ترك الذنوب والمعاصي من المقاصد الكبرى للتربية الإسلامية، قال الله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120]، قال مجاهد: «معصيته في السر والعلانية»[1]، ذلك أنَّ الذنوب والمعاصي بفشوها يهلك الناس، وتفسد الحياة، وتستحق المجتمعات عقوبة الله تعالى، قال الله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. وقد قصَّ الله تعالى في كتابه أخباراً للذين استحقوا العقوبة بسبب ارتكابهم الإثم والخطيئة.

وحين عرَّف جعفر بن أبي طالب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس النجاشي كان مما قال: «كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرنا بصِدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً...»[2].

ومن أسهل الطرق الموصلة إلى هذا المقصد التربوي الكبير: تحبيب الله تعالى إلى الناس، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، إذ يقول: «العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا، فإنهم لا يقدرون على تركها، ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم، فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة؟! فإن صعُب عليهم ترك الذنوب؛ فاجتهدْ أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته، فإذا تعلقت بحبه هانَ عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها»[3].

ملحظ يتكرر:

ابن القيم رحمه الله تعالى يعرض ملحظاً تربوياً يتكرر في هذا السياق، ويتمثل هذا الملحظ في دعوة الناس إلى ترك الدنيا في حين لا يزالون مقيمين على الذنوب والمعاصي، إذ لا يمثِّل ترك الدنيا بهذا الإطلاق مقصداً للتربية الإسلامية، بخلاف ترك الذنوب والمعاصي. يقول رحمه الله: «فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم بالفريضة؟!» وهو بهذا يرتب الأولويات الدعوية في هذا السياق.

ويعلِّل رحمه الله تعالى هذا الملحظ تربوياً، إذ يقول: «العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهُل عليهم الإجابة، والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشقُّ عليهم الإجابة، فإنَّ الفطام عن الثدي الذي ما عقلََ الإنسانُ نفسَه إلا وهو يرتضع منه شديد، ولكن تخيَّرْ من المرضعات أزكاهن وأفضلهن»، ونقل قولَ يحيى بن معاذ: «طلبُ العاقل للدنيا خير من ترك الجاهل لها»[4].

وكأنَّ المسألة تتعلق بذات الإنسان أكثر من تعلقها بما هو خارجٌ عنه من الدنيا، إذ ليست كل شؤون الدنيا مذمومة، فإنَّ فيها ما لا تقوم الحياة إلا به، وفيها ما لا يقوم الدين إلا به، وعلى العاقل أنْ يأخذ من الدنيا ما تقوم به حياته ودينه، فيحولها من باب الذم إلى باب المدح، وتصير بذلك قربة لله وعبادة له سبحانه. وهذا الاختيار من الإنسان هو ما يميز جودة تربيته الإسلامية وصفاء تصوراته وسلامة قلبه.

مفعول عبودية المحبة:

 حب الله تعالى من أعظم مقامات العبودية، بل هو الأصل فيها، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «أصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه»[5]. وإنما يجد الإنسان طعم الإيمان وحلاوته ولذته بها، ثبت هذا من حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكون اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأنْ يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار»[6].

وسأقصر الحديث في هذه الفقرة على مفعول هذه العبودية في كيان العبد، وأثرها في استقامته وصلاحه وإيمانه، فمن ذلك: أنَّ حب الله تعالى يورث المؤمن إرادة قلبية تقدم محاب الله تعالى على محاب النفس، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإذا استقرت المحبة في القلب استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها»[7]. فكلما قويت محبة الله صدقاً في قلب المؤمن بعثته إلى الازدياد من الطاعات التي هي محبوبات الله تعالى، والنفرة من المعاصي والذنوب التي هي مكروهات الله تعالى ومبغوضاته؛ وإنْ كانت محبوبة للنفس. وبالتالي فإنَّ المؤمن المحب لله صدقاً - نسأل الله أن يسلك بنا هذا الطريق - يقيم في قلبه رقيباً على نفسه وجوارحه وسلوكه، يمنعها من كل شيء يكرهه الله تعالى ويبغضه من الأعمال والأقوال والأفكار، فتصبح المحبة مانعة له من ذلك، ويصبح القلب في عكوف دائم ومستمر على الطاعة والصلاح، مهما أحاط بصاحبه من مثيرات العصيان ومواطن الفساد.

وربما يتضح ذلك أكثر ما يكون في حالتين للإنسان: وقت خلوته، ووقت شدته. أمَّا وقت خلوته فهو الوقت الذي يخلو فيه من الشواغل ويغيب فيه رقيب الناس، ولا يبقى ثمة إلا رقابة نفسه له، ورؤيته لرقابة الله عليه، هنا تتنازعه محبوبات النفس ومحبوبات الله تعالى، فأيهما كان أشد حباً له سلك طريقه، وقد جاء رجل إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله، إني أخشى أن أكون منافقاً. قال له: تصلي إذا خلوت؟ وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم. قال: اذهب فما جعلك الله منافقاً[8]. فجعل الطاعة في وقت الخلوة علامة على صحة الإيمان.

ولأهمية هذه الحال - أعني الخلوة التي تقدم فيها محبوبات الله تعالى على محبوبات النفس - ولعمق دلالتها على وافر الحب الذي امتلأ به قلب صاحبها، كان له المنزلة العظيمة يوم القيامة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله...» ومنهم: «رجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه»[9].

وأما وقت شدته، فإنَّ القلب في وقت الشدائد «لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده»[10] ويطيش القلب حينها عن كل محبوب قلَّ مقداره، فإنْ كان المحبوب الأعظم عنده هو الله عز وجلَّ لجأ إلى جنابه ولاذ بقوته وجلاله وسأله مسألة المسكين، وتضرع إليه تضرع الذليل، وتبرأ من كل حول وقوة إلا حول الله وقوته سبحانه، ولم يلجأ إلى البشر، ولم يجزع من القدَر، بل سلَّم ورضي، وصبر واصطبر. وإنْ كان قدْرُ الله تعالى في قلبه أقلَّ من ذلك التجأ إلى غيره، ولاذ بسواه من المخلوقين، وأصبح قلبه متعلقاً بهم، يرجو النجاة والسلامة من هذه الشدائد.

ومهما يكن، فإنَّ كل المؤمنين يحبون الله تعالى ولا شك، لكن عمق هذا الحب هو الذي سيظهر على سلوك المؤمن وجوارحه، وعلى موازناته القيمية وتفضيلاته بين الرغبات وتعامله مع الدوافع، فبقدر عمق محبة الله يكون حجم هذا الأثر، إنْ كان أثراً قوياً أو أثراً ضعيفاً.

وعليه، فإنَّ المربين الحاذقين، والعارفين - كما يسميهم ابن القيم رحمه الله تعالى - هم الذين يستعينون في تربيتهم بغرس محبة الله تعالى في نفوس الناس، لأنها ستولد في نفوسهم تربية ذاتية على فعل الطاعات وترك الذنوب والمعاصي، وهذا هو عين ما ذكره ابن القيم في كلامه. إننا سنستغني عن الكثير من الجهود التربوية إذا استطعنا أنْ نمسك بما يمكن تشبيهه بمفاصل التربية، وجعلناه بؤرة جهودنا التربوية، فحين ينسى الناس الكثير من المفاهيم التي تلقوها نكون قد نجحنا - بفضل الله تعالى - في غرس ما يعينهم على دوام تربيتهم لذواتهم وتعاهدها بالإيمان، ومن تلك المفاصل التربوية: غرس محبة الله تعالى في النفوس.

كيف نحبب الله تعالى إلى الناس؟

عادةً ما يكون من غير المفيد حصر الوسائل والتقنيات، ذلك أنَّ حصرها يقتل الإبداع، ويحصر التفكير في غلق ما من شأنه أنْ يكون مفتوحاً.

ومن المهم - من وجهة نظري - أن تُعقد حلقات النقاش وورش العمل لتوليد الأفكار الكثيرة والمناسبة لغرس محبة الله تعالى في النفوس، وتبقى هذه الوسائل والتقنيات مسؤولية المربين، كما ينبغي أنْ تشغل ذهن الباحثين والمهتمين.

ولدينا في هذا السياق عدد من المواد الجاهزة، والفعالة في الوقت نفسه، والتي ينبغي أنْ نولي وجوهنا شطرها، وهي كما يأتي:

أولاً: أسماء الله تعالى وصفاته: إذ تتضمن كل معاني الكمال والجمال والجلال، والتي تحمل دلالات العناية الإلهية بالعباد والحكمة والعدل والرحمة، والتي من خلالها يتعرف الناس على حقيقة معبودهم الكريم، فيزدادون له عبودية وخضوعاً ومحبة وإجلالاً، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْـحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْـحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].

ثانياً: كلمات الله تعالى في كتابه العزيز: ففيها البركة والنور والهدى، وبمعرفتها وفهمها وحفظها وتكرار قراءتها وتدبرها يتشرب القلب البشري حب الإله الذي تكلم بها، وأنزلها رحمة بالناس، قال الله تعالى: {الچـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ} [إبراهيم: ١]، وقال تعالى: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: ٢]، وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: ٨].

ثالثاً: آيات الله الكونية: فقد جعلها الله تعالى كتاباً مفتوحاً سهل الاطلاع، قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْـحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، وقال تعالى: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ الْـمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وتأمل كيف جاءت هذه الآية قبل قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 165].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «معرفة الله سبحانه نوعان: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي. والثاني: معرفةٌ توجب الحياءَ منه، والمحبةَ له، وتعلقَ القلب به، والشوقَ إلى لقائه، وخشيتَه، والإنابةَ إليه، والأنسَ به، والفرارَ من الخلق إليه.. ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله، والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه. وجماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهاً في أوامره ونواهيه، فقيهاً في قضائه وقدره، فقيهاً في أسمائه وصفاته، فقيهاً في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم»[11].

إننا بحاجة إلى إنتاج العديد من التقنيات والوسائل التي تحبب الله تعالى إلى النفوس، وإلى أنْ نوجِّه تفكيرنا نحو هذا المفصل التربوي، ليحقق لنا أصل العبادة بوصفه هدفاً تربوياً، ولكونه معيناً تربوياً فعالاً.


 


[1] تفسير ابن كثير 4/323.

[2] السيرة النبوية لابن هشام 2/336.

[3] الفوائد ص247.

[4] الفوائد ص247.

[5] مدارج السالكين 1/119.

[6] أخرجه البخاري 1/12 كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان ح16.

[7] طريق الهجرتين 2/645.

[8] تاريخ دمشق 61/251.

[9] أخرجه البخاري 1/133 كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد ح660.

 [10] طريق الهجرتين 2/667.

[11] الفوائد ص249.