مع بزوغ فجر يوم جديد، توجه للنافذة، فتحها وتنسم بعض هواء الفجر البارد.. قبل أعوام ستة كانت هذه بداية طقوس يومه، يتنشق الهواء المتسلل من النافذة المفتوحة، يرمي للعصافير فتات الخبز، وبعد أن يراقبها وهي تنهي فطورها، يرتدي ملابسه ويخرج لعمله، حاملاً حقيبته وطموحه الذي تعجز أي حقيبة عن استيعابه، يقضي يومه غارقاً وسط الملفات، وحين ينتهي يعود للبيت محملاً بخطط وآمال جديدة ليوم جديد.

طالما شعر أنه مختلف عمن حوله، لم يكن اختلافه سوى تلك الهمة المتقدة في أعماقه، والتي إن لم يحرقها بالعمل والتفكير المتواصل أحرقته من الداخل وأحرقت هدوءه.

حتى أتت اللحظة التي انتظرها طويلاً، فرصة عمل طالما حلم بها، مجرد مقابلة سيكون بعدها ما بعدها، سيتحدد مسار حياته التي أرادها، سيجلس على كرسي مصنوع من الجلد الفاخر، ويحصل على منصب يساعده في الحصول على كل ما حلم ويحلم به.

أتى صباح ذلك اليوم الذي لم ينم ليله تقريباً، بل ظل عقله يصور له مستقبله الذي سيكون، حلّق في نشوة أحلامه حتى كاد يلامس السماء بيديه، ولولا المقابلة التي يخاف أن تفوته لظل هناك وقتاً أطول.

من شدة تعجله نسي القيام بطقوسه الصباحية، افتقدته العصافير، نقرت زجاج نافذته بحثاً عن فتات الخبز وحين لم تجد شيئاً طارت بعيداً تبحث عما يسكت جوعها.

أما هو فخرج متجهاً لمقر الشركة حيث سيجري الاختبار الذي لا يساوره أي شك باجتيازه بسلاسة، فقد استعد له أكثر مما ينبغي.

وصل أخيراً، انخرط بين المتقدمين، لاحظ التوتر في عيونهم فزاده هدوءاً، لم يمر وقت طويل حتى كان يجلس على الكرسي، يُسأل فيجيب، انتهى اللقاء وخرج سعيداً بما قدمه وبنظرة الإعجاب والرضا التي لاحظها في عيون مختبريه.

عاد للبيت وهو يعد الساعات لإعلان النتيجة، وفي غمرة شروده عبر الشارع دون تركيز، وقبل أن يستوعب ما حدث كان جسده يطير ويصطدم بقسوة على الأرض.

شعر بالناس يلتفون حوله وآخرون يؤنبون صاحب السيارة الذي حاول أن يدافع عن نفسه، واستغرب من الخدر الذي أصاب جسده وعجزه عن الشعور بأطرافه، شعر بتأنيب الضمير حين تذكر العصافير التي نسي أن يقدم لها فتات الخبز هذا الصباح، أغمض عينيه واستسلم للخدر الذي تعمق سريانه في جسده وسحبه إلى نقطة لا نور فيها.

حين فتح عينيه مجدداً كان ينام على سرير ما، حوله وجوه يألفها جداً، لم يطل به الوقت حتى عرف أنه لن يقوى على السير مرة أخرى، ودون مقدمات أصبح حبيس كرسي متحرك، تحركه عجلات تصدر صريراً مزعجاً، لا أكثر منها إزعاجاً إلا نظرات الشفقة التي تطارده أينما ارتحل حتى تمنى ألا يقابل أحداً ممن يعرفهم، حبس نفسه في غرفته وانعزل عن العالم حوله.

وحين أتاه خبر قبوله للوظيفة والتي سُحبت منه لاحقاً بسبب عجزه، ضحك بشكل هستيري قبل أن ينخرط في بكاء صامت، اعتصر من قبله بقية الأمل الذي كان يتشبث به وقذف به بعيداً لينزوي عمن حوله.

حاول الجميع طرق بابه وإعادته للحياة لكنه أبعدهم عنه، وتشبث بيأسه، ما عاد يتحمل أي شفقة، ولا يريد أي مواساة، تمنى فقط أن يتركوه وشأنه، يتجرع مرارة العجز الذي خطف منه أحلامه، مكتفياً بالعصافير التي تنقر زجاج نافذته كل صباح، تُعلمه أن ثمة يوماً جديداً عليه أن يعيشه.

طرق واحد فقط هو الذي عجز عن تجاهله، خطيبته التي حاول إعفاءها من طوق عجزه الذي سيلتف حول عنقها، أبت الرحيل، فزاد عنادها من عناده، وإصرارها من استسلامه، أوصد بابه جيداً دونها وأمرها مراراً أن تتركه وشأنه.

أخرجته نقرات خفيفة على الزجاج من شروده في تفاصيل ماضٍ يحاول الخروج منه ولو بكرسي متحرك، فتح النافذة ورمى بفتات الخبز لعصافيره التي التهمت فطورها بنهم واكتفى هو بمراقبتها.

تنبه لباب الغرفة الذي فُتح، دخلت عليه زوجته تحمل صينية بيدها، فمنذ أن رفضت مغادرة باب غرفته وأصرت على إتمام الزفاف وشكلت بحبها له وتمسكها به جداراً منيعاً بينه وبين الاستسلام وهي تعيد تشكيل صباحه بابتسامتها وقهوتها التي يرتشفها بتمهل قبل أن يتوجه لعمله الذي حصل عليه برغم إعاقته الجسدية.