هزّ عطفي وحرك سواكني مقولة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكأني أقرأها لأول مرة، وليتني عقلتها أول وهلة، لكن هيهات أن تتأتى الفتوحات الربانية في كل وقت، ولكل أحد، فاللهم علمنا ما جهلنا؛ كان صلح الحديبية من المنعطفات التاريخية التي مرت على خريطة العهد المدني للإسلام والمسلمين، تميزت عن غيرها بتضحيات كان من أسبابها استفزازات الشروط المجحفة من المشركين، وكذلك من صحابته الكرام حيث لم تطمئن هذه النفوس الراضية تحت الشجرة أن تقبع تحت هذه الإملاءات التي كانت - بظنهم - تشع سطورها قتراً، لا يرى من خلاله أي سبيل للعزة والتمكين، فمضى نبينا عليه الصلاة والسلام يرسخ قواعد للمصالح والمفاسد وفقه المرحلة، وذلك عند جموح عمر الفاروق رضي الله عنه ومفارقته الذل والهوان - كما ذهب ظنه لذاك -، بمراجعة واستباق على قرارات قائد البشرية وسيد الناس؛ قائلاً وحاسماً للموقف في آن واحد: «إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري». 

كثر الحديث عن هذا الإبرام في حينه، والصحابة رضي الله عنهم يقتسمون الرفض بالضجر، وعدم المبادرة في اللحظات الأخيرة! لكن هناك رجلاً، وهو قريب جداً من أحداث صلح الحديبية، لم يمتعض! ولم يجلجل! وفي الوقت نفسه لم تلن له قناة! بل أقام أودها كعادته لكن بأسلوب آخر!

كان صاحب صمت ليس بالطويل أثناء إبرام صلح الحديبية، وذلك برده المباشر على عمر، عندما أراد استثارته بعبارته السابقة لعله يراجع النبي # في اتخاذه لهذه القرارات الصعبة! فقال الصديق رضي الله عنه مصدقاً لها: إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق.

فكانت هذه الكلماتٍ ليست كالكلمات في بدايتها! وكانت أيضاً كلمات قد انطلى على سطورها لون اليقين! وكانت لحظات ولادة فتح مبين لم تلدها الأمنيات ولا القوة! وكانت شهود إرصادٍ لمن حارب الله ورسوله بصمت، لكنه صمت غارقٌ إلى أذنيه في التوكل على الله!

سنتساءل جميعنا حتماً: هل كان وراء هذا الصمت الجميل كل ذلك يا ترى؟ أم إن هناك أموراً تضيق على واسع فهمنا؟ أم إن هناك نظرة أخرى لم تلُذْ في اللحظة الحاسمة، أسعفت نظر الصديق، وغابت عن الفريق؛ فاستفزتهم وغيب ذلك الغضب الجماعي ما وراء الأكمة؟

جوابي، الذي لم تنله الظنون، والمتيقن منه، أنه أسلم أمره إلى الله وانتهت القصة بالفتح المبين.

وأما عمر رضي الله عنه، فكانت المبادرة القوية من صنوف خلقته المتجذرة، فلا ضير عليه ورضي الله عنه لنبل غايته وبعيد شأوه.

إذنْ، ماذا علينا لو عالجنا أمورنا في هذا الزمن بعبقرية أبي بكر عندما تلتبس الأمور وتختلط الأوراق على الصعيد السياسي والمعترك الإقليمي؟!

 نعم عندما يكون الصمت جميلاً في زمن الفتن التي تدور رحاها ليل نهار، سيعقبه الفتح المبين وسيكون الفرج حاث الخطى يعجله ربي ورب كل شيء.

أتظن الصمت الجميل هو انهزامية وقت النجدة وفي لحظة النصرة؟!

كلا؛ لكنه لحظة الاتصال بالله، ولا يتحصّل إلا للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء يتضاءل إلى جنبها كل رجاء.

فلنتعلم الصمت الجميل من الصديق منْ رَضِي الله عنه، وأقسم على ذلك: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 21].