برغم أن تونس أفلتت إلى حد بعيد من سيناريو العنف الذي شهدته كل دول الربيع العربي، إلا إنها انجرت إلى تجاذبات أكثر تهديداً لاستقرارها بين أيادي الغرب الممدودة بمزيد من الانسياق الأعمى إلى ثقافاته، وأفكار الإرهاب التي وجدت أرضاً خصبة في هذا المجتمع الذي عانى من سياسات القمع طوال تاريخه الحديث.

فبعد الثورة التي تكللت برحيل زين العابدين بن علي مطلع عام 2011م، كانت الأنظار منصبة في الأساس على الأوضاع السياسية والاقتصادية في هذا البلد، إلا إن المجتمع التونسي كان لا يزال يعيش على وقع الحياة الفرنسية الدخيلة عليه، ليس فقط بسبب الاحتلال الفرنسي الذي بدأ في عام 1881م، وإنما أيضاً بسبب الترويج المتعمد للثقافة الغربية ومحاولات الأنظمة المتعاقبة الابتعاد الصريح عن الهوية الدينية، سواء خلال حكم الحبيب بورقيبة الذي بدأ عام 1957م، أو زين العابدين بن علي الذي تولى السلطة في عام 1987م، أو حتى بعد الثورة من خلال الرئيس الباجي قايد السبسي الذي دعا مؤخراً إلى مراجعات قانونية من شأنها أن تسمح للمرأة بالمساواة مع الرجل في الميراث، والزواج من غير المسلم.

بورقيبة وبن علي.. حافظا على الوجود الثقافي لمحتل بلاد ابن خلدون:

على مدار أكثر من 136 عاماً، بدأت التحولات في مظاهر الحياة في تونس تتجسد على أيدي المحتل الفرنسي الذي نشر ثقافته، مروراً بأنظمة الحكم التي أبعدت تدريجياً تونس عن هويتها التي ميزتها كدولة إسلامية عربية كانت نقطة انطلاق الجيوش الإسلامية ومنبعاً علمياً إلى العالم، من مدينة القيروان التي أسسها عقبة بن نافع، وجامع الزيتونة الذي بُني خلال القرن الأول الهجري، وأصبح لاحقاً جامعة ومنارة للعلوم، تخرج منها علماء، من أبرزهم المؤرخ ابن خلدون.

وبرغم أن التحولات في المجتمع التونسي كانت صنيعة المحتل منذ إعلان الحماية الفرنسية التي أحدثت تغيرات هيكلية على جميع الأصعدة، إلا إن استقلال تونس عام 1956م لم يكن نهاية لدور هذا المحتل؛ فقد واصل «بورقيبة» و«بن علي» الانجرار نحو الثقافة الفرنسية واتخذ كل منهما إجراءات صارمة ضد مظاهر التدين وإقامة الشعائر الدينية لاسترضاء الغرب الذي تخلى لاحقاً عن كليهما سواء من خلال الترحيب بالانقلاب الذي قام به بن علي على بورقيبة في عام 1987م، أو رفض استقبال بن علي بعد فراره إثر قيام الثورة التونسية في عام 2011م.

على صعيد البحث عن الهوية، كان من البدهي أن تظهر محاولات داخل المجتمع التونسي للبحث عن استقلال حقيقي بعيداً عن المحتل الفرنسي، والديكتاتور المنصاع لفرنسا، لكن برغم انتهاء فترة حكم بن علي في 14 يناير عام 2011م، إلا إن المحاولات الغربية تطورت من دعم الديكتاتور الذي يحقق مصالحها على حساب هوية شعبه إلى توظيف الحرية التي خرجت بها الثورة لصناعة حالة انجذاب جديدة نحو الحياة الغربية، في ظل استغلال واضح لمسارات الاقتصاد المعتمدة بشكل كبير على الشركات الأوربية وخاصة الفرنسية، وحالة التدهور المالي الذي تشهده تونس بعد الثورة وحاجتها إلى قروض دولية، إلى جانب الرصيد الثقافي الكبير الذي ترسخ في عقول الشعب والنخب السياسية والإعلامية على مدار عشرات العقود.

الدفاع عن الحريات.. باب الغرب الجديد:

على الصعيد السياسي، دار جدل بعد الثورة بشأن تبني الدستور التونسي الجديد لقيم الدولة المدنية وحرية المعتقد والضمير، واستبعاد النص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي للتشريع، بحسب ما توافقت عليه الكتل داخل المجلس الوطني التأسيسي.

لكن تداعيات مواد الدستور الجديد التي أطلقت العنان للحريات على الطريقة الغربية، لم تتوقف عند حد هذا الجدل، بل امتدت لتشمل جدلاً آخر حول منح السلطات التونسية ترخيصاً لجمعية تدافع عن الشواذ.

هذا الجدل تحول من أروقة السياسة إلى الفضائيات، وبات أعضاء هذه الجمعية ضيوفاً على موائد الإعلام، إلى حد وصل إلى تخصيص مساحات في برامج وصحف لهم، لاستعراض مواقفهم وإظهارها في شكل قضية تتعلق بالدفاع عن الحريات التي توافق الدولة المدنية الحديثة التي نص عليها الدستور.

في الوقت نفسه، أطلت قناة «فرنسا 24» بحلقة كاملة في برنامج «في فلك الممنوع» يدافع عن حقوق الشواذ في المجتمعات العربية والإسلامية، ويفرد لهم مساحة كبيرة في إطار الدفاع عن الحريات أيضاً.

ورفض القضاء التونسي لاحقاً طلباً لتعليق نشاط هذه الجمعية استناداً إلى ما تضمنه الدستور في فصله السادس من كون الدولة كافلة لحرية الضمير وتلتزم بنشر قيم الاعتدال والتسامح وعدم النيل منها، ومن ثم تم اعتبار وجود الجمعية من مكتسبات الثورة والدستور الجديد.

كما أكد رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي - في حوار مع قناة «سي بي سي» المصرية في أكتوبر عام 2015م، رفضه طلب وزير العدل محمد صالح بن عيسى إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية (القانون الجنائي) المتعلق بتجريم المثلية الجنسية، وقال السبسي إن «موقف وزير العدل يلزمه لوحده».

مئات المنصرين توافدوا على تونس منذ عام 2011م وأسسوا كنائس سرية:

تحت غطاء الحريات نفسه، ذكرت صحيفة «الشروق» التونسية في 8 أغسطس 2016م أن مئات المنصرين من مختلف الجنسيات توافدوا على تونس خلال الأشهر الأولى التي تلت الثورة في عام 2011م بحسب تقارير للمؤسسة الأمنية التونسية.

ولفتت الصحيفة إلى أن التنصير في تونس ظاهرة قديمة لكنها ارتفعت في نسقها في السنوات الأخيرة بفعل ما شهدته البلاد من تحولات سمحت بهامش من الحرية في اختيار المعتقد، مضيفة أن عشرات التونسيين يعتنقون الديانة المسيحية سنوياً إما بفعل الإغراء أو الاستهواء أو التقليد.

وأضافت الصحيفة في تقرير مطول لها حول هذه الظاهرة: «يكفي فقط أن نعلم أن قيادية في حزب سياسي أعلنت اعتناقها المسيحية وأن صاحب مقهى يقع في قلب العاصمة قام بتنظيم ملتقى للتونسيين الذين اختاروا المسيحية كدين لهم، لنعي أن القضية لم تعد بتلك الخطورة في بلد اعتمد حرية الضمير في دستوره».

لم تذكر الصحيفة عدداً محدداً للتونسيين الذين اعتنقوا المسيحية، لكنها لفتت النظر إلى عدد الصفحات المخصصة لهم في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والتي تعد بالمئات وكذلك عدد المشتركين في هذه الصفحات، معتبرة أن الحديث هنا يمكن أن يكون عن آلاف وليس عن عشرات.

تتجسد هنا أدوار العديد من المنظمات الدولية الناشطة تحت غطاء المساعدات الإنسانية التي استفادت من مناخ الحرية بعد الثورة، والتي تعمل على استقطاب المواطنين التونسيين وتشجيعهم على التخلي عن ديانتهم.

فبحسب تقارير المؤسسة الأمنية التونسية، قدم مئات المنصرين من مختلف الجنسيات دروساً في الكنائس المنتشرة في تونس العاصمة، وفي منازل بعض التونسيين الذين حولوا مساكنهم إلى كنائس سرية لاستضافة هؤلاء المنصرين في حلقات كان الهدف منها التعريف بالديانة المسيحية وإغراء الحاضرين بغية اعتناقهم لها.

وتشير التقارير الأمنية التونسية إلى أن غالبية من اعتنقوا المسيحية هم من الشباب الذين فقدوا الأمل في بناء حياة كريمة ولديهم استعداد قوي للتخلي عن أي شيء مهما كانت قدسيته من أجل تحقيق أحلامهم؛ وكذلك من خلال إغرائهم بالمال والزواج من مسيحيات وتسهيل هجرتهم إلى الغرب، والحصول على هبة مالية قد تصل إلى 12 ألف دينار مع راتب شهري يتقاضاه بعنوان خدمات يقدمها كتعليم اللغة العربية أو استضافة بعض المبشرين، بحسب ما ذكرته صحيفة الشروق.

المساواة في الإرث وإنجاب الأطفال خارج إطار الزواج.. انعكاس صريح لتأثيرات الثقافة الغربية:

في السياق ذاته، شهد المجتمع التونسي جدلاً كبيراً حول مشروع قانون تقدم به أحد النواب لتعديل قانون الإرث للمساواة بين المرأة والرجل، وذلك في تحد واضح لما نصت عليه الشريعة الإسلامية صراحة وتفصيلاً في القرآن الكريم.

وبرر النائب مشروعه بتوافقه مع الدستور التونسي الجديد، كما وصل هذا الجدل إلى حد قول وزيرة المرأة والأسرة والطفولة التونسية العام الماضي: «يجب فتح حوار مجتمعي حول هذه المسألة ومناقشتها بصفة تشاركية من كل النواحي الدينية والمجتمعية والاقتصادية بما يليق بمكانة المرأة التونسية التي هي قلب العائلة اليوم وتساهم في نفقات الأسرة كما ينفق الرجل».

على الصعيد الديني، تصدى مفتي الجمهورية التونسية عثمان بطيخ لهذه المسألة بطريقة متناقضة أشعلت مزيداً من الجدل داخل تونس وخارجها؛ حيث تبنى موقفاً مناهضاً تماماً لتصريحات الوزيرة ودافع بشدة عن الموقف الشرعي لقضية الإرث في 28 يونيو 2016م، قبل أن يتحول للنقيض في 14 أغسطس الماضي عقب إعلان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي دعمه لإصدار تشريع للمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة.

ولعل تلك المواقف من مختلف الشخصيات الفاعلة في المجتمع التونسي تعكس حجم التأثير الغربي على البلاد، ليس فقط من خلال الميل الواضح لدى الوزيرة إلى الثقافة الأوربية، ولكن أيضاً من خلال هذا الانجذاب الكبير من الحاكم إلى القيم الغربية واعتبارها مساراً صحيحاً لسلطته، ومن خلفه مفتي الجمهورية الذي سار على دربه.

الابتعاد عن الهوية الدينية وترك الساحة أمام الاجتهادات السياسية والفكرية في أمور الدين جعلت المجتمع التونسي يعاني من مشكلة اجتماعية أخرى خطيرة تجسدت في ولادة مئات الأطفال سنوياً من علاقات غير شرعية. فخلال مائدة مستديرة نظمها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في تونس العام الماضي بالتعاون مع جامعة «اي مارساي» الفرنسية، كشف الباحث في علم الاجتماع «سنيم بن عبد الله» أن عدد الأطفال المولودين خارج إطار الزواج سنوياً في تونس يقدر بأكثر من ألف حالة.

ولفت الباحث إلى أن المؤشرات المسجلة في السنوات الأخيرة تبين ممارسة نسبة من الشباب التونسي للعلاقات الجنسية قبل الزواج، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بـ«عوامل موضوعية تتمثل بالخصوص في تأخر سن الزواج وتنامي التحضر وتراجع الرقابة الاجتماعية على الأفراد، إضافة إلى الانفتاح على بلدان أجنبية عاشت تحولات ثقافية أفرزت نوعاً من التحرر الجنسي».

لكن الباحث لم يشر إلى أهمية القيم الدينية في إطار استعراضه للحلول المقترحة ودعا إلى تكثيف الجهود لتوفير المعلومة للشباب، وتمكينهم من الخدمات الصحية والتوعوية الملائمة وتقريبها منهم، «دون أي أحكام قيمية وأخلاقية لأنها من العراقيل التي يتعين تجاوزها»، بحسب قوله.

أيادي الإرهاب ممدودة للتونسيين الباحثين عن هويتهم المسلوبة أمام ترف الحياة الغربية الدخيلة:

لا يتوقف تأثير الحريات الغربية التي ترسخها فرنسا في المجتمع التونسي يوماً بعد يوم بعيداً عن قيم الدين الإسلامي المعتدل، بل يمتد ليصنع ارتباكاً حقيقياً داخل المجتمع لاسيما بعد الثورة؛ إذ يعيش كثير من الشباب حالة بحث عن الهوية المفقودة، ولم يجدوا طريقاً ممهداً للعودة إلى هويتهم لا خلال نظامي بورقيبة وبن علي، ولا حتى من خلال المناخ السياسي والاجتماعي الذي لا يزال الغرب حاضراً في تفاصيله بعد الثورة، وهو ما دفع بآلاف منهم إلى التنظيمات الإرهابية، كسبيل غير مبرر لمقاومة الحياة الغربية.

في السياق نفسه، تشير تقارير عدة إلى أن آلاف التونسيين يقاتلون في سوريا وليبيا ضمن تنظيم داعش وأنهم باتوا العمود الفقري له، كما كانت العملية الإرهابية في مدينة نيس الفرنسية بواسطة شاحنة يقودها مواطن تونسي بمثابة جرس إنذار للغرب، ليس لكون المنفذ يحمل الجنسية التونسية أو ينتمي لداعش، وإنما لكون هذا الشخص لم يكن معروفاً عنه التزامه الديني، كما أن التقارير الأمنية الفرنسية تحدثت عن تعاطيه الخمر، وهو ما يؤكد أن الانفتاح المفرط على الثقافات الأخرى والابتعاد الكامل عن الهوية الإسلامية سلاح ذو حدين.

يحتاج الغرب هنا إلى مراجعة إستراتيجيته الخاصة بنشر هويته على حساب قيم المجتمعات الإسلامية في ظل المتغيرات الجديدة في المنطقة العربية وانهيار أنظمة الحكم التي كانت تقوم بهذا الدور نيابة عنه، كما يحتاج كذلك إلى وقف سياساته النفعية التي وظفها لتحقيق مكاسب على جميع الأصعدة.

كما تفرض محاولات سلب هوية الشعب التونسي وجره إلى التنظيمات الإرهابية على الأوساط الدينية والإعلامية وكذلك على السلطات المختصة أن تعمل على إيجاد بيئة اجتماعية وسياسية تشجع قيم الإسلام وتروج لها، بدلاً من استرضاء الغرب على حساب هذا المجتمع الطامح إلى البحث عن هويته، والذي استطاع في انتفاضة واحدة أن يحرك الشعوب العربية للثورة ضد القهر والاستعباد.