تتبنى دائماً الدبلوماسية الصهيونية قاعدة أساسية منذ إعلان استقلال الكيان الصهيوني، ملخصها: «عدو عدوي صديقي»، مارستها المليشيات اليهودية مع الطائفة الدرزية في الأرض المحتلة حيث أعطتهم الأمان مقابل أن يدين لها زعماء الطائفة بالولاء، حتى أصبحوا جزءاً من المنظومة الأمنية الصهيونية إلى يومنا هذا.

 تلك الحالة كانت درساً مهماً بالنسبة للكيان الصهيوني، حيث اتبع الأسلوب ذاته على الصعيد الإقليمي مع أكراد العراق، كونهم ورقة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على استقرار الجبهة الشرقية التي كانت تحارب الكيان الصهيوني وتمثل سوريا والأردن والعراق منذ عام 1965م، فبدأت تل أبيب من خلال الموساد بتقديم المساعدات العسكرية والمدنية لقوات البشمركة الكردية بحسب دراسة نشرتها «عوفرا بنجو» الباحثة البارزة في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، وكان المقابل أن تقوم قوات البشمركة بمساعدة يهود العراق في الهجرة إلى الكيان الصهيوني. وبرغم مساعدة البشمركة في هذا الملف إلا إن خيبة أمل كبيرة أصابت المؤسسة الأمنية الصهيونية عقب فشل البشمركة في إحداث إرباك داخل الجيش العرقي خلال حرب عام 1973م بين مصر والكيان الصهيوني.

تنظر تل أبيب إلى محيطها الإسلامي والعربي فتجد بيئة معادية تماماً لها، وإن كانت تعيش حالة هدوء مؤقت إلا إنها تجد أن اشتعال الحروب في تلك المنطقة أمر غاية في السهولة، وهي لا تتحمل أن يتم فتح جبهات عديدة ضدها في التوقيت نفسه، لذلك تحاول إشغال خصومها بالصراعات الداخلية أو الدفع بهم للتصارع فيما بينهم، وهذا الأمر يؤكده ما جاء على لسان الباحث في معهد روبين للبحوث في هرتسيليا «سيث فرانتزمان» الذي زار كردستان العراق، حيث أشار إلى أن السلام بين مصر والأردن والكيان الصهيوني هو سلام بين الحكومات وليس الشعوب، فغالبية المصريين والأردنيين يكرهون الكيان الصهيوني، بعكس الأكراد حيث زعم أن هناك بيئة شعبية خصبة للرهان عليها، وهناك من يستطيع رفع العلم الصهيوني. هذا الاعتقاد حفز الحكومة الصهيونية أن تعلن دعمها لانفصال كردستان العراق، إذ إن كثيراً من الأكراد وخصوصاً في الشتات يحاولون اليوم، سواء كأفراد أو كرؤساء للتنظيمات، أن يجدوا مسارات إلى داخل قلب الكيان الصهيوني. تهدف تلك التوجهات إلى الحصول على المساعدة العسكرية أو مساعدة اللوبي الصهيوني في الغرب، وقبل كل شيء في الولايات المتحدة، لصالح المسألة الكردية.

وحقيقة كون الدولة الكردية المستقبلية سيكون لها أعمدة علمانية نسبياً، ولديها ولاء مطلق للغرب، ولديها رصيد في محاربة المحيط العربي والجماعات الإرهابية؛ فإن ذلك يدفع باتجاه القبول بها حليفاً للكيان الصهيوني.

المصلحة المشتركة الأخرى بين الكيان الصهيوني وكردستان العراق هي العلاقات الاقتصادية، وقد فتحت كردستان أفقاً واسعاً لتوريد النفط العراقي إلى الكيان الصهيوني، والذي لم تستطع دول أخرى الشراء منه بسبب المعارضة القانونية لحكومة العراق. وهذا ما أكده تقرير نشرته صحيفة الفاينانشال تايمز عام 2015م.

المعزز الأهم للعلاقة الكردية الصهيونية ما يتعلق باليهود الأكراد في الكيان الصهيوني وفي كردستان، فهم منذ نشأة الكيان الصهيوني يعتبرون أنفسهم حلقة الوصل المهمة في دعم تلك العلاقة بين الطرفين، وفي مقالة للكاتب اليهودي يؤاف شاحام ذكر أن عدد اليهود الأكراد في الكيان الصهيوني يتخطى 150 ألف شخص، وقد بدأت هجرتهم إلى الأرض المحتلة ضمن عملية صهيونية نفذت باسم «عزرا ونحميا» عام 1952م، وفي كردستان العراق يوجد ممثليات رسمية معترف بها من حكومة كردستان أبرزها مكتب التمثيل اليهودي التابع لوزارة الشؤون الدينية في الإقليم. وقد افتتح مكتب التمثيل اليهودي عام 2015م حيث أقر البرلمان الكردي قانوناً يعترف باليهود طائفةً رسمية ولها حقوق مثل الديانات الأخرى.

يقول اللواء المتقاعد عاموس جلعاد، الذي كان يشغل منصب رئيس الدائرة السياسية الأمنية في الجيش الصهيوني، لا يجب أن نظهر للعالم أننا ندعم المشروع الكردي، لأن ذلك الأمر سوف يزيد من عداء الأتراك لنا وينهي محاولة تطبيع العلاقات مع تركيا، كما أنه سيجمع الكثير من الخصوم ضد اليهود. وقد أحيا مكتب التمثيل اليهودي ذكرى الهولوكوست في أربيل العام الماضي في حفل حضره ممثلو القنصليات الأمريكية والفرنسية والروسية في أربيل، فضلاً عن الكنائس الآشورية والأرمنية في المنطقة.

وبرغم العوامل الاقتصادية والأمنية والأيدلوجية التي تجعل من الكيان الصهيوني حاضنة مهمة للمشروع الكردي، إلا إن التاريخ يثبت أن المحاولات الكردية للانفصال دائماً تصطدم بالجغرافيا السياسية التي تعتبر أكثر عوامل إسقاط المشروع الكردي، فقد جرت عدة محاولات سابقة لانفصال الأكراد، أولها محاولة مصطفى بارزاني أثناء حكم الملكية للعراق، حيث قاد ثورة كردية للمطالبة بالحقوق القومية للكرد، ثم عاود الكرة مرة أخرى محاولاً إقامة دولة كردية في منطقة مهاباد في إيران، لكن عقب انسحاب القوات السوفيتية من شمال إيران تم إخماد تلك الدولة التي لم تستمر سوى 11 شهراً، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع بين الحكومة العراقية والأكراد حتى تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد عام 1970م.

بالإضافة إلى ما سبق ذكره فإن تركيا وإيران وسوريا والعراق هي الحدود البرية التي تربط كردستان بالعالم الخارجي، وكون تلك الدول تتبنى مشاريع معادية للمشروع الكردي فإن ذلك المشروع حتماً لن يكون لديه أي قابلية للحياة لاسيما عقب التهديدات التي أعلنتها تلك دول مثل حظر الطيران الذي فرضته الحكومة العراقية وتهديد أنقرة بمنع تصدير النفط عبر خطوط تمر من أراضيها باتجاه البحر المتوسط، وتصدر كردستان العراق 650 ألف برميل تمثل نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية التي تغطي النفقات العسكرية والمدنية.

 وفي هذا المقام لا يمكن أن نغفل الدعم الأمريكي للمشروع الكردي، ففي الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تقوم بتغطية هجمات البشمركة على مدن مثل كركوك والموصل وجبل سنجار في سياق محاربة داعش، وتمكين الأكراد من توسيع رقعتهم الجغرافية؛ كانت داعش أيضاً عذراً لواشنطن بهدف تمكين الأكراد في سوريا حيث أعلنت واشنطن عن دعم وتبني قوات سوريا الديمقراطية التي انطلقت عام 2015م للغاية نفسها، وهي احتلال شريط من البلدات والقرى يبدأ من شرق سوريا وينتهي بالشمال السوري حتى البحر المتوسط على حدود تركيا، لكن الخطوات العسكرية التركية وعلى رأسها عملية درع الفرات حدت من هذا التمدد، الذي كانت الغاية منه تحقيق فدرالية كردية على حدود تركيا بحسب اعتراف صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي.

إقامة الجيش الأمريكي لقاعدة جوية في الحسكة وتوفير غطاء جوي ومستشارين عسكريين لقوات سوريا الديمقراطية خلال حربها على الحدود التركية وتحذيرات تركيا المتواصلة من الدعم الأمريكي للأكراد، جاء ليؤكد حقيقة واضحة أعلنها رئيس المجلس الوطني الكردي، مسلم محمد، في تصريح نشرته «سبوتنك» الروسية أكد فيه أن مشروع واشنطن لـ«الشرق الأوسط الكبير» يستهدف بالمقام الأول إنشاء دولة كردية. لكن سعي تركيا للسيطرة على الشمال السوري وإقامة نموذج «جرابلس» في عدة مدن على طول الحدود السورية والتفاهم مع الروس على مناطق خفض توتر بالإضافة إلى حصار إدلب واقتحامها؛ كل ذلك في سياق إفشال المشروع الأمريكي في سوريا.