في منطقة تشبه الرمال المتحركة، حيث كل شيء يدور ويتبدل، فإن تركيا التي حافظت على صعود اقتصادي مستمر لعقد ونصف العقد تعيد اليوم ضبط بوصلة تحالفاتها، بعد أن تغيرت أولوياتها مع تطور طموحاتها الإقليمية، التي تدرجت من خانة النمو الاقتصادي والتصنيع والملاءة التجارية، إلى أن يصبح لها قول في المشكلات الإقليمية، بعد أن كانت مهمشة في محيطها ومجرد جسر يعبر عليه الآخرون بتعبير مهندس سياستها الخارجية أحمد داود أوغلو. فالتغير في الأولويات التركية صاحبه تغير في خريطة تحالفاتها؛ حيث إن تركيا التي كانت أحد مؤسسي حلف شمال الأطلسي (الناتو) باتت اليوم أكثر انتقاداً من الغرب نظراً لنزعاتها الاستقلالية لاسيما في مجال الصناعات الدفاعية، كما أنها اصطدمت مع الولايات المتحدة في عدد من الملفات الإقليمية على رأسها القضية الكردية، مما مهد لوجود صدع في العلاقات عززه نية تركيا شراء منظومة صواريخ إس 400 الروسية للدفاع الجوي، بالإضافة إلى تقدم تركيا في مجالات التصنيع العسكري لاسيما في مجال البوارج البحرية، وكذلك حاملات الطائرات الذي دخلته تركيا فعلياً في 2016م، ومن المتوقع أن تنتهي من أول حاملة طائرات تركية في 2021م، وهو ما يمثل نقلة نوعية في ما يتعلق بقدرة تركيا على بسط قوتها خارج نطاق حدودها الجغرافية.

كما أن إنشاء تركيا لعدد من القواعد العسكرية خارج حدودها عزز كذلك من فرضية قدرتها على لعب دور أكبر خارج محيطها، حيث إن أنقرة باتت لها قواعد عسكرية في كل من قطر والصومال وشمال العراق وقبرص، بالإضافة إلى تواجدها العسكري في مدينة الباب وامتداداتها حتى إدلب السورية، ومن هنا كان انتشارها يدل على مدى قدرتها على بسط قوتها في منطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى الصومال، كما أن دخول حاملة الطائرات للخدمة سيعزز من تلك المكانة حيث ستستطيع حاملة الطائرات حمل 6 طائرات من طراز (إف 35 بي) الأمريكية القادرة على الإقلاع والهبوط عمودياً[1]. وحتى الآن استطاعت تركيا أن تحافظ على علاقات مستقرة مع حلفائها في الناتو، مع تطوير علاقاتها الإستراتيجية مع موسكو في الوقت ذاته، إلا إن نية تركيا في الحصول على المعرفة العسكرية في مجالات التصنيع تقلق الغرب، الذي رفض أن يشرك أنقرة في تلك المجالات وهو ما دفع تركيا إلى الجانب الروسي، ومن ثم فإن التوقعات بهبوط منحنى العلاقات التركية الغربية في المستقبل ليس مستبعداً، لاسيما في ظل تصاعد اتهامات الغرب لنظام أردوغان بأنه بات أكثر ديكتاتورية، وكذلك اتهامات أنقرة للولايات المتحدة بضلوعها في عملية الانقلاب الفاشلة التي جرت في يوليو 2016م.

وفي أعقاب الحروب الإقليمية الكبرى والصراعات العالمية، وهو ما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط حالياً، فإن المظلات الأمنية القديمة تتهدم، وتحاول الدول الطامحة في النفوذ أن تنشئ مظلات أمنية جديدة تكون أكثر تفضيلاً لمصالح أمنها القومي، ومن ثم فإن تركيا تعمل عن كثب من أجل الحصول على نظام إقليمي مفضل وذلك بالتعاون مع دول الجوار الإقليمية، برغم حالة عدم الثقة التي تخيم على الفاعلين الإقليميين، وهذا ينطبق على علاقات تركيا بكل من إيران والسعودية ومصر والكيان الصهيوني على حد سواء، حيث إن تلك الأطراف بدورها تعمل على صك منظومة أمن إقليمي جديدة تعمل لصالحها، بعد أن خرجت الجامعة العربية من دائرة التأثير، وكذلك ما يلوح في الأفق من تجميد لمنظومة التعاون الخليجي. والتواجد التركي في سوريا وشمال العراق يقلق القوى الإقليمية، برغم أنه يطمئن أنظمة العراق وسوريا وإيران من جهة بشأن طموحات الأكراد بإنشاء دولة لهم تستقطع أراضيها من دولهم، إلا إنه يمثل قلقاً لهم مما يصفونه بالتدخلات التركية في الإقليم وتداعياته على مصالحهم وأمنهم القومي الذي يقوم على الارتباط العضوي بإيران الحريصة على التمدد مع عدم الاصطدام بالقوى الكبرى بل بالتنسيق معها.

وبالنظر إلى تشابكات الوضع الإقليمي وأن الدول القائدة فيه لم تستطع حتى الآن أن تصل إلى توليفة عمل جماعي مشترك، فإن حالة اللاتزان هذه ستظل تصاحب المنطقة حتى وقت ليس بقصير، بالنظر إلى أن العلاقات الثنائية بين تلك الأطراف ذات وجهين في معظم الأحوال، بل إن العلاقات التركية مع القوى الدولية تتمتع كذلك بالطبيعة ذاتها، وهذا ينطبق على روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي على حد سواء، كما أن تلك الأوضاع السياسية تؤثر بشدة على الاقتصاد التركي الذي بدأ يعاني منذ الأزمة السورية واستقبالها للاجئين وتراجع معدلات السياحة وانخفاض قيمة العملة التركية، كما أن السياسات الإقليمية تؤثر كذلك على نية تركيا أن تصبح معبراً للطاقة إلى أوربا؛ حيث إن اكتشافات الغاز الحديثة شرق المتوسط تعمل على تكوين تحالفات جديدة ضد مصالح الدولة التركية، في ما يتعلق بعلاقة الكيان الصهيوني بكل من مصر وقبرص واليونان، وهي الدول ذات المصلحة في إخراج تركيا من معادلة غاز شرق المتوسط، لاسيما في ظل علاقة تركيا بكل من قطر وإيران واحتمالات تعاونهم في تصدير الغاز لأوربا كمنافسين لغاز شرق المتوسط.

وبالنظر إلى الأوضاع الداخلية فإن الاستحقاق الانتخابي على مقعد الرئاسة في 2019م سيمثل حجر زاوية في شكل الدولة التركية في السنوات القادمة، حيث إن نتيجة الاستفتاء الأخير على الدستور والذي مر بهامش ضئيل للغاية تعكس مدى الانقسام المجتمعي حول تحول النظام من برلماني إلى رئاسي، ومن ثم فإن أي تغير في خريطة القوى السياسية داخلياً ربما يهدد بأن تدخل تركيا في مرحلة عزلة جديدة وانكفاء على الذات بعد سنوات من الصعود الاقتصادي والإقليمي، وكل تلك الأسباب مجتمعة تشكل هاجساً كبيراً لدى صناع القرار في أنقرة، بالوضع في الاعتبار التغير السريع للأحداث في منطقة الشرق الأوسط وعدم قدرة أي قوى إقليمية على حسم حالة اللاستقرار بفرض نظام أمني جديد يؤدي إلى استقرار حالة التنافس الإقليمي في ظل مشهد مملوء بالمتفجرات المذهبية والعرقية وسقوط الدول وصعود المليشيات المسلحة.

وبرغم أن القضية الكردية تمثل هاجساً للدولة التركية، إلا إنها في الوقت ذاته تمثل الفرصة النموذجية الأفضل لتركيا للحفاظ على كل مصالحها في الداخل والخارج؛ فعلى الصعيد الداخلي أثبت حزب العدالة والتنمية أنه يتماشى مع محددات الأمن القومي للجمهورية التركية، وأنه برغم الانفتاحة الكردية التي أطلقها مع بدء توليه السلطة إلا إنه لن يتساهل مع تهديدات الأمن القومي بإنشاء دولة كردية، وتعاون في ذلك مع إيران التي جاء رئيس أركان جيشها لأول مرة إلى تركيا منذ عقود، وذلك أمام منافسيه القوميين، برغم أن ذلك ربما سيكون له ثمن انتخابياً بالنظر إلى دعم قطاع من السكان الأكراد للحزب في الانتخابات المحلية. أما على الصعيد الخارجي فإن القضية الكردية تظل سبباً كذلك في نشر قوات تركيا في شمالي العراق وسوريا، ومن ثم تحافظ على حصتها في محاولة تشكيل مخرجات المخاض الحالي للثورات العربية، وهو ما أثبتت أنها قادرة عليه من خلال محادثات أستانا التي هندستها تركيا بجانب روسيا.

ولكن تظل شبكة التحالفات الجديدة لتركيا غير مستقرة وسريعة التحول، مقارنة بوضعها داخل حلف شمال الأطلسي وجذورها التاريخية كأحد الأصول الغربية في حقبة ما بعد الحرب العالمية، وكذلك في ما يتعلق بروابطها مع الغرب وتسليح جيشها وصيانة وقطع غيار معداتها، كما أنها بحاجة إلى التعاون مع السعودية في مواجهة إيران وتوغلها في سوريا والعراق؛ فالتعاون مع طهران في القضية الكردية يظل تعاوناً تكتيكياً قصير الأمد، مقارنة بشبكة تحالفاتها الممتدة بكل من الغرب والدول العربية القائدة في المنطقة، كما أن العلاقة مع الجانب الروسي لا تتمتع بالثقة برغم الخطوات الإيجابية التي قطعها الطرفان تجاه بعضهما البعض، وذلك بالنظر إلى الجذور التاريخية العدائية بين الجانبين.

ومن ثم فإن تعاوناً تركياً عربياً في إطار علاقات متوازنة مع كل من روسيا والغرب يبدو أنه الحل الأمثل لكل من معضلة التحالفات التركية، وكذلك لمنظومة الأمن الإقليمية الغائبة حتى الآن عن المنطقة العربية، والتي تهدد مختلف الأطراف بالغوص في رمالها المتحركة.

 

 


 


 [1] لماذا تريد تركيا الحصول على حاملة طائرات؟، ناشيونال إنترست، 9 يوليو 2017م، على: ( https://goo.gl/fq8zp4 ).