لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القضية، وبيّن أهمية بناء النفس وتزكيتها وتهذيبها قبل أن تتلقى المعارف والعلوم؛ لأنه مع العكس يكون الانعكاس؛ فإذا أُخذ العلم وحُصّل من غير بناء للتقوى وغرس للورع كان العلم وبالاً على صاحبه وعلى الأمة؛ فلقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أئمة الضلال الذين ضلوا وأضلوا بعد علم؛ فقال: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ»[1]

ولقد ذمّ القرآن أقواماً وأشخاصاً قست قلوبهم بعد ما جاءهم العلم برغم ما عندهم من معارف وعلوم، وسقطت مصداقيتهم أمام مصالحهم وأهوائهم الدنيئة؛ لأنهم فقدوا النفس الزكية التي تحرس هذا العلم، كأهل الكتاب السابقين وعلمائهم الذين وُصفوا بالكلاب؛ كبلعام بن باعوراء الذي تحدث عنه القرآن في سورة الأعراف؛ قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 176 سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ 177 مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْـمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـخَاسِرُونَ} [الأعراف: 175 - 178]؛ قال القرطبي: «قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا الْمَثَلُ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ.. وَقِيلَ: مِنْ أَخْلَاقِ الْكَلْبِ الْوُقُوعُ بِمَنْ لَمْ يُخِفْهُ عَلَى جِهَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْجَفَاءِ، ثُمَّ تَهْدَأُ طَائِشَتُهُ بِنَيْلِ كُلِّ عِوَضٍ خَسِيسٍ»، وذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]؛ عن سفيان بن عيينة قال: «مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى»؛ فهذا فريق فسد عن علم، وفريق فسد عن جهل، وكلاهما ومن تشبه بهما مذموم.

 إن نبي الله إبراهيم عليه السلام دعا الله تعالى بهذا الدعاء: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ} [البقرة: 129]؛ فاستجاب الله تعالى دعاءه مصححاً لما يجب أن يكون، ومرشداً لحتمية التزكية قبل العلم؛ قال تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ} [الجمعة: ٢]؛ في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]. فدعاء إبراهيم عليه السلام جاء مرتباً كما يلي: التلاوة، العلم، التزكية. وفي الاستجابة والمنّ جاء الترتيب كما يلي: التلاوة، التزكية، العلم. وهذا هو أساس هذه القضية؛ فتلاوة آيات الله تثمر تزكية النفس ووجل القلب، وتنشئ فيه الإيمان وتزيده؛ فإذا تلقى العلم تلقاه بالأدب والخشية وكان العلم نافعاً؛ انتفع به صاحبه وانتفع غيره. ومن هنا كانت أهمية التزكية؛ وهي التربية النفسية الإيمانية التي تثمر التقوى التي تحرس العلم، وتحدث الورع الذي يقي من الوقوع في الزلل أو الشبهات.

من الخلل في مسألة البناء المعرفي الاعتماد على كثرة الحفظ دون الفهم والتدبر؛ فكثير منهم يهتم بالرواية دون الدراية، وكثيرٌ مَن همّه الحفظ دون معرفة التفسير والأحكام، وفقه النص ومرامي الألفاظ، وأسباب ورود الحديث، وأسباب نزول الآيات والسور.

 ومن الخلل أيضاً أخذ الحديث وعلومه قبل تعلم القرآن وعلومه؛ فحينما نقرأ في تراجم الأئمة الأعلام والعلماء النبلاء؛ نجد أنهم كانوا يحفظون القرآن وهم صغار، وبعد حفظه وإتقانه كانوا يتعلمون الحديث والفقه وسائر العلوم، لأن تلاوة القرآن وحفظه ودراسته هي الأساس في بناء العبد الرباني؛ وهو الصالح المصلح الذي يعمل بعلمه ويعلم الناس؛ ففي الحديث عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[2].

ومن الخطر في مسألة البناء المعرفي فوضى التلقي؛ فباستثناء المعاهد والمؤسسات التي تدرّس العلوم الشرعية بمنهجية؛ نجد فوضى في التلقي، واختلافاً في الفتاوى؛ إذ يتولى ذلك إما مؤسسات رسمية تخضع لقيود أو لضوابط مملاة، وإما أدعياء علم أو دعاة تحمل الدعوةُ همّهم ولا يحملون همّها، لأن همهم هو تحصيل المنافع والمكاسب والمناصب الدنيوية.

وتأتي الطامة والفتنة إذا كان مصدر التلقي هو ما يسمى بشبكة المعلومات الدولية «الإنترنت»، وهو عالم مفتوح بلا قيود ولا ضوابط. والأصل في العلم التلقي المباشر عن العالم المتخصص في علمه.

إن غياب العالم الفقيه والمربي الحاذق مع الاستغناء عن الكتاب، والاكتفاء بالاختصارات والملخصات، وفقدان المنهجية في التعلم لمن أخطر الأمور التي أعاقت مسألة البناء المعرفي فضلاً عن البناء النفسي.

في وقت مضى انشغل بعض أهل العلم بقضية تنقية التراث وتصفيته من الدخيل والموضوع؛ خصوصاً في علم الحديث، على أن تبدأ التربية على الصحيح المسند. غير أن المنهج لم يكتمل وتوقف عند التصفية وأُهمل جانب التربية إلى حد كبير.

 إن قضية البناء النفسي وثيقة الصلة بتربية النشء، وهي من أخطر القضايا، وهي مَهَمّة ومسؤولية سيسألنا الله عنها يوم القيامة، كما أنها عبادة من أسمى العبادات. وإن إهمال هذا الأمر له عواقب وخيمة ويجر على المجتمعات الأزمات والتخبط، وعلى الأمة فقدان الانتماء والهوية.

إن غالبية المناهج في البلاد العربية لا تهتم بالعلوم الشرعية، وقد غلب عليها الطابع العلماني، والعلوم التجريبية، وصار التعليم الأجنبي في الصدارة، وأصبح في معظم عواصم العالم العربي جامعات أجنبية كاليابانية والروسية والألمانية وغيرها، وتَخَرّج من هذه الجامعات أصحاب مهن وقادة فكر وحملة معارف لا ينتمون لأوطانهم ولا لدينهم إلا في حالات قليلة.

 هناك محاولات ومخططات شيطانية لإفشال التعليم وإفساد التربية عن طريق مناهج لا تتفق مع تراثنا، وتبني قيماً غريبة عن مجتمعاتنا، وتستهدف شبابنا، وتعمل على تغييب وعيهم، وإبعادهم عن التدين وتجهيلهم ودفعهم إلى الفساد والإلحاد، وإباحة الاختلاط داخل دور العلم؛ فتتقارب المسافات تحت مسمى الزمالة والصداقة؛ وتلك كارثة!

من الخلل في مسألة التربية أن يسلك المسلمون مسالك ومناهج علماء التربية والاجتماع الغربيين؛ ويتعلمون ويدرسون في مدارسهم ومعاهدهم نظريات ومناهج تقدس المادة ولا تؤمن إلا بالمحسوس الملموس مثل فيلسوف الإنسانية «أنسلم»، وفيلسوف الجنس «فرويد»، وفلاسفة الإلحاد وغيرهم. وشتان ما بين ثقافتنا وثقافتهم، وأهداف التربية عندنا وعندهم. إن أهداف التربية عندنا أهداف نبيلة، والهدف الأساس هو تكوين الإنسان الصالح المصلح، وهدف التعليم عندنا هو تكوين العالم العامل النافع لأمته وللبشرية، أما عندهم حيث ثقافة الشهوات، والعلمانية اللادينية والحياة اللاأخروية فإن الأمور تختلف؛ فهذا عالم الاجتماع والتربية «جون ديوي» يحدد الهدف منها بأنها: اكتساب الخبرة في أي مجال من المجالات! حتى لو كانت اللصوصية؛ فقد يكون اللص محترفاً بالخبرة. ولأن التربية عندنا عبادة فإن لها أساليب ووسائل وأهدافاً، ونحن متعبدون بالأخذ بالأسباب والأساليب والوسائل الشرعية المأخوذة من كتاب ربنا وسنة نبينا؛ وصولاً إلى الأهداف المشروعة المنشودة. أما هُم فالغاية عندهم تبرر الوسيلة في كثير من الأحيان؛ فإذا أرادوا الثروة وإشباع النزوات لجأوا إلى احتلال البلاد وظلم العباد ونهبوا الثروات، وادعوا أنهم هم الأحق بها، وأنها خُلقت لهم ولا حق لغيرهم فيها.

أساس البناء التربوي النفسي عندنا لا بد أن يقوم على أساس المحافظة على الفطرة ونقائها وصيانتها مما يفسد صفوها وصفاءها؛ قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]؛ وفي تفسيرها قال القرطبي: «وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا الْإِسْلَامُ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَضَّدُوا ذَلِكَ بِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلنَّاسِ يَوْماً: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ حَلَالًا لَا حَرَامَ فِيهِ فَجَعَلُوا مِمَّا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ حَلَالاً وَحَرَاماً... (الْحَدِيثَ). وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ...؛ فَذَكَرَ مِنْهَا قَصَّ الشَّارِبِ، وَهُوَ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الطِّفْلَ خُلِقَ سَلِيماً مِنَ الْكُفْرِ عَلَى الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا فِي الْجَنَّةِ، أَوْلَادَ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ أَوْلَادَ كُفَّارٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْبَدَاءَةُ الَّتِي ابْتَدَأَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ لِلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ، وَإِلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ. قَالُوا: وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَدَاءَةُ. وَالْفَاطِرُ: الْمُبْتَدِئُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَى أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أَيِ ابْتَدَأْتُهَا». فالله عز وجل كما ربى خلقه تربية خَلْقية وأفاض عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة؛ فقد رباهم أيضاً تربية خُلُقية؛ فلم يتركهم هملاً؛ ولكن أرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب هداية للناس، وبياناً لما يصلحهم وينظم شؤونهم.. وأعظم النعم كلها نعمة القرآن؛ وهو كتاب الهداية والرشاد؛ فعلى المربين المهتمين بأمر التربية الاقتداء بمنهج القرآن الكريم الذي ينسجم مع الفطرة، ويضع التدابير اللازمة للمحافظة عليها، ويأمر بالفضائل، وينهى عن الرذائل؛ ففي وصية لقمان؛ بدأ بالتربية العقدية، ثم خلق المراقبة لله، ثم بالصلاة التي تبني المسلم الصالح المصلح، ثم أوصاه بخلق التواضع؛ وهو من أهم صفات العالم والمتعلم على السواء. وكذا سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي رباه ربه تبارك وتعالى وأدبه، وأثنى عليه فقال: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤]، ثم سيَر الصحابة والتابعين.

تأتي أهمية البناء النفسي قبل المعرفي من أن العلم إن لم تصنه وتحرسه أخلاق فاضلة يكون وبالاً على البشرية؛ لأن غايته تحقيق الغنى والترف، وإشباع الشهوات والنزوات ولو على حساب الآخرين وظلمهم. والحضارة التي تقوم على العلم والمعارف بلا ضوابط من العدل والرحمة هي حضارة لا تدوم ولا تبقى؛ لأن من سنن الله تعالى أن البقاء للأنفع للبشرية، وما يحقق اطراد الحياة وحفظ النسل والمعايش؛ قال تعالى: {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17]؛ فالنافع هو الماكث والذاهب هو الناكث؛ قال تعالى: {فَمَن نَّكَثَ فَإنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10].ت المربين والمعلمين ينتبهون إلى مسألة البناء النفسي التربوي ليكون سابقاً أو مساوياً للبناء المعرفي؛ فإن علماً قليلاً تحرسه التقوى خير من علم كثير بلا وجل ولا خشية؛ وفي كتاب ربنا: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].

 


 


[1] مسند الإمام أحمد (27485) عن أبي الدرداء، وفي رواية له عن ثوبان.

[2] البخاري في فضائل القرآن (5027).