بالفشل منذ ولادته،

وفي الجزء الثاني نتحدث عن التوظيف والاختراق، والدور الذي لعبه التنظيم لخدمة إيران، ومشروعها التوسعي في المنطقة.

الخط الزمني

أسس القيادي الأردني المتشدد أبو مصعب الزرقاوي ما يمكن تسميته «دوامة التطرف»، وهي دوامة تصاعدية لا تتوقف، أنتجت في نسختها النهائية نموذج «الخلافة» المزعومة أو «داعش»، ولا يزال المجال مفتوحاً لظهور نماذج وتطبيقات أخرى ربما تكون أكثر تطرفاً.
خرج الزرقاوي من الأردن نهاية التسعينات متوجهاً إلى أفغانستان إثر خروجه من السجن بعفو عام، حيث التقى مع قيادات تنظيم القاعدة، الذين رحبوا به واحتضنوه وأسسوا له معسكراً قرب مدينة هيرات على مسافة قريبة من الحدود الإيرانية، برغم أن القاعدة ذات النهج المتشدد أصلاً كانت تصنف الزرقاوي في ذلك الحين بأنه متشدد، والسبب أنهم كانوا يستهدفون استغلاله لتأسيس فرع لهم في منطقة سوريا والأردن وفلسطين.

بعد هجمات سبتمبر 2001م ثم الغزو الأمريكي لأفغانستان انهارت دولة طالبان ومعها تنظيم القاعدة، فهرب الزرقاوي بأعضاء جماعته إلى إيران، حيث أقام عدة أشهر قبل أن ينتقل إلى العراق ليؤسس تنظيمه الأول هناك باسم «التوحيد والجهاد».

وجد الزرقاوي نفسه تائهاً في زحمة عشرات الجماعات والتنظيمات المسلحة التي أُسِست بصورة عفوية لمواجهة الغزو الأمريكي، فاضطر طلباً للتميز أن يبايع القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، ليحمل تنظيمه اسماً جديداً هو  «القاعدة في بلاد الرافدين»، وليتحول الزرقاوي إلى نجم في سماء التطرف، يرد ذكره بالاسم على لسان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول.

بعد أن تجاوز الزرقاوي مرحلة الشهرة، بات ينظر إلى القاعدة بوصفها قيداً على طموحه، فأسس في عام 2006م «مجلس شورى المجاهدين»، لكنه قُتل في العام نفسه، وتولى القيادة بعده أبو عمر البغدادي، الذي أعلن عن تأسيس «حلف المطيبين» في أكتوبر 2006م، ثم أعلن بعدها بأيام قليلة الانتقال من مرحلة «التنظيمات» إلى مرحلة «الدولة»، وذلك بتأسيس ما يسمى «دولة العراق الإسلامية».

في تلك المرحلة التحق رافد جديد بالتنظيم متمثلاً في فلول «البعثيين»، من عسكريين وسياسيين، ليصبح التنظيم مزيجاً من روافد ثلاثة، بعضها أكثر تطرفاً من بعض: تلامذة الزرقاوي، أتباع القاعدة، فلول البعث.

ويجمع هؤلاء بين التطرف العسكري والسياسي والمجتمعي والديني في آن واحد.

توثقت علاقة «أبو بكر البغدادي» مع التنظيم في تلك المرحلة، وهو شخصية غامضة في مواطن كثيرة، وخلفيته يغلب عليها الطابع الشرعي وليست له خبرة عسكرية أو سياسية، لكنه كان يجيد التلون مع بيئته المحيطة، كما أتقن لعب دور «رمانة الميزان» الذي يقرب المسافات بين مختلف الأطراف داخل التنظيم.

ارتاد البغدادي مسلك التطرف رويداً رويداً من خلال تأسيس جماعة صغيرة باسم «جيش أهل السنة والجماعة»، ثم التحق بتنظيم الزرقاوي. في تلك المرحلة تعرض للاعتقال في سجن بوكا الشهير جنوب العراق لمدة تقل عن عام، وعندما خرج كان شخصاً جديداً نجح في صياغة علاقات مهمة مع قيادات متشددة، دينية وبعثية، ساعدته لاحقاً في الترقي داخل التنظيم.

تعرف البغدادي على أحد أهم الشخصيات ذات الجذور البعثية داخل التنظيم، وهو «حاجي بكر» أو العقيد سمير خليفاوي، الذي لعب دوراً ملتوياً في تمرير ترؤس البغدادي لتنظيم «دولة العراق» عام 2010م بعد مقتل أبي عمر البغدادي ووزيره أبي حمزة المهاجر، من خلال اللعب على أعضاء مجلس الشورى مستغلاً حالة الفراغ والفوضى القيادية آنذاك.

تعرض التنظيم في السنوات الأولى من قيادة البغدادي إلى ضربات قوية من النظام العراقي، فتفرق أعضاؤه وتشتتوا في الصحراء، لكنهم مع ذلك نفذوا بعض عمليات العنف.

بعد الربيع العربي والانتفاضة السنية في العراق نجح التنظيم في ركوب موجة الانتفاضة ليسيطر على بعض المدن العراقية السنية مثل الرمادي والفلوجة، بدءاً من عام 2013م وحتى بداية 2014م، وذلك من خلال تحالفه مع قوات عشائرية وبعض الجماعات العراقية، وفي يونيو 2014م نجح التنظيم في السيطرة على مدينة الموصل بعد إجراءات مريبة من رئيس الحكومة العراقية آنذاك نوري المالكي سهلت للتنظيم الاستيلاء على المدينة، ثم إعلان «الخلافة» المزعومة.

قبل ذلك وفي عام 2012م، أرسل البغدادي أحد أتباعه وهو أبو محمد الجولاني إلى سوريا ليؤسس فرعاً للتنظيم هناك، وبعد أن حقق الجولاني نجاحات كبيرة تحت مسمى «جبهة النصرة»، أراد أن يستأثر بالتنظيم الجديد لنفسه، وهو ما أغضب البغدادي ودفعه للإعلان عن تبعية الجبهة لتنظيمه، معلناً عما سماه «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، لكن الجولاني رفض الدخول في طاعة البغدادي وأعلن جبهته تنظيماً مستقلاً، وهو ما نتج عنه انشقاق الجبهة، واندلاع مواجهات عسكرية عنيفة بين الطرفين.

بعد إعلانه «الخلافة» تداعت عدة تنظيمات متطرفة في دول متفرقة للإعلان عن بيعتها للبغدادي وتحولها إلى فرع أو ولاية لما يسمى «دولة الخلافة»، ومنها: جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء، وجماعة بوكو حرام في نيجيريا وغيرها.

بدءاً من النصف الثاني من عام 2015م ومع الإعلان عن التحالف الدولي ضد داعش، وبدء الغارات الجوية والحملات العسكرية بدأ التنظيم يخسر مناطقه تباعاً في العراق وسوريا، حتى انتهى الأمر إلى خسارته لأغلب الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق والشام، وتشتت أتباعه في بعض المناطق والبلدات الحدودية، أي إن «دولة داعش» قد سجلت رقماً قياسياً تاريخياً في سرعة انهيار الدولة.

النموذج الأول: دورة حياة العنف

1- مرحلة التأسيس والانتشار:

2- مرحلة الإنجازات:

3- مرحلة التصادمات:

4- مرحلة التراجع والانكماش أو الانهيار:

فيها يبدأ التنظيم صياغة أفكاره، وبيان منهجه، ودعوة الأشخاص للانضمام إليه، والاهتمام بصقلهم وتربيتهم.

تحتاج تنظيمات العنف بصورة سريعة إلى تحقيق إنجازات متتابعة، بحسب رؤيتها العنفية، تدعم منهجها وتثبت جدارتها أمام الأتباع الحاليين والمحتملين، وتعزز عمليتي التمويل والتجنيد.

نتيجة لرغبة التنظيم العارمة في تحقيق إنجازات سريعة وكبيرة، وبتأثير نهجه المتطرف، يبدأ في الصدام مع دوائر متتابعة، بدءاً بدائرة المجتمع القريب ثم دائرة السلطة المحلية ثم الوسط الإقليمي أو الدولي.

تؤدي الصدامات المتتابعة في مختلف الدوائر إلى إخفاق التنظيم وتعرضه لضربات قوية في خطوط تمويله وتجنيده وعملياته، مما يصيبه بالشلل، ويفقده القدرة على التجدد أو الإنجاز، فينزوي نحو الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود، أو يتلاشى تدريجياً.

 النموذج الثاني: أشكال الظهور والمواجهة

أولاً: حالة التنظيم المحلي:

ثانياً: حالة التنظيم الإقليمي أو الدولي:

ثالثاً: حالة الدولة:

حيث يستهدف التنظيم النظام المحلي، أو مشاغبته وإثارة الفوضى.

هنا يتطور التنظيم ليصبح عابراً للدول، مستهدفاً الأنظمة الإقليمية أو بعض الدول الغربية، ويكون هدفه إثارة الفوضى، والنكاية في أعدائه بصورة عبثية دون اعتبار لحرمة دماء أو أموال.

يبدأ التنظيم في التحول «التعسفي» من شكل «التنظيم» أو «الجماعة المسلحة» ليصبح «دولة» قائمة.

 «الخلافة المتوهمة» و «الدولة المستحيلة»

يمكن النظر إلى تنظيمات العنف نظرة تحليلية توقعية من خلال نموذجين،

الأول: يعرض المراحل التي يمر بها تنظيم العنف - أياً كان - منذ تأسيسه، ويمكن تسميتها بــ «دورة حياة تنظيمات العنف». والنموذج الثاني: يعرض الأشكال التي تتخذها تلك التنظيمات في صياغة علاقتها بالخارج، وفي تحديدها لأهدافها العامة.

أين يقع تنظيم داعش بين هذين النموذجين؟

الدولة التي أسسها تنظيم داعش تعد من المنظور السياسي «دولة مستحيلة» أو «دولة ميتة». فالتنظيم وإن كان قد أسس «دولة» باعتبار السيطرة على بقعة مترامية من الأرض يعيش عليها عدة ملايين من السكان، كما نجح في إقامة نظام سياسي مشوه بحسب اجتهاداته الخاصة، إلا أنه أنشأ ذلك كله بعقلية «التنظيم» وليس بعقلية «الدولة».

فهو من حيث النموذج الثاني اختار «حالة الدولة»، إلا أنه كان لا يزال خاضعاً للنموذج الأول، أي نموذج «دورة حياة العنف»، فهو كان حريصاً على تحقيق إنجازات سريعة، مستخدماً دعاية صاخبة على طريقة «جوبلز»، متبنياً نهجاً بالغ التشدد في التعامل مع الدوائر المحيطة به، وهو ما جعله يدخل في سلسلة من التصادمات الانشطارية التي دفعت به حتماً إلى الانهيار.

كان التنظيم - الدولة - مشتبكاً في آن واحد مع مجتمعه الداخلي، ومع جيرانه، ومع كافة الدول الإقليمية، وعدد لا بأس به من الدول الخارجية.
ونلحظ في هذا الصدد ثلاثة تناقضات أساسية جعلت من هذا التنظيم أو الدولة كياناً مستحيلاً، وهي:

التناقض الأول: مع المجتمع:

سيطرة التنظيم على قطاع كبير من المجتمعين العراقي والسوري، كانت تشبه إلى حد كبير نمط الانقلابات العسكرية الدموية، حيث نلحظ تشابهات كثيرة، منها: وجود نخبة مسيطرة على الحكم، وأيدلوجية سياسية متطرفة، والتنافر مع المجتمع، والحكم القمعي، وتسخير موارد المجتمع لخدمة النخبة الحاكمة، والاستهانة بحرمة الدماء والأموال.

كما أن التنظيم كان يدفع المجتمع لتبني اجتهادات سياسية وشرعية قسراً، وبالتضاد مع ثقافة المجتمع وتاريخه، فضلاً عن الدفع بالمجتمع كله لخوض صراعات صفرية مع أعداء كثر دون أن تكون هناك أية فائدة مرجوة من ذلك.

أضف إلى ما سبق أن تنظيم داعش كان يفرض على المجتمع دولته، دون أن يكون للمجتمع أي قدرة على التواصل مع رئيس هذه الدولة، أو رؤيته، أو حتى معرفة مكانه، وهذه وضعية سياسية هزلية نادرة الحدوث.

التناقض الثاني: مع الجغرافيا والتاريخ:

لا توجد بخصوص هذه البقعة الممتدة من العراق إلى سوريا خلفية تاريخية أو سند جغرافي يدعم إنشاء دولة على هذه المساحة العشوائية، وهو ما جعل محاولة تأسيس دولة في هذه البقعة عملاً عبثياً لا يحظى بتأييد أو دعم من أية جهة مجتمعية أو حتى إقليمية.

التناقض الثالث: مع النظام الإقليمي والدولي:

في العصر الحالي لا يمكن لكيان أن يؤسس دولة على أراض مقتطعة من دولتين، دون أن يكون له سند إقليمي أو دولي، فضلاً عن أن يسعى لذلك وهو في حالة اشتباك وعداء مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية، هذا فعل يرقى إلى درجة المستحيل بحسب الظروف السياسية وموازين القوى الحالية.

هل كان ما حققه التنظيم في العراق وسوريا انتصاراً؟

يجب أن نستخدم هنا مفهوماً سياسياً مهماً، يعبر عنه بــ«الزمن اللازم لإثبات السيادة والسيطرة»، ويقابله مفهوم آخر، هو «زمن الاحتفاظ بالنصر». وكلاهما يستخدم في آن واحد، من منظورين مختلفين، ففي ظل الفوضى التي كان يعاني منها النظام العراقي في ذلك الوقت فإن قدرته على الحفاظ على «السيادة» وحماية أراضي الدولة تبدو رخوة بطيئة، وهو ما يجعل من الممكن لأية قوة عسكرية أن تسيطر على بقعة من الأرض لفترة زمنية معينة قبل أن تتماسك السلطة العراقية وتبدأ في استعادة ما فقدته.

في حالة تنظيم داعش، فإن الأمر تطلب من النظام نحو عامين حتى يبدأ في حملته العسكرية الشاملة، وهذا ما يُطلق عليه «الزمن اللازم لإثبات السيادة والسيطرة».

فالأمر إذن لا يعد انتصاراً حققه التنظيم، فهو مجرد احتفاظ مؤقت بالأرض ريثما تتماسك حكومة بغداد وتبدأ في حملتها المضادة، وهذه المرحلة القصيرة  لا يمكن بحال اعتبارها إطاراً زمنياً ملائماً لإقامة دولة، فضلاً عن خلافة.

وإذا كان زمن الاحتفاظ بالنصر المتوهم لا يتجاوز زمن السعي لتحقيقه، فأي نصر هذا؟ نحن أمام «دولة» تأسست في عامين وانهارت في عامين،  وهذه سابقة تاريخية.

ونكمل في الجزء الثاني إن شاء الله.