كعب بن الأشرف هو أحد سادات اليهود الذين ناصبوا العداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يشتم النبي صلى الله عليه وسلم  ويسيء إليه حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم  الصحابي الجليل محمد بن مسلمة بقتله، وهي من الوقائع الشهيرة في السيرة النبوية، وفيها جوانب مهمة من السياسة النبوية.

وقد جاء خبر الحكاية مفصلاً في الصحيحين، نسوقه كاملاً لأهميته:

 عن عمرو، سمعت جابراً يقول: قال رسول الله: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله»، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم»، قال: ائذن لي فلأقل، قال: «قل»، فأتاه، فقال له: وذكر ما بينهما، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضاً والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد؟ قال: ترهنني نساءكم، قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم، قال: يسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة - يعني السلاح -، قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاءوا فدعوه ليلاً فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة، ورضيعه، وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه، قال: نعم فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود، قال: فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه[1].

وفي هذه الواقعة جملة من الدلالات السياسية والأحكام الفقهية، ومن ذلك:

الدلالة الأولى: جواز الكذب في الحرب:

ووجه الشاهد من القصة على هذا الحكم: أن محمد بن مسلمة ومن معه رضي الله عنهم قد خدعوا كعب بن الأشرف وأوهموه بالبيع والشراء حتى يتوصلوا من خلال ذلك إلى قتله.

ولهذا جاء في الحديث عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: الحرب خدعة، في هذه القصة[2]، وأصل حديث «الحرب خدعة» في الصحيحين[3].

 وقد بوب البخاري في صحيحه (باب الكذب في الحرب) وذكر فيه حديث مقتل كعب بن الأشرف[4]، وكذا النسائي في السنن (باب الرخصة في الكذب في الحرب)[5]، والبيهقي في السنن الكبرى (ما حرم عليه من خائنة الأعين دون المكيدة في الحرب)[6].

فاستثناء الحرب من تحريم الكذب راجع لمراعاة حال الحرب وما يحتف بها من مصالح ومفاسد توجب تغيير الحكم في حرمة الكذب لاختلاف حال المصالح والمفاسد، فمقصد الكذب في الحرب يختلف عن الكذب الذي لا مصلحة فيه بل يتضمن مفاسد، ولهذا جاء في حديث أم كلثوم بنت عقبة: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً»[7].

قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها[8].

غير أن ظاهر صنيع محمد بن مسلمة لم يكن من الكذب الصريح، بل هو من التعريض، ولهذا ذهب بعض أهل العلم في تفسيرهم لجواز الكذب في الحرب بأن المقصود به المعاريض ولا يدل على جواز الكذب الصريح.

قال ابن بطال: «قال المهلب: وموضع الكذب في الحديث قول محمد بن مسلمة: (قد عنانا وسألنا الصدقة)؛ لأن هذا الكلام يحتمل أن يتأول منه اتباعهم له إنما هو للدنيا على نية كعب بن الأشرف، وليس هو كذب محض بل هو تورية ومن معاريض الكلام؛ لأنه ورى له عن الجزاء الذي اتبعوه له في الآخرة، وذكر العناء الذي يصيبهم في الدنيا والنصب، وأما الكذب الحقيقي فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وإنما هو تحريف لظاهر اللفظ، وهو موافق لباطن المعنى، ولا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلاً»[9].

وهو مذهب الحنفية، جاء في الدر المختار: «الكذب مباح لإحياء حقه ودفع الظلم عن نفسه، والمراد التعريض لأن عين الكذب حرام»[10].

ودفعاً لهذا الإشكال، فليس وجه الدلالة من هذا الحديث على جواز الكذب في الحرب مستلاً من فعل محمد بن مسلمة فقط، بل وجه الدلالة أدق من ذلك فهو يستند إلى إذن النبي صلى الله عليه وسلم  له بأن يقول ما شاء، وهذا يشمل الكذب تلميحاً أو تصريحاً.

يشرح ابن حجر هذا المعنى فيقول: «والذي يظهر أنه لم يقع منهم في ما قالوه بشيء من الكذب أصلاً، وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق، لكن ترجم بذلك لقول محمد بن مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم  أولاً: ائذن لي أن أقول، قال: قل. فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحاً وتلويحاً، وهذه الزيادة وإن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده»[11].

وإلى القول بجواز الكذب الصريح في الحرب ذهب أكثر العلماء، قال النووي: «الظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل»[12].

وهذه الخدعة المباحة للكفار مقيدة بأن لا يكون فيها نقضٌ لعهد أو أمان، قال النووي: «واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل، وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب»[13].

والكذب ليس مقتصراً على هذه الأحوال الثلاث، بل هي مجرد أمثلة، والضابط في إباحة ذلك: هو كل ما لا يمكن التوصل إلى المقصود المحمود إلا به، قال الغزالي في الإحياء: «الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحاً، وواجب إن كان المقصود واجباً، كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قَدِ اخْتَفَى مِنْ ظَالِمٍ فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتِم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة»[14].

وهو معنى انتقده الشوكاني، فقال بعد أن حكى مثل هذا عن القاضي زكريا من الشافعية: «والحق أن الكذب حرام كله بنصوص القرآن والسنة من غير فرق بين ما كان منه في مقصد محمود أو غير محمود، ولا يستثنى منه إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في أحاديث الباب»[15].

فالشوكاني يرى أن يقتصر في الاستثناء من الكذب على ما ورد فيه النص كما سبق، والأولى هو الالتفات إلى المعنى، فإذا أبيح الكذب في صورٍ معينة فلا وجه لتخصيص الحكم بها من دون بقية الصور التي تتحقق فيها ذات العلة المبيحة للكذب، فهي مجرد أمثلة كما سبق مما نقله ابن حجر، كما أن في الحديث بيان أن الكاذب ليس هو من ينمي خيراً، وفي هذا إشارة إلى ملاحظة المعنى في تحريم الكذب.

الدلالتان الثانية والثالثة: جزاء من ينقض العهد، وأن المعاريض في مخادعة من ينقض العهد لا تعد أماناً:

في هذه الواقعة حكمان فقهيان سياسيان مرتبطان ببعض، ويأتيان في كلام أهل العلم عند الحديث عن قصة مقتل كعب بن الأشرف في سياق واحد، وهما: أن من نقض عهده من الكفار جازه قتله، وجازت مخادعته لأجل هذا ولا يكون هذا من قبيل الغدر، فالعهد عقد بشروط، فحيث لم يلتزم بهذه الشروط وأظهر العداء والحرب والطعن فإن العهد يصبح منتقضاً.

ومعرفة هذا الحكم تزيل ما قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس من وجود شبهة غدر في هذه الواقعة، حيث يتوهم أن الأمان ما يزال موجوداً.

وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن كعب بن الأشرف كان معاهداً فانتقض عهده - على خلافٍ بينهم في الفعل الذي نقض به العهد - فأمر النبي صلى الله عليه وسلم  بقتله، فخدعه الصحابة ولم يعطوه أماناً.

قال المازري: «إنَّما قُتل كعب على هذه الصّفة لأنه نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وهجاه وسبّه وعاهده أن لا يُعين عليه أحداً، وجاءه مع أهل الحرب مُعيناً عليه، وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه، والجواب ما قلناه»[16].

وقال الخطابي: «كان كعب بن الأشرف - لعنه الله - يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويحرض عليه فعاهده أن لا يعين عليه ولحق بمكة، ثم نقض العهد وجاء معلناً بمعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فاستحق القتل لغدره ولنقضه العهد مع كفره»[17]. وهو قول أكثر العلماء[18]، وذهب بعض أهل العلم إلى أن كعب بن الأشرف كان في هدنة، ولم يكن معاهداً وليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم  أي أمان ولا عهد، فقتل على فعله كما يقتل أي حربي.

قال ابن بطال: «قال المهلب: ولم تكن بنو النضير ذمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن كعب بن الأشرف في عهدٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: والدليل على ذلك إعلان النبي عليه السَّلام بأنه آذى الله ورسوله على رؤوس الناس، وكيف يكون في عهدٍ من يشكو منه الأذى، بل كان ممتنعاً وقومه في حصنه، وكان المسلمون يقنعون منهم بالقعود عن حربهم والتجييش عليهم، وإنما كانت بينهم مسالمة وموافقة للجيرة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم  يمسك عنهم لإمساكهم عنه من غير عهد ولا عقد، ولو كان لكعب عهد لنقضه بالأذى ولوجب حربه»[19].

ومن أبرز ما يرد به على القول الثاني أن أهل العلم متفقون على أنه كان في هدنة، قال الشافعي: «لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لما نزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] إنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا الجزية ولم يقروا أن يجري عليهم حكم»[20].

وقال ابن تيمية عن كعب بن الأشرف: «كان معاهداً مهادناً وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير وهو عندهم من العلم العام الذي يستغنى فيه عن نقل الخاصة.

ومما لا ريب فيه عند أهل العلم ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم  عاهد لما قدم المدينة جميع أصناف اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة، ثم نقضت بنو قينقاع عهده فحاربهم، ثم نقض عهده كعب بن الأشرف، ثم نقض عهده بنو النضير ثم بنو قريظة»[21].

ويستدل ابن تيمية على ذلك بأن ما أظهروه لكعب لو كان حربياً لا عهد له لكان أماناً لا يجوز نقضه فدل على أنه معاهد نقض أمانه، قال: «أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين: محمد بن مسلمة وأبا نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم  أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد أمنوه ووافقوه ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أماناً لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمنه وكلمه على ذلك صار مستأمناً»[22].

خلاصة الأمر:

أن عامة أهل العلم على أن كعب بن الأشرف كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم  موادعة وأنه لم يكن حربياً، وبناءً على هذا الظهور التاريخي يرى أكثر أهل العلم أن بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم  عهداً وعقداً نقضه بطعنه في النبي صلى الله عليه وسلم  وعدائه له فاستحق القتل، فخدعه محمد بن مسلمة فأوهمه بما ظنه أماناً ولم يكن.

وقال بعض أهل العلم إنه لم يكن معاهداً وإنما هي موادعة وترك، فلم يكن ثم نقض للعهد من الأساس فقتله محمد بن مسلمة كما يقتل أي حربي معاند، ولم يعطه أماناً وإنما غره وخدعه.

وسيأتي في دلالة أخرى كيفية دفع إشكالية شبهة الأمان.

الدلالة الرابعة: التعريض بالكفر لمصلحة شرعية معتبرة:

من الأحكام المستفادة من الواقعة جواز التعريض بالكفر في سبيل تحقيق مصلحة شرعية معتبرة من جنس ما فعل محمد بن مسلمة، وذلك أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم  في أن يقول فأذن له، غير أن كلامه لم يكن من قبيل الكفر الصريح والطعن الصريح، إنما أوهم المقابل وخدعه، فهو من باب التعريض والتورية.

قال الخطابي: «قلت في هذا من الفقه: إسقاط الحرج عمن تأول الكلام فأخبر عن الشيء بما لم يكن إذا كان يريد بذلك استصلاح أمر دينه أو الذب عن نفسه وذويه، ومثل هذا الصنيع جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة وأوان الغفلة»[23].

وقال القاضي عياض: «وقول محمد بن مسلمة: (ائذن لي فلأقل قال: قل) دليل على جواز التعريض للضرورة، وأن المؤاخذة بالنية والمقصد. وقوله: (عنانا): ظاهره أتعبنا، وباطنه صحيح؛ لأن التعب في مرضاة الله سبحانه والعناء فيه مشروع مأجور عليه، والجهاد والصلاة والصدقة وغير ذلك من أعمال البر كله من التعب والعناء المحمود، والدعة والتضجيج عن القربات مذموم»[24].

وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما حدث كان طعناً صريحاً. وعلى هذا القول يعترض إشكال قوي في وجه النطق بالكفر الصريح من أجل ذلك، وقد أجابوا عن هذا الإشكال من عدة أوجه:

الوجه الأول: وجود إكراه لكن من وجه آخر:

ينقل في عون المعبود كيفية هذا الإكراه: «قال ابن المنير: هنا لطيفة هي أن النيل من عرضه كفر ولا يباح إلا بإكراه لمن قلبه مطمئن بالإيمان وأين الإكراه هنا؟ وأجاب: بأن كعباً كان يحرض على قتل المسلمين وكان في قتله خلاصهم فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام بتعريضه إياهم للقتل فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان انتهى وهو حسن نفيس»[25].

وفي هذا الجواب تعسف ظاهر، فالإكراه معنى ظاهر بعيد عن هذا، ولازم هذا أن كل محاربٍ فهو مكره لنا على أن نتخلص منه دفعاً عن أنفسنا بما يجعل مفهوم الإكراه حاضراً في كل تعاملٍ مع الكفار الحربيين.

الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم  قد أذن فيه:

قال ابن تيمية: «مثل هذا ما أذن النبي صلى الله عليه وسلم  للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول[26]، وهذا كله الأمر المحتال به مباح لكون الذي قد أوذي قد أذن فيه، والأمر المحتال عليه طاعة لله أو أمر مباح»[27].

قال المازري: «ويحتمل عندي أن يقال أنه مع ذلك أمر خاص، وحكم الله تعالى عدل أذن فيه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم  فهو خاص لا يتعدى إلى غيره، ومما يدل على هذا المذهب ما وقع في الحديث من قوله: ائذن لي فللأقل، قال: قل، فأتاه فقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، إلى آخر قوله، وهذا قول له ظاهر الكفر ولا يحل لمسلم التلفظ به ولا الخديعة في الحرب بمثله إلا أن يأذن الله لأحد بعينه في شيء بعينه كما أذن لهذا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيكون خاصاً ليس مما يتعدى بحال»[28].

الوجه الثالث: جواز النطق بالكفر إن كان ثم مصلحة وحاجة شديدة للمسلمين، فيلحق بالإكراه:

قال تاج الدين السبكي: «قد علم أن لبس زي الكفار وذكر كلمة الكفر من غير إكراه كفر، فلو مصلحة المسلمين إلى ذلك واشتدت حاجتهم إلى من يفعله فالذي يظهر أنه يصير كالإكراه.

وقد اتفق مثل ذلك للسلطان صلاح الدين؛ فإنه لما صعب عليه أمر ملك صيدا وحصل للمسلمين به من الضرر الزائد ما ذكره المؤرخون ألبس السلطان صلاح الدين اثنين من المسلمين لبس النصارى، وأذن لهما في التوجه إلى صيدا على أنهما راهبان، وكانا في الباطن مجهزان لقتل ذلك اللعين غيلة، ففعلا ذلك وتوجها إليه وأقاما عنده على أنهما راهبان، ولا بد أن يتلفظا عنده بكلمة الكفر وما برحا حتى اغتالاه وأراحا المسلمين منه ولو لم يفعلا ذلك لتعب المسلمون تعباً مفرطاً ولم يكونوا على يقين من النصرة عليه.

ومما يدل على هذا قصة محمد بن مسلمة في كعب بن الأشرف فإن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: من لكعب بن الأشراف فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فأذن لي، فأذن له: فأقول: قال: قد فعلت»[29].

وهو ما يقرره بعض المعاصرين بتوسع أكثر، جاء في فتاوى الأزهر في سياق الاستدلال بهذه الواقعة: «وهذا القول ظاهره إنكار الصدقة والتعدي على النبي صلى الله عليه وسلم  وهذا كفر، وهذا يفيد بأنه من الممكن للمسلم إظهار موالاته الكاملة للعدو في الحرب ولو وصل الأمر إلى إظهار الشرك والكفر»[30].

وقد عرض ابن القيم لهذا الإشكال، ولخَّص أجوبة الناس عنه، فقال: «استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك ينافي الإيمان وقد أذن لهم فيه. وأجيب عنه بأجوبة:

أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفراً مع طمأنينة القلب وبالإيمان، وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرّض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان، وليس هذا بقوي.

الجواب الثاني: أن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحاً بما يتضمن كفراً، بل تعريضاً وتورية فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة.

الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه والحق له وصاحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة لم يكن ذلك محظوراً»[31].

ولم يذكر مثل جواب السبكي السابق.

الخلاصة:

أن حديث محمد بن مسلمة يثير إشكالاً في حكم النطق بكلمة الكفر أو الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم  في مقام تحقيق مصلحة شرعية معينة، ولأهل العلم في هذا اتجاهان:

الاتجاه الأول: من يرى أن ما وقع في قصة محمد بن مسلمة كان تعريضاً ولم يكن فيه نطق بالكفر ولا طعن في الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبناءً عليه فلا يجوز الاستناد إلى هذه القصة في جواز النطق بكلمة الكفر، وإنما يؤخذ منها جواز التعريض في حال مثل هذه المصلحة.

الاتجاه الثاني: من يرى أن ما وقع في قصة محمد بن مسلمة كان تصريحاً، ولهم عدة أجوبة في كيفية توجيه النطق بكلمة الكفر:

الجواب الأول: أن هذا من قبيل الإكراه فلا يتعارض مع القول بكلمة الكفر، ووجه ذلك أن مثل كعب هو الذي أكرههم إلى سلوك هذا الطريق لأجل الوصول إليه وكف شره، وهو جواب ضعيف.

الجواب الثاني: أن هذا خاص بمحمد بن مسلمة، لأن عنده إذناً خاصاً من النبي صلى الله عليه وسلم  ، وهو قد تنازل عن حقه فلا يقاس عليهم حالات جديدة.

 ويمكن مناقشة هذا الجواب بأن حق النبي صلى الله عليه وسلم  هنا يتضمن أمرين:

الأمر الأول: حقه الخاص، وهنا يسلم بأن هذه واقعة خاصة لا تلحق بها أي واقعة أخرى، لأنه لا يملك أحد أن يسقط حق النبي صلى الله عليه وسلم  ولا أن يأذن بما ليس من حقه.

الأمر الثاني: حق الله تعالى، فالنطق بكلمة الكفر في حق النبي صلى الله عليه وسلم  تتضمن كفراً يتعلق بحق الله تعالى، وهذا لا يختص بهذه الواقعة.

فإن اعتبرنا حق النبي صلى الله عليه وسلم  سقط بإذنه فيكون خاصاً بهذه الواقعة، فسيبقى حق الله في مثل هذه الواقعة مشكلاً على من يجيب بأن فيه إذناً خاصاً.

الجواب الثالث: جواز هذا في حال الحاجة الشديدة التي تتعرض لعموم المسلمين فهي كالضرورة.

وقد يستدل للجواب الثالث بأن النبي صلى الله عليه وسلم  قد أذن لمحمد بن مسلمة أن يقول، وهذا يدل على جواز النطق بكلمة الكفر في حال المصلحة التي مثل هذه المصلحة، كما قلنا قبل ذلك في الاستدلال بجواز الكذب في الحرب من أنه منتزع من إذن النبي صلى الله عليه وسلم  له لا من مجرد فعل محمد بن مسلمة.

لكن يمكن أن يجاب عنها بأن إذن النبي صلى الله عليه وسلم  لمحمد بن مسلمة محتمل، لا يمكن القطع في وجهه، والاحتمال لا يعمم في الاستدلال، فيمكن أن يكون إذناً بأي نطق بكلمة الكفر، ويمكن أن يكون إذناً بالتعريض بها، فليس ثم دلالة كافية فيه.

هذا ما يتعلق بحدود ما يؤخذ من حديث محمد بن مسلمة في حكم النطق بكلمة الكفر، والمسألة تتطلب بحثاً أوسع، يجمع مع واقعة محمد بن مسلمة حوادث أخرى من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  تتضح من مجموعها صورة هذه المسألة، مع ضم ذلك للقواعد والأصول الشرعية المستقرة، ولعل الله أن ييسر لها بحثاً أوسع.


 


[1] أخرجه البخاري (4037) ومسلم (115).

[2] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (13280).

[3] صحيح البخاري (3030)، وصحيح مسلم (17).

[4] صحيح البخاري (3031).

[5] سنن النسائي (8587).

[6] السنن الكبرى (13280).

[7] أخرجه البخاري (2692)، ومسلم (101).

[8] أخرجه مسلم (101).

[9] شرح صحيح البخاري 5/189.

[10] الدر المختار مع الحاشية 6/427.

[11] فتح الباري 6/159، وانظر: عمدة القاري 14/276.

[12] شرح صحيح مسلم 12/45، وانظر: البيان والتحصيل 17/152، فتح الباري 6/159، تصحيح الفروع مع الفروع 11/334.

[13] شرح صحيح مسلم 12/45.

[14] إحياء علوم الدين 3/137، وانظر: كشاف القناع 6/419، حاشية ابن عابدين 6/427.

[15] نيل الأوطار 7/302-303.

[16] المعلم في فوائد مسلم للمازري 3/41.

[17] معالم السنن 2/337-338.

[18] انظر: أعلام الحديث للخطابي 2/1260-1261، شرح السنة للبغوي 11/45، إكمال المعلم 6/177، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم 3/359-360، فتح الباري 6/160، عون المعبود 7/321-322، الإفصاح 8/303 ، التوضيح لابن الملقن 18/232 ، عمدة القاري 14/277.

[19] شرح صحيح البخاري 7/27-28.

[20] الأم 4/222.

[21] الصارم المسلول 2/152-153، وانظر في نقل مثل هذا الاتفاق: السيف المسلول 294.

[22] الصارم المسلول 2/179-180.

[23] معالم السنن 2/337-338.

[24] إكمال المعلم 6/177، وانظر: السير الكبير 1/271، شرح صحيح مسلم 12/161، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم 3/661، عمدة القاري 14/277 ، فتح الباري 5/144 و 6/160، آثار المعلمي 19/263.

[25] عون المعبود 7/321.

[26] روى أنس قال: لما افتتح رسول الله خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله، إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئاً؟ «فأذن له رسول الله أن يقول ما شاء»، فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، قال: ففشا ذلك في مكة، وانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحاً وسروراً... أخرجه أحمد في المسند (4530) والنسائي في السنن (8592) وغيرهما، وصححه ابن حبان (4530) والمعلمي كما في آثار المعلمي 19/256.

[27] الفتاوى الكبرى 6/125.

[28] نقلاً عن السبكي في السيف المسلول 294.

[29] الأشباه والنظائر للسبكي 2/132.

[30] فتاوى الأزهر 7/359، من برنامج المكتبة الشاملة.

[31] بدائع الفوائد 4/306.