المؤلف: د. مقبل بن علي الدعدي.

الناشر: مركز تكوين للدراسات والأبحاث.

تاريخ النشر: 1438هـ..

يسعى هذا الكتاب لتحليل طبيعة استقبال اللغويين والرواد العرب لعلم اللغة الحديث ومناهجه وشروطه عند الغرب، وكشف انحيازاتهم المضمرة، وقد جاء الكتاب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.

في الفصل الأول تتبع المؤلف مفهوم العلم في كتب علم اللغة وسياقاتها، وقد تتابع اللغويون العرب تبعاً لأساتذتهم في الغرب على الاعتقاد بأن علم اللغة هو دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها دراسة علمية، بل نقل محمود السعران - وهو من أوائل اللغويين الذين كتبوا في علم اللغة الحديث - إجماعهم على ذلك. ولبيان مفهوم «العلم» في البحث اللغوي سلك اللغويون العرب أحد مسلكين، الأول الحديث عن خصائص العلم وصفاته، كالوضوح والدقة، والموضوعية، والشمول والانسجام، وإمكانية التطبيق، وغير ذلك. والمسلك الثاني الحديث عن المجالات اللغوية التي لا تدخل في مفهوم العلم اللغوي، وأصحاب هذا المسلك ينفون العلمية عن بعض المباحث اللغوية، أو عن بعض الدراسات اللغوية، والتي تعود إما لطبيعة المنهج، أو الغاية من البحث اللغوي، أو إلى القضية اللغوية نفسها. ومن ذلك، أولاً: مسألة نشأة اللغات، فالنظريات أو الفروض التي قدمها اللغويون القدامى في نشأة اللغة تعد ضرباً من الميتافيزيقيا كما يعبّر أحدهم. ثانياً: التقعيد وتعليم اللغة، وهنا يؤكد المحدثون من اللغويين العرب أن دراسة اللغة ينبغي أن تتجرد من الأغراض كغرض التعليم أو التربية أو التقويم والتصحيح والتخطئة، بل تدرس في ذاتها ولذاتها. وقد أظهر المؤلف أن هذه الدعوى ليست سوى شعار زائف، فأدنى نظرة لحال علم اللغة الحديث وواقعه والظروف السياسية والعلمية تؤكد بطلان هذه الدعوى، فالدراسات اللغوية الحديثة حظيت - في أوقات متفرقة - بدعم الحكومات والأنظمة لغايات سياسية، فالأبحاث الأولى في الترجمة الآلية كانت تتم بمعونة الاعتمادات العسكرية، وأيضاً فبعض اللغويين - مثل تشومسكي - يعتقد أن الغاية من دراسة اللغة هي: «الكشف البنيوي للدماغ البشري». ثالثاً: دراسة لغة معينة، فمن أهم خصائص علم اللغة الحديث عدم الاكتفاء بدراسة لغة معينة، بل هو علم يعنى باللغات كلها. ونتيجة لكل ما سبق يعتقد أصحاب كتب علم اللغة العرب أن علم اللغة الحديث يمثل حصراً الدراسة العلمية للغلة، وهذا يعني أن ما قبله من دراسات لغوية وتراث واسع لا يصح وصفه بأنه دراسة علمية للغة. والحقيقة أن هذه الأزمة في مفهوم العلم في كتب علم اللغة هي أزمة وافدة، فقد حاول اللغويون الغربيون مقاربة الدراسات العلمية ذات المنهجية التجريبية «الحسية» بنزعتها الاستقرائية، وتطبيق تصوراتها على البحث اللغوي، لأجل تصعيد مكانة الدراسة اللغوية (وسائر التخصصات الإنسانية) لتكون بحذاء العلوم الدقيقة الأخرى، وهذه نظرة تسيّدت المشهد العلمي والثقافي الغربي في فترة سابقة، قبل أن تواجه الكثير من النقد والتفنيد. ويشير الباحث إلى أن أزمة علمية علم اللغة امتدت بين اللغويين بحيث بات كل اتجاه في البحث اللغوي يحصر الدراسة العلمية في مساره دون غيره، فأصحاب الاتجاه التاريخي - مثلاً - يعتقدون أن العلم الحقيقي لا يكون إلا في النظرة التاريخية للغة، وأصحاب الدراسة الوصفية «البنيوية» كذلك. ثم ناقش المؤلف هذه الدعاوى عبر مسارين: الأول بإثبات حضور السمات العلمية في التراث اللغوي العربي القديم، والثاني ببيان غياب هذه السمات - أحياناً - عند مدارس علم اللغة الحديث. وهكذا فقد نقل اللغويون العرب الأزمة الغربية والإشكالية الأجنبية في علم اللغة والتي انتهت - غربياً - إلى وصم مرحلة ما قبل سوسير بأنها غير علمية، إلى البحث اللغوي العربي، مما أوقعهم في عدة تجاوزات منهجية، منها عدم مراعاة البيئة المنتجة لتلك الأزمة، والبيئة المنقول إليها. وأيضاً التسليم الأعمى بالمنهج التجريبي دون مناقشته، ودون الاعتناء بالنقاش والاعتراض الغربي حياله، وعدم اختبار سمات العلم ومدى تطابقها والمدارس اللغوية الحديثة. وكذلك التسرع بالحكم على التراث اللغوي العربي في ضوء بعض المناهج الحديثة.

ثم يخصص الكتاب الفصل الثاني لعرض منهج دراسة اللغة والغاية من الدراسة كما يصورها اللغويون العرب. وكتب علم اللغة تتناول عادة ثلاثة مناهج رئيسة هي المنهج التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن. ويضيف بعضهم المنهج التقابلي، والمنهج المعياري الذي يضعونه في مقابل المنهج الوصفي، ويلاحظ الباحث عدة أمور على وصف اللغويين العرب لمناهج الدرس اللغوي، الأول التمسك بالتقسيم الثلاثي للبحث اللغوي، التاريخي والمقارن والوصفي، وأطر الدراسات اللغوية، إلى درجة أن عدّ بعضهم الاتجاه التوليدي والبنيوي ضمن المنهج الوصفي، وهما لا يتفقان لا في المادة المدروسة ولا في الغاية من الدراسة ولا في الأساس العلمي. الثاني تبني اللغويين العرب أو معظمهم للمنهج الوصفي جعلهم يتحيزون له، فأصبحوا يعدونه المنهج الأجدر بدراسة اللغة، بل يبالغون ويجعلون هذا المنهج رأس المناهج والراعي لها وتحتاج المناهج الأخرى له وهو مستقل ليس بحاجتها. الثالث العرض السطحي للمناهج المختلفة، وتجاهل الاختلافات بين أصحاب المنهج الواحد. وفي ما يتعلق بعلاقة هذه المناهج بالتراث اللغوي العربي، فيذهب بعض اللغويين العرب إلى القول بوجود أصول تلك المناهج اللغوية في التراث العربي، وزعم أحدهم أن منهج اللغويين العرب الأوائل منهج وصفي وهو زعم باطل. ويذهب بعضهم أيضاً إلى القول بأن اللغة العربية في حاجة إلى هذه المناهج، ويدعون إلى تطبيق المناهج الحديثة على اللغة العربية، وهذا المبدأ لا إشكال فيه بشرط المحافظة على الإجماعات، أو المعلوم بالضرورة، والالتزام بالقواعد، وأن لا يزاحم ذلك تعلم العربية وتعليمها ونشرها، وذلك بعد الاطمئنان إلى انعتاق تلك المناهج عن بيئتها، وتحويرها لتوافق خصوصياتنا الثقافية والدينية.

وفي الفصل الثالث يبحث علوم العربية في كتب علم اللغة، وذلك من خلال مبحثين، الأول عرض لعلوم العربية في التراث العربي، وتناول في هذا المبحث تناول العلماء القدماء لحصر وتعداد علوم العربية، ابتداء من الفارابي، والزمخشري، ومروراً بالسكاكي، والبيضاوي، والجاربردي، والسنجاري، وابن خلدون، وانتهاء بالصبان ونصر الهوريني. المبحث الثاني عرض لسياق حضور علوم العربية في كتب علم اللغة وغيابها، وهي عادة يشار إليها عند الحديث عن السياق التاريخي للدرس اللغوي، وعند المقارنة بين علوم العربية وفروع علم اللغة الحديث.

وتبدو للمؤلف في هذا الصدد ملاحظات عدة، ففي الأغلب اتفق اللغويون العرب على ذكر ما يقابل المستويات اللغوية الأربعة: الأصوات والصرف والنحو والدلالة، وقد أولت كتب علم اللغة اهتماماً خاصاً بعلم الأصوات. ويلاحظ المؤلف أيضاً الخلط بين المصطلحات العربية والغربية، مع الخلط في التمثيل بالعربية والإنجليزية. وتغيب بعض العلوم التي أشار إليها القدماء عن كتب علم اللغة الحديث، كعلم القافية، وعلم قرض الشعر، وعلم الإنشاء والمحاضرات وقوانين الكتابة، وهذا - كما يقول المؤلف - «يؤكد نظر اللغويين المحدثين إلى علوم العربية بعيون علم اللغة الحديث، فما كان ينطوي تحت مباحث فروع الدراسات اللغوية الحديثة يذكر، وما لا يدخل فيها فلا ينظر إليه». ومما يلاحظ أيضاً إدراج مباحث جديدة في علوم العربية وفدت من علم اللغة الحديث كالنبر والتنغيم والمقاطع.

وقلما يخلو كتاب في علم اللغة بالعربية من مبحث لتأريخ الدراسات اللغوية، وهذا هو موضوع الفصل الرابع من الكتاب، ويذهب المؤلف إلى أن اللغويين العرب - باستثناء عبد الرحمن الحاج - في تأريخهم للدرس اللغوي مقلدون لمؤرخي علم اللغة الغربي، وذلك يظهر في مواضع عدة، أولاً تقسيم الحقب التاريخية إلى عصور قديمة ووسطى وعصر النهضة والعصر الحديث، وهي قسمة غربية صرفة. ثانياً الاهتمام بالدرس اللغوي الهندي، تبعاً لاهتمام الغربيين به، وهو فرع عن اهتمام الغرب في عصر الاستعمار بالتراث الهندي بصفة عامة. ثالثاً غياب الدرس اللغوي عند غير الغرب من حقبة العصور الوسطى حتى العصر الحديث. رابعاً عبارات الإعجاب بالتراث اللغوي الهندي واليوناني، ونسبة الفضل إليها في كثير من القضايا اللغوية. خامساً نفي بعضهم للعلمية عن غير الدرس اللغوي الحديث، وهذا من تأثير مؤرخي علم اللغة. وبالعموم فتاريخ الدراسات اللغوية في كتب علم اللغة يتسم بالمنهجية المضطربة، كما تظهر التبعية في مبحث التأريخ للدارسين الغربيين، كما توصل المؤلف لغموض الغاية من التأريخ للدراسات اللغوية عند اللغويين العرب.

وفي الخاتمة يندد المؤلف بالغزارة المفرطة للمصنفات المعنونة بعلم اللغة أو بمدخل إلى علم اللغة أو أسس علم اللغة، ويعزو ذلك لكون علم اللغة أضحى مادة تعليمية في الجامعات العربية، الأمر الذي دفع الأساتذة للكتابة في هذا الموضوع، مما أدى للكثرة الكمية مع الهزال المضموني، وغياب المنهجية السليمة، والاختيار الاعتباطي للتعريف ببعض القضايا اللغوية والإسهاب في تفاصيلها دون بيان وجه علة الاختيار. والمؤلف يرجو أن تكون دراسته المختصرة لبنة لدراسات جادة أخرى تتناول علم اللغة بالدرس والنظر والمراجعة.