بعد ما يقرب من ست سنوات على الثورة الليبية باتت ليبيا اليوم أقرب إلى تجميد الأوضاع وإبقائها على ما هي عليه دون حكومة مركزية تكون لها الهيمنة على كامل الحدود الليبية، فالأزمة الليبية اليوم تتنازعها القوى الدولية والإقليمية، فهدوء أو اشتعال ساحة الصراع الليبي داخلياً هو مجرد انعكاس لاتفاق أو اختلاف الفرقاء الإقليمين والدوليين. فمن الممكن القول إن احتمالات التدخل الدولي العسكري في ليبيا باتت غير مطروحة في المرحلة الراهنة، وتبدو ليبيا منذ تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة في يناير الماضي ليست على سلم الأولويات. وهو الأمر الذي فتح المجال للأوربيين والروس وغيرهم لفرض حلول سياسية للواقع الليبي المأزوم. وترجع أسباب التهدئة السائدة اليوم في ليبيا والتفاؤل الذي يبديه المراقبون لقرب حل الأزمة الليبية لطبيعة التوازنات في القوى المهيمنة على الساحة الليبية.

ففريق حفتر أثار لعاب الدب الروسي بصفقات السلاح فخرجت العلاقات بين فريق حفتر والدولة الروسية من العلاقات السياسية إلى التعاون العسكري، وتعد صادرات السلاح الروسية من أهم دعائم اقتصادها، وتمتعت روسيا قديماً بأفضلية في تصدير السلاح لنظام القذافي البائد لذلك فهي تسعى للحصول على نصيب وافر من عقود تسليح جيش حفتر. فوجود حفتر على الساحة الليبية عسكرياً وسياسياً يمثل بالنسبة لروسيا عقود تسليح ونفوذاً سياسياً طامحاً في المنطقة خاصة بعد تراجع دور الولايات المتحدة. وكذلك فرنسا التي وجدت في حفتر بوابة لنفوذها في ظل الدعم الإيطالي للقوى المناوئة له، فهي تدعم حكومة فايز السراج في الظاهر وتتعاون مع حفتر في الخفاء.

في المقابل فإن فريق فايز السراج الذي يمثل القوى الشرعية المعترف بها دولياً، يحاول أن يدعم معسكره بداعمين إقليميين ودوليين لتحسين وضعه خلال عملية التفاوض المرتقبة ويعتمد السراج بشكل أساسي الجانب الأوربي، فأوربا تجد نفسها في حاجة للتعاون مع فريق السراج خاصة أنها تعاني من قضية المهاجرين غير الشرعيين، كما تسعى إيطاليا لاستعادة التعاون الاقتصادي والشراكة مع مؤسسات الليبية لسابق عهدها أيام العقيد القذافي حيث كانت تستحوذ إيطاليا على مجمل الاستثمارات الأوربية في ليبيا، لذا فأوربا تسعى بشكل حثيث إلى إيجاد حكومة شرعية تستطيع ضبط الحدود والدخول معها في شراكة اقتصادية، خاصة أن ليبيا في حاجة ماسة لإعادة إعمار ولديها فائض نفطي وتخشى من الدخول مرة أخرى في الفوضى، فالسراج برغم ضعف نفوذه ميدانياً في الغرب الليبي يحظى بدعم أممي وشرعية تحاول أوربا ستر عورة تدخلها في ليبيا بها، وإقليمياً يحظى حفتر بالدعم المصري، في حين الجزائر اتخذت موقفاً مشابهاً لموقف الاتحاد الأوربي، إذ تتنازع الدول الإقليمية هي الأخرى على مساحات النفوذ المستقبلية في الشأن الليبي.

فالتوازن الإقليمي والدولي إذن يكمن خلف حالة التهدئة في الداخل الليبي، والذي لا يخلو بالطبع من مناوشات هنا وهناك.

صراع تقاسم النفوذ:

حالة اللادولة واللافوضى التي تعيشها ليبيا اليوم تبدو أنها تروق للفرقاء الأوربيين وتمثل فحوى لرؤيتهم للأوضاع السياسية في ليبيا، فتقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ والإبقاء على حالة التهدئة كما هي ليس رؤية سياسية جديدة للمستعمر القديم، فعند قيام الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا الدولة المحتلة لليبيا آنذاك تلك الحرب انضم الليبيون إلى جانب الحلفاء، بعد أن تعهدت بريطانيا صراحة بأنه عندما تضع الحرب أوزارها فإن ليبيا لن تعود بأي حال من الأحوال تحت السيطرة الإيطالية، لكن بعد هزيمة إيطاليا الفاشية وسقوط بنغازي وطرابلس في أيدي القوات البريطانية قامت بريطانيا بالفصل بين إقليمي برقة وطرابلس مع بقائهما تحت سيطرتها وتم منح إقليم فزان في الجنوب لفرنسا، وعملت دولتا الاحتلال على غرس بذور الفرقة بين أبناء ليبيا، وبينما رأى الليبيون أنه بهزيمة إيطاليا سنة 1943م يجب أن تكون السيادة على ليبيا لأهلها، إلا إن الإنجليز والفرنسيين رفضوا ذلك وصمموا على حكم ليبيا حتى تتم التسوية مع إيطاليا.

واتفقت بريطانيا وإيطاليا في 10 مارس 1949م على مشروع بيفن سيفورزا الخاص بليبيا، الذي يقضي بفرض الوصاية الإيطالية على طرابلس، والوصاية البريطانية على برقة، والوصاية الفرنسية على فزان، على أن تمنح ليبيا الاستقلال بعد 10 سنوات من تاريخ الموافقة على مشروع الوصاية. لكن المشروع باء بالفشل لحصوله على عدد قليل من الأصوات المؤيدة له في الأمم المتحدة، نتيجة للمفاوضات المضنية لحشد الدعم لاستقلال ليبيا، التي قام بها وفد من أحرار ومناضلي ليبيا للمطالبة بوحدة واستقلال ليبيا.

ثم في 21 نوفمبر 1949م تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً ينص على أن ليبيا يجب أن تصبح مستقلة قبل 1 يناير 1952م.

وقد نص القرار على أن يوضع للدولة الجديدة في أثناء ذلك دستور تقرره جمعية وطنية تضم ممثلين عن الأقاليم الثلاثة بالتشاور في ما بينهم كهيئة واحدة، كما نص القرار على تعيين مفوض خاص من الأمم المتحدة للمساعدة في صياغة الدستور وإنشاء حكومة مستقلة. فكان الدستور الليبي الذي اعتمد بقرار من الجمعية الوطنية وصدر بتاريخ 7 أكتوبر 1951م، وفي 24 ديسمبر 1951م أعلنت ليبيا استقلالها تحت اسم المملكة الليبية المتحدة بنظام ملكي دستوري وراثي.

أقر الدستور الجديد تقسيم المملكة الليبية إلى ثلاث ولايات هي ولاية طرابلس وولاية برقة وولاية فزان، على أن تتمتع كل ولاية من الولايات الثلاث بالحكم الذاتي من خلال حكومة إقليمية إضافة إلى مجلس نيابي محلي. وكانت ولاية طرابلس هي الولاية الأكثر سكاناً والأصغر مساحة من بين ولايات المملكة الليبية، أما فزان فهي الولاية الأقل سكاناً، في حين كانت ولاية برقة الأكبر مساحة بين ولايات المملكة الليبية.

وهكذا وضع الاستعمار الأوربي بذور تقسيم الدولة الليبية قبل أن يتركها، فقد حرصت الدول الاستعمارية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) على فصل الجزء الذي تحت سيطرتها عن بقية أجزاء ليبيا طوال مدة بقائه تحت الانتداب. كما أيدت القرارات الأممية المحاصصة الجهوية بحضور ممثلين بالتساوي بين الأقاليم لوضع دستور ليبيا، وإقرار الحكم الذاتي لكل ولاية.

العودة إلى التقسيم:

بعد أحداث 17 فبراير 2011م التي أدت إلى إسقاط الطاغية معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011م، أصدر المجلس الوطني الانتقالي إعلاناً دستورياً في 3 أغسطس 2011م، ومن ثم قام المؤتمر الوطني العام بتشكيل لجنة لإعداد قانون الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور والذي وقع بمدينة البيضاء في 20 يوليو 2013م، وينص القانون على إجراء انتخابات ما أطلق عليها «لجنة الستين» لوضع الدستور، حيث سيتم انتخاب أعضاء تلك اللجنة بواقع 20 ممثلاً عن كل إقليم (إقليم برقة - المنطقة الشرقية، إقليم طرابلس - المنطقة الغربية، إقليم فزان - المنطقة الجنوبية الغربية) ليصبح مجموع الأعضاء ستين عضواً بغرض كتابة دستور جديد للبلاد.

وهنا نلاحظ عودة فكرة التقسيم مرة أخرى ومنطق المحاصصة في ليبيا بعد الثورة، فلم يتم انتخاب أعضاء اللجنة على عموم البلاد، بل فرض لكل منطقة عدد متساو، مع وجود تفاوت كبير بين تلك المناطق في المساحة وعدد السكان، كما أنه تكريس لتقسيم فرضه الاستعمار على أهل ليبيا قديماً، وتم استدعائه حديثاً مع ليبيا ما بعد الثورة.

ونتيجة حتمية لطبيعة اقتسام النفوذ في تكوين لجنة وضع الدستور فقد تعثرت خطواته نتيجة اختلاف أعضائه فقد طالب الأعضاء الممثلون لشرق ليبيا وجنوبها بتسمية ثلاث عواصم للدولة، ومنح مجلس الشيوخ صلاحيات أوسع، وهو ما يرفضه الأعضاء الممثلون لغرب البلاد. وصارت مؤسسات الدولة توزع بين المناطق فعلى سبيل المثال اقترح بعض الأعضاء أن يكون مقر الحكومة في الغرب، بينما مقر البرلمان في الشرق، والمحكمة الدستورية والهيئات القضائية في الجنوب، وهكذا ومنذ البدايات يتم تمزيق مؤسسات الدولة. وبهذه الطريقة يرى كثير من الخبراء أن الخلافات المتفاقمة بين أعضاء هيئة صياغة الدستور الليبي ستنتج دستوراً مشوهاً يدعم التقسيم أكثر مما يدعم الوحدة ولن يحقق الاستقرار.

وصار طابع المحاصصة هو نمط كافة المناقشات والحلول السياسية خاصة التي تتبناها الأمم المتحدة، ففي الاتفاق الأخير الذي أطلق عليه اتفاق الصخيرات نسبة إلى المدينة المغربية التي استضافت المناقشات وشهدت حفل توقيع الاتفاق والذي كان برعاية مباشرة من الأمم المتحدة. كان من أهم بنود الاتفاقية تشكيل مجلس رئاسي مكون من ستة أفراد، فردان ممثلان عن كل إقليم، يرأسه فايز السراج وإلى جانبه بقية الأعضاء الخمسة الآخرين، بالإضافة إلى ثلاثة وزراء كبار يقومون بتسمية الوزراء.

لذلك فإن الدول الأوربية تتلاعب مع الأطراف الليبية للإبقاء على نفوذها القديم، ففرنسا تمد يدها في الظاهر لحكومة السراج ثم تدعم حفتر في الخفاء، وإيطاليا تدخل في شراكة اقتصادية معه، وبريطانيا تحاول استعادة نفوذها القديم، وهكذا فإن بقاء الوضع على حاله مع تقاسم النفوذ بين الدول الأوربية يبدو أنه الحل الأوفق لأوربا، لكنها ليست اللاعب الوحيد حيث تسعى روسيا لحصتها من النفوذ والذي يمكن للأوربيين القبول به خاصة بعد تراجع الدور الأمريكي في الملف الليبي.