الجرح واحد والدم الزكي ينزف غزيراً من بضع سنين، ولا بواكي له، والمسلمون أينما التفت، وحيثما توجهت هم الضحية، أكثرية كانوا أم أقلية، لا فرق!

القتل بالسيوف، والتمثيل بالجثث، وحرق المسلمين أحياءً، وذبح الأطفال بالسكاكين، واغتصاب النساء تحت تهديد السلاح، وركام الجثث والأرجل والأيدي المبتورة، وحرق المحاصيل الزراعية، وتدمير القرى وحرق مئات المنازل وفيها سكانها أو إرغامهم على دخولها وهي تحترق، وحرق المدارس والأسواق والمحلات والمساجد، والتغيير الديمغرافي والتطهير العرقي والديني والتهجير القسري لعشرات الآلاف إلى بنغلاديش والهند وسواها؛ هذه هي الصور القادمة من أراكان، بحسب تقارير دولية بما فيها تقارير الأمم المتحدة، ولم ينج حتى الرضَّع من حقد عصابات البوذيين وقوات الجيش، فما الكراهية التي تدفع أولئكم الوحوش لطعن رضيع يبكي أمه!

وهي الصور نفسها في الشام، لا تختلف عنها في الفظاعة والتوحش، ربما تختلف السحنة لكن اللون هو اللون الأحمر القاني والريح ريح المسك!

في عام 2012م أعلن الكهنة البوذيون «الحرب المقدسة» ضد المسلمين في أراكان، كما باركت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الغزو الروسي الهمجي لسوريا وإبادته لشعبها بالوصف ذاته «الحرب المقدسة»، ومن «قم» أعلن علي خامنئي «الحرب المقدسة» ضد «الناصبة»، فتداعى لخامنئي مجوسه في كل مكان، وزحفت عصاباته ومليشياته الطائفية نحو الأرض المباركة من كل حدب وصوب، كجراد منتشر!

ملايين المسلمين في أراكان وسوريا وسواها، يتعرضون لعملية إبادة ممنهجة، وتُغتصب نساؤهم ويُقتَّل أطفالهم، ثم - ويا للعجب - يتهمون بالإرهاب والتطرف!

ولا نجانب الصواب إذا قلنا: إن هذا القرن يشهد أسوأ عملية تطهير ديني للمسلمين السنة في العراق وبلاد الشام واليمن وفي إفريقيا الوسطى وميانمار وسواها، وتحت سمع وبصر الأمم المتحدة التي تكتفي بالقلق غالباً أو الاستنكار أحياناً، وقد تغمس أيديها في دمائنا بشكل مباشر أو غير مباشر في أحيان أخرى.

يقتحم أفراد الجيش وعصابات الماغ البوذية قرى المسلمين، يروِّعون ويقتلون ويغتصبون، وتُحرق لحى علماء الديـن كما تنتف في شامنا، وتنتهك أعراضهم كما حدث في بابا عمرو وكرم الزيتون وجسر الشغور وفي السجون والمعتقلات، أليس هذا ما تفعله عصابات الفواطم والزينبيون وشبيحة النظام في قرانا ومدننا أو أفظع؟! ألم تروا إلى مدننا العامرة، كيف جعلوها خراباً بلقعاً؟!

تقع دولة بورما (ميانمار حالياً) في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب خليج البنغال وتايلاند، ومن الشرق الصين ولاووس وتايلاند، ومن الغرب خليج البنغال والهند وبنغلاديش.

إقليم أراكان اليوم هو إحدى ولايات ميانمار بعد أن ضمتها إليها قهراً عام 1784م، وكان من قبل دولة مسلمة مستقلة لمدة 350 عاماً، ثم جاءت حقبة الاحتلال البريطاني للمنطقة التي استمرت قرابة 125 سنة (1824م - 1948م).

تقع أراكان في الجنوب الغربي لبورما على ساحل خليج البنغال، وتشترك مع بنغلاديش في 275 كيلومتراً من الحدود المائية والبرية من جهة الشمال الغربي. هذا وتشكل سلسلة جبال أراكان الممتدة من جبال الهملايا حاجزاً طبيعياً بين أراكان وبين ميانمار، مما يعطي المنطقة شكلاً جغرافياً طبيعياً مستقلاً عن أراضي بورما تماماً، كما تنفصل عنها من الناحية اللغوية والثقافية والمناخية.

تقدَّر مساحة إقليم أراكان بقرابة 37 ألف كيلومتر مربع، على تباين واختلاف شديد في التقديرات لأسباب لا محل لبسطها.

تشتهر أراكان بأوديتها وأنهارها كما تعرف بجبالها الشاهقة وغاباتها الكثيفة، وهي غنية جداً بثرواتها الزراعية والحيوانية والسمكية، لكن المفارقة المؤلمة أن أهلها يعيشون في فقر مدقع، بسبب السياسات الاقتصادية الظالمة التي تنتهجها حكومات بورما.

يبلغ عدد سكان بورما أكثر من 50 مليون نسمة، وتقدر نسبة المسلمين بـ15% من مجموع السكان نصفُهم في إقليم أراكان - ذي الأغلبية المسلمة - حيث تصل نسبة المسلمين فيه إلى أكثر من 70%، والباقون من البوذيين الماغ والهندوس والنصارى. أي إن المسلمين أكثرية في أراكان لكنهم يحكمون من أقلية بوذية كما هو الحال في سوريا ذات الثلاثة والعشرين مليوناً تحكم من طائفة لا تتجاوز مليونين، فما أشبه سوريا بأراكان!

اعتنق الملك «غولنغي» الإسلام على يد الداعي المسلم الأمير حمزة، وتلقن الدرس منه عن أركان الإسلام الخمسة، فسمى مملكته بأركان!

اللغة الروهنجية التي ينطق بها مسلمو أراكان نصف مفرداتها من اللغة العربية.

أما علاقة أراكان بالإسلام فهي قديمة حميمة، فقد دخل الإسلام أراكان مبكراً جداً، في أواخر القرن السابع الميلادي في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، عن طريق التجار والبحارة العرب، فأسلم عدد كبير من السكان المحليين الروهنجا إلى أن أصبح الإسلام دين الأغلبية في أراكان بحلول القرن الخامس عشر الميلادي، وأقاموا دولة إسلامية ما بين عامي 1430-1784م، أي لمدة 350 عاماً تعاقب خلالها على الحكم 48 ملكاً وسلطاناً مسلماً، أقاموا فيها حكم الشريعة الإسلامية وكان أولهم «سليمان شاه»، وكان يشترط في السلطان أن يكون حاملاً لشهادة «الفضيلة في العلوم الإسلامية» قبل توليه العرش، وكانت العملات والأوسمة والشعارات الملكية منقوش عليها كلمة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى: 13]. وقد تركوا آثاراً إسلامية من مساجد ومدارس وأربطة، منها مسجد بدر المقام ومسجد سندي خان الذي بني في عام 1430م. واستمرت الدولة الإسلامية حتى جاء عام 1784م وغزاها البوذيون الزاحفون من بورما، واحتلوا أراضيها لمدة أربعين سنة، وأقاموا المذابح الجماعية للمسلمين وطمسوا المعالم الإسلامية ثم جاء الاحتلال الإنجليزي لبورما عام 1824م، ولم يتوقف نزيف الدم المسلم بل زاد، إذ واجه المسلمون بريطانيا بحزم مما أوغر عليهم صدور الإنجليز، فبدأت حملتها للتخلص منهم بإيقاع العداوة بينهم وبين البوذيين، ولم تكتف بذلك بل شرَّدت المسلمين، فطردتهم من وظائفهم، وصادرت أملاكهم، وزجَّت بقادتهم وأئمتهم في السجون أو نفتهم خارج أوطانهم، وأغلقت المعاهد والمدارس والمحاكم الشرعية، وقامت بتحريض البوذيين ضدهم، وأمدتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحة عام 1942م فتكوا فيها بحوالي مئة ألف مسلم، وأغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال، وشردوا مئات الآلاف، وبذلك رجحت كفة البوذيين الماغ، تمهيداً لما حصل بعد ذلك، وتحديداً في عام 1948م، حيث سلَّمت بريطانيا إقليم أراكان المسلم إلى دولة بورما البوذية إثر انسحابها من المنطقة بموجب اتفاقية عقدتها معها، إنها الجريمة ذاتها التي ارتكبتها في فلسطين، ولا عجب فإن بريطانيا أم الخبائث ومنبع الشرور والمؤامرات!

ثم ماذا بعد؟!

يطول الحديث، والحديث ذو الشجون، ولقد جاءك من الأنباء ما يذيب القلب كمداً!

سلسلة من الهجرات المقترنة بالمجازر والمذابح الوحشية تعرض لها المسلمون هناك على يد البوذيين (في أعوام:  1948م، 1958م، 1962م، 1978م، 1988م، 1991م)، تم طرد ملايين المسلمين فيها، ومات منهم عشرات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال في طريق هجرتهم من البرد والجوع أو أولئكم الذين ابتلعهم نهر ناف أو الذين لقوا حتفهم بسبب تفشي وباء الكوليرا وأمراض معدية أخرى في الملاجئ والمخيمات.

وما زال نزوح الشعب مستمراً حتى يومنا هذا. الأرقام تقول إن عدد اللاجئين الأراكانيين تجاوز المليونين في بنجلاديش وتايلاند والهند وماليزيا والسعودية وسواها، هرباً من قطار الموت الماحق الذي تقوده جماعة الماغ البوذية الإرهابية وقوات الجيش البورمي. وإذا كنا نريد الوقوف عند نقاط التشابه بين مأساتي الروهنجا والشعب السوري، فكم بلغ عدد المهاجرين السوريين داخل وخارج سوريا الهاربين من جحيم الحرب المجنونة التي تدار دولياً!

لكن أشد فترة مرَّت بإخواننا وبلغت فيها مأساة شعب أراكان ذروتها كانت في عام 1962م، عندما تولى الشيوعيون الحكم، وسلطوا عليهم كل أشكال القهر والاستعباد والقمع والإرهاب، حيث اجتمع الحقد البوذي ممزوجاً بالحقد الشيوعي! هذه المجازر والوحشية لا تستغرب من دولة أعلنت حكومتها صراحة أن الإسلام هو عدوها الأول والوحيد، ولا أجد فرقاً بين الشيوعيين هناك وبين البعثيين عندنا.

النساء في أراكان كنَّ يجبرن على خلع الحجاب كما فعلت من قبل ما كانت تسمى سرايا الدفاع، إذ نزلت إلى شوارع دمشق، لتنزع الحجاب عن رؤوس العفيفات الحرائر في وضح النهار، فهل نسي أهل دمشق هذا المشهد الأليم الأثيم؟ ما أضعف ذاكرتنا وما أطيب قلوبنا! والجدير بالذكر أن المدارس في سوريا ما تزال حتى يومنا هذا تحارب الحجاب وتجبر بناتنا على خلعه.

وجوه التشابه كثيرة بين السوريين والأراكانيين؛ الفقر المدقع والمعاش المتردي، وفتنة التنصير هناك وفتنة التشييع عندنا، فقد فتحت حكومة بورما المجال أمام المنظمات التنصيرية الدولية التي تعمل تحت شعار الأعمال الخيرية، لإخراج هؤلاء المسلمين البائسين عن دين الإسلام كما فعلت حكومة الأسد التي فتحت سوريا للعمائم السود، لتفتن الناس عن دينهم، بالإغراءات المالية التي كانت تستهدف المناطق المهمشة والفقيرة على وجه الخصوص، وكادت تنجح في بث فتنتها وسمومها وتشييع المجتمع السوري لولا أن الله سلَّم، وشبَّت نار ثورتنا المباركة التي فضحت المؤامرة، وأخمدت نار الفتنة.

ما يزال حتى اللحظة سوق المجازر والمذابح التي تجاوزت كل الحدود في أراكان، فلم ترحم عصابات البوذيين كما شبيحة الأسد تماماً، طفلاً رضيعاً أو شيخاً مسناً أو امرأة كسيرةً.

اليوم تتجدد حلقة أخرى من مأساة الروهنجا، وتتكرر المشاهد ذاتها، وتنقل لنا المواقع والقوات أبشع الصور، ولا أريد أن أكرر الكلام عن هولوكست مسلمي أراكان.

لكن المستغرب أن ترتكب الجريمة، وتستمر تحت سمع وبصر النظام العالمي الجديد والدول التي جعلت نفسها شرطياً على العالم لتصون بزعمها القيم والحريات وتدافع عن حقوق الإنسان.

ألا إن مأساة أراكان وسوريا فضحت أدعياء الديمـقـراطية المزعومة في العالم المتمدن، وأظهرت حقيقة أدعياء حقوق الإنسان؛ فحـيـنـمـا يـُصـبُّ الـعذاب صباً على المسلمين ويضطهدون، فإن الآذان تصم، والعيون تعمى، والألسنة والأقلام تخرس، وإذا تعرضت أقلية أو جالية بل ربما فرد واحد من رعاياهم لأذى أو مسَّه أحدٌ بسوء فإنهم حينئذ يعلنون الطوارئ وتستنفر الجيوش وتستعرض الأساطيل قوتها وتتحرك كل وسائل الإعلام والأقلام فتقيم الدنيا ولا تقعدها وتشن الحروب والغارات؛ ألم يخربوا ديار المسلمين ويزيلوا دولاً وحكومات من أجل تدمير برج التجارة العالمي بأمريكا ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية، في 11 سبتمبر 2001م!

وإذا كانت الأمم المتحدة ترى أن الروهنجا هم الأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم، والأكثر عرضة للانقراض، فإن المسلمين في سوريا هم الأكثرية بل هم الشعب الأشد اضطهاداً وتجاهلاً من الأمم المتحدة التي تكتفي بإحصاء الضحايا، وقد تخفي الأرقام الحقيقية وتتلاعب بها!

هل نرجو من العالم الإسلامي اليوم أن يتحرك لنصرة المستضعفين المضطهدين المظلومين في أراكان وغيرها، وتمكينهم من العيش على أرضهم في أمن وسلام أم تراهم سيظلون مشغولين بالاختلافات البينية؟!