لم يكن النجاح الباهر الذي حققه النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة أول دولة إسلامية ناشئة جمعت أشتات العرب المبعثرين بشتى أنحاء الجزيرة العربية مع إخوانهم العجم المسلمين، وشركائهم في الوطن من أهل الكتاب محض المصادفة، بل كان نتيجة طبيعية لسياسة إدارية ناجحة تعكس جانباً إدارياً قوياً في الشخصية النبوية وتبرزه سياسياً فذاً يعرف كيف يحقق الأمن والسلامة لدولته الناشئة!

ومن أهم السمات البارزة في سياسته النبوية تفقده لأصحابه رضي الله عنهم، ومواساته لهم، ليس هذا فقط؛ بل كان النبي صلى الله عليه وسلم في مواساته مراعياً لجوانب إنسانية طالما غفل عنها الغافلون عند مواساتهم لأهل الفضل المبتلين بتقتير الرزق.

ولنأخذ موقفه صلى الله عليه وسلم مع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مثالاً على هديه صلى الله عليه وسلم في المواساة لأصحابه رضي الله عنهم لعلنا نكون بهديه من المتأسين، ولدلِّه صلى الله عليه وسلم من المقتفين:

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ  فَقَالَ: جَابِرٌ؟

فَقُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟

قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا، فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ.

ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبْ».

فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.

قَالَ: تَزَوَّجْتَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: بِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟

قُلْتُ: بَلْ ثَيِّباً.

قَالَ: أَفَلاَ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ؟

قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ.

قَالَ: أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ، فَالكَيْسَ الكَيْسَ.

ثُمَّ قَالَ: أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى المَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ.

قَالَ: آلْآنَ قَدِمْتَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.

فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلاَلٌ، فَأَرْجَحَ لِي فِي المِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ.

فَقَالَ: ادْعُ لِي جَابِراً.

قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ.

قَالَ: خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ»[1].

 لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بصورة عملية العديد من آداب المواساة، ونستعين بالله عز وجل على ذكر بعضها:

الأدب الأول: فقه الاختيار لمن يستحق المواساة:

لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم من يواسيه فوقع اختياره على جابر رضي الله عنه لعدة اعتبارات:

الاعتبار الأول: جابر رضي الله عنه ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْـجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْـحَافًا} [البقرة: 273].

فهو أولاً من صالحي الأنصار الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم وله بهذه النصرة حقٌ عظيمٌ.

الاعتبار الثاني: جابر هو ابن الأنصاري الجليل عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه، وله مواطن مشرفة، ومناقب عظيمة ختمها بالشهادة في سبيل الله عز وجل، ومن حفظ العهد بالرجل أن يُحْفظَ في أبنائه وبناته.

وعائلة جابر رضي الله عنه كلها عائلة جليلة في الإسلام، ولها غناء، وجهد في الدفاع والنصرة عن الدعوة، ولا يليق لمن كان هذا حاله أن يُتْرَك لنوائب الحق بلا معين له عليها، فحفظ النبي صلى الله عليه وسلم العهد لعبد الله رضي الله عنه في ولده جابر صلى الله عليه وسلم.

الاعتبار الثالث: أنَّ جابراً رضي الله عنه ممن يستعين بما رزقه الله عز وجل على أعمال البر والصلاح وحق لمن كان هذا حاله أن يُعَانَ على مقتضياتِ المروءة، ومنها إعانته على القيام بحق أخواته البنات اليتيمات.

الأدب الثاني: صيانة ماء الوجه:

لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يواسيَ جابراً رضي الله عنه، ولكنَّه أراد أن يصوغ الأمر بصورة يصون بها ماء الوجه لجابر، وتظهر هذه الصيانة لماء الوجه في عدة أمور، وهذه أهمها:

أولاً: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم جابراً بغير أن يطلب العطاء تصريحاً أو تعريضاً، وبغير أن يظهر حاجته بصورة ما.

ثانياً: تلطَّف النبي صلى الله عليه وسلم معه في الحوار، وقدم بمسامرته في موضوع الزواج وهو موضوع لا علاقة لها بالعطاء البتة.

ثالثاً: قدَّم له العطاء في صورة تجارية؛ كأنَّه يريد أن يشتري منه جملاً، وليس راغباً في عطائه ومواساته.

رابعاً: لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً بذلك البتة، فهذه الحادثة لم يروها غير جابر وحده.

فتأمَّل رحمني اللهُ وإياك سمو هديه صلى الله عليه وسلم في كيفية الصيانة لماء وجه من يواسيهم، ألا فثواب الصيانة لماء الوجه أعظم من ثواب المواساة نفسها!

فأين هؤلاءِ الأجلافُ الغلاظُ الذين يريقون ماء الوجه لمن يحتاجون إلى العون والمساعدة من هذه الرقة النبوية، والحفاظ على المشاعر لمن يحتاجون للمواساة!

فيا من تزعم أنَّك تخشى الله وترجو رحمته ألا فلتعلم  أن تحدثك بالنفقة والتطوع والمواساة والمعروف يباعدك من رحمة الله سبحانه وتعالى، ويقربك من سخطه، وعقابه، وعظيم عذابه عياذاً بالله.

ألا إنَّ إيذاء المحتاجين للمواساة بأيِّ نوع من الأذى، أو جرح مشاعرهم بأي صورة مهما دقت ليس فقط إحباطاً للثواب؛ بل يجلب على صاحبه عذاباً أليماً، وعقاباً مهيناً عياذاً بالله عز وجل، وصدق الله إذ يقول: {قُوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ 263 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْـمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْـهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 263، 264].

فالمنَّان بتطوعه، أو مواساته لا يجني من ورائها سوى ما يجنيه المطر من الصخر الأملس! فكما أنَّ الصخرَ الأملسَ لا يثمرُ ولا ينبتُ ولا يخرجُ المطرُ منه زرعاً ولا نباتاً ولا خيراً البتة كذلك المنان والمؤذي لا يجنيان من وراء التطوع، والمواساة، والنفقة والمعروف خيراً البتة لما تلبسا به من المن والأذى عياذاً بالله.

وكما جاء في الحديث عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ثَلَاثَ مِرَاراً.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»[2].

فانظر بأيِّ عذابٍ قد توعَّد اللهُ سبحانه وتعالى هؤلاءِ المنَّانين، والمؤذين لمن احتاجوا المواساة: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم عياذاً بالله.

واليوم نرى الفقراء والمحتاجين يصطفون في لهيب الشمس الحارقة ينتظرون دورهم لصرف مستحقاتهم! بل والله نرى الكثيرين من أصحاب المعاشات يفعلون الشيء نفسه لاستلام مستحقاتهم. ونرى الكثيرين يراق ماء وجوههم وهم يطالبون بحقهم وليس في طلب المساعدة والمواساة!

لقد أخبرنا الله ورسوله بعقوبة من يريقون ماء الوجه لمن يستحقون المواساة والمساعدة! فتُرَى ما هي عقوبة هؤلاءِ الذين يريقون ماء الوجه لمن يطالبون بمستحقاتهم وأجورهم!

أليس يجدر بنا أن نحول هذا الهدي النبوي إلى منهج نسير عليه! فوالله لا خير في الكلام؛ تلفظه، وكتابته، ونشره، ما لم يكن واقعاً عملياً نسير عليه، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»[3].

ألا فمن علم وعمل فقد أعتق نفسه، وكان القرآن له حجة، نسأل الله بوجهه الكريم أن نكون منهم، ومن علم ولم يعمل فقد أوبق نفسه، وكان القرآن حجة عليه، نعوذ بالله أن نكون منهم.

والآن فقد علمت فاختر لنفسك الطريق، فأنت وحدك من تتحمل النتيجة.. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.


 


[1] صحيح: رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (14237)، وَالْبُخَارِيُّ (2097)، وَمُسْلِمٌ (715).

[2] صَحِيحٌ: رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (21544)، وَمُسْلِمٌ (106).

[3] صَحِيحٌ: رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (22908)، وَمُسْلِمٌ (223).