بعيد الحرب العالمية الثانية دخل العالم ما يسمى فترة الحرب الباردة، وهي تعني استبعاد الحرب المباشرة بين القوى العظمى لوجود الردع النووي المتبادل، ولكن التنافس بين القوى الصاعدة الجديدة على وراثة الدول الاستعمارية القديمة أدى إلى سلسلة من الحروب التي أطلق عليها «الحرب بالوكالة»، ويقصد بها حروب تورطت بها إحدى القوى العظمى بصورة مباشرة والأخرى دعمت القوة الأخرى بقصد استنزافها وهزيمتها، فدخلت أمريكا طرفاً مباشراً في حروب كوريا وفيتنام، ودخلت روسيا في أحداث المجر وتشيكوسلوفاكيا وأخيراً أفغانستان، ويضاف إلى ذلك حروب الجزائر وأمريكا الوسطى وإريتريا وأنغولا، وكلها حروب علنية ولكن ثمة حروب أخرى شرسة دارت في مختلف أنحاء العالم أدارتها أجهزة المخابرات المتنافسة، وشملت تدبير انقلابات تهدف لإسقاط أنظمة أو زعامات واستبدالها بأخرى، وكانت تؤدي أحياناً إلى حروب أهلية، ومنها الانقلاب على مصدق في إيران، وجميع الانقلابات العسكرية  الأولى في العالم العربي، وانقلابات تركيا كانت أمريكا خلفها، ولا ننسى أن حرب أفغانستان سببها انقلاب دبره الروس، ويقابلها حرب كمبوديا التي بدأت بانقلاب أمريكي، وهكذا دواليك.

يضاف إلى بعدٌ أكثر حساسية من الحرب بالوكالة، وهو محاولة الاختراق المتبادل لدوائر صنع القرار، والمؤكد أن عملية تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره بصورة سلمية على يد غورباتشوف وما تبعه من التحولات التي وصل فيها أشخاص يحملون الجنسية الأمريكية إلى هرم السلطة في كثير من دول أوربا الشرقية، وحتى روسيا كان بروز يلسن وابتعاد غورباتشوف مكتفياً بكتابه ومجموعة من الميداليات والجوائز الغربية مؤشراً على أن الأصابع الغربية ليست بعيدة، فقد ثبّت يلسن نفسه عن طريق الدبابة وقصف البرلمان الروسي رمز الديمقراطية الجديدة، وحكم روسيا حوالي تسع سنوات تمن فيها سلسلة عمليات نهب منظمة للثروات، وحصل ما يمكن أن يسمى مجزرة للاقتصاد الروسي  بدعوى الخصخصة والإصلاح، وظهرت طبقة المافيا الروسية التي انتشرت في العالم الغربي، وفي النهاية وصل يلسن إلى حالة العجز الجسدي والعقلي نتيجة إدمانه على الكحول وتم ترفيع سريع لأحد رجال الاستخبارات الروسية ودفعه إلى الأمام خليفة ليلسن، ولم يكن هذا الشاب المغمور سوى بوتين الذي بدا واجهة باهتة للطبقة الحاكمة التي تملكت كل شيء حتى شركة الغاز والنفط الروسية، لكنه تخلص تدريجياً من أسياده ومعلميه في الداخل وكان أغلبهم يهوداً، وقام بإنشاء نظام جديد يسمى الدولة الرأسمالية وتحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية التي أعادها إلى الواجهة، واستغل فشل التحولات التي قادها رجال أمريكا في دول الاتحاد السوفيتي السابق وأعاد ربط كثير منها بروسيا من جديد. لقد كان خطأ الغرب الإستراتيجي أنهم لم يحتووا روسيا ويضموها لمنظومتهم بل حاولوا تركيعها وجعلها تابعاً ذليلاً وخادماً لمشاريعهم، وقد سايرهم بوتين لفترة ولكنه واجههم في محيطه الحيوي في جورجيا وأوكرانيا، واستمر في التنسيق في أفغانستان والشرق الأوسط لفترة لا نتوقع أن تطول حيث إن الأيام المقبلة ستشهد العودة لسيناريوهات الحرب الباردة.

مجمل القول، إذا كانت الأصابع الأمريكية لعبت دوراً في إسقاط الاتحاد السوفيتي من القمة فإن أمريكا تشهد الآن بدايات الظهور للأصابع الروسية في دوائر صنع القرار الأمريكية،  حيث إنه من الواضح أن ما يظهر على السطح هو فقط قمة جبل الجليد، وهو ما يفسر البطء الشديد في الإجراءات المتخذة في قضية حساسة جداً حول الدور الروسي في التحكم بمن يصل إلى السلطة، ما قد تنسف النظام السياسي القائم في أمريكا من أساسه.. فهل يكون ترمب هو غورباتشوف أمريكا؟