العنوان: 23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية.

المؤلف: ها-جوون تشانج.

الناشر: دار بلومزبري - مؤسسة قطر للنشر.

تاريخ النشر: 2013م.

في العام 2007م أصدر الدكتور ها - جوون تشانج الأستاذ المحاضر في اقتصاد التنمية السياسي بجامعة كامبردج كتاباً بعنوان «السامريون الأشرار - الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي»[1]، وقدّم فيه مرافعة رصينة ضد الرؤية الليبرالية الرأسمالية المتطرفة عن السوق والتجارة الحرة، تضمنت إعادة قراءة التاريخ الحقيقي للرأسمالية والعولمة، وتفنيد الآراء الشائعة حول التنمية الاقتصادية لاسيما في العالم النامي (الثالث). وبعد ذلك سعى المؤلف لكتابة مؤلف يناقش الأفكار الشائعة في السياق ذاته، ولكنه موجه لجمهور أوسع، ولغير المتخصصين، وهو هذا الكتاب الذي أعرض لبعض مضامينه هنا.

يعرض الكتاب 23 فكرة رئيسة في نقد الرأسمالية وتهذيب دعاوى السوق الحرة والاقتصاد المفتوح، وذلك بطبيعة الحال بالاستناد للخلفيات الفلسفية المؤسسة لعلم الاقتصاد الغربي، فهو يعتقد أن الرأسمالية - برغم كل مشاكلها - لا تزال أفضل نظام اقتصادي اخترعته البشرية. ولا يمكننا هنا - بسبب ظروف المساحة - عرض الثلاث والعشرين فكرة، وإنما أشير لأبرزها. وطريقة المؤلف أن يذكر عنوان الفكرة ثم يشرح تحت عبارة «ما يقولونه لك» الفكرة التي يروج لها الكثير من الاقتصاديين وخبراء المؤسسات الدولية والأكاديميين، ثم يتبع ذلك بالتفنيد المختصر تحت عبارة «ما لا يقولونه لك»، ثم يستطرد في الاحتجاج لوجهة نظره.

 

من الحقائق المخفية ما عبّر عنه تحت عنوان «ليس هناك شيء اسمه حرية السوق»، فحرية السوق وهم، فلكل سوق قواعد وحدود، وإن كانت بعض الأسواق تبدو حرة، فذلك فقط لأننا نقبل - كما يقول - تمام القبول الضوابط التي تؤمنها بحيث تصبح هذه الضوابط غير مرئية. بل إن تاريخ الرأسمالية كان صراعاً متواصلاً على حدود السوق. ولدينا حالياً المزيد من الضوابط والقوانين المنظمة للسوق بالمقارنة مع الوقت الماضي القريب فضلاً عن البعيد، فتوجد قواعد وقيود للموافقة على المنتج نفسه كالشهادات الصادرة لمنتجي الأطعمة الحيوية، وعلى آليات الإنتاج كالقيود على التلوث وانبعاثات الكربون، وعلى كيفيات البيع كالقواعد المفروضة على تغليف المنتجات بلاصقات تعريفية، وغير ذلك. وهكذا فالتخلص من وهم موضوعية السوق وحريته هو الخطوة الأولى نحو فهم الرأسمالية.

ومن الحقائق أيضاً أن «أغلبية الناس في البلدان الغنية يتقاضون أموالاً أكثر مما ينبغي»، فخلافاً للاعتقاد بأن اقتصاد السوق يكافئ الناس وفقاً لإنتاجيتهم، فليس فرق الأجر بين العامل السويدي الذي يتقاضى خمسين ضعف ما يتقاضاه نظيره الهندي بسبب الإنتاجية، بل بسبب تنظيم الهجرة. وحتى حين يكون الفرق بسبب ذلك، فلا يتفوق بعض الأشخاص في البلدان الغنية لأنهم أكفأ أو أفضل تعليماً وحسب، بل لأنهم يعيشون في اقتصادات بها تقنيات أفضل، وشركات متقدمة تنظيمياً، ومؤسسات وبنية تحتية أفضل، «أي كل الأشياء التي هي في جانب كبير منها نتاج الأفعال الجماعية عبر الأجيال»، كما يعبر المؤلف.

«لقد غيرت الغسّالة العالم أكثر مما فعل الإنترنت» تحت هذا العنوان اللافت ينتقد المؤلف المبالغة في تقدير آثار الإنترنت، ويرى أن ذلك بسبب كونه يؤثر فينا الآن، والبشر يميلون إلى الانبهار بأحدث التقنيات وأبرزها. ويرمز بـ«الغسالة» في العنوان إلى طائفة واسعة من التقنيات المنزلية. فالأجهزة المنزلية أحدثت تحولاً كبيراً في طريقة عيش النساء، ومن ثمّ الرجال، فقد وفرت الغسالات والمكواة الكهربائية ومياه المواسير ومواقد الغاز وغسالة الأطباق وقتاً هائلاً كان ينفق في الماضي على الغسيل اليدوي وجمع الحطب وجلب الماء من الآبار وغيرها. وهذا أفضى إلى تزايد التحاق النساء بسوق العمل، والاستثمار في تعليم الإناث، ومع وجود فرص العمل خارج البيت ارتفعت تكلفة رعاية الأطفال حال غياب الأم مما جعل الأسر تكتفي بعدد أقل منهم، وقد غيرت كل هذه الأمور الديناميات الأسرية التقليدية، وتغير معها وجه الحياة المعاصرة. وهذا لا يعني أن هذه التغيرات مرتبطة حصراً بتطور الأجهزة المنزلية، وإنما تأتي التقنيات المنزلية كعامل مهم وأساسي، إلى جوار دور وسائل منع الحمل التي أثرت تأثيراً قوياً في تعليم الإناث والمشاركة في سوق العمل، وغيرها من العوامل المساعدة. فلا بد لنا أن نعيد ترتيب التغيرات بحجمها الصحيح، وإلا فقد تؤدي بعض المبالغات في اتخاذ قرارات خاطئة بخصوص السياسات الاقتصادية القومية وفي سياسات الشركات وغيرها.

وفي حقيقة تالية يقول المؤلف: «رأس المال له جنسية»، فدعاوى إضفاء «الطابع العابر للجنسيات» على رأس المال تفتقر للدقة، فمعظم الشركات متعددة الجنسيات هي في الحقيقة شركات قومية ذات عمليات دولية، وهي تجري الكتلة الأساسية من أنشطتها في الأبحاث والتخطيط الإستراتيجي في وطنها الأم، ومعظم صناع القرار الكبار فيها يحملون جنسية بلد المنشأ، ولذلك سيكون من السذاجة الشديدة أن نصمم سياسات اقتصادية قائمة على الأسطورة القائلة إن رأس المال لم تعد له جذور وطنية.

كما إننا «لا نعيش في عصر ما بعد صناعي»، وشعارات أفول التصنيع، وتراجع الصناعات التحويلية، وانكباب الناس على العمل في المجالات الخدمية مغلوطة ومبالغ فيها. ربما بالفعل يعيش الناس - في الغرب أساساً - في مجتمع ما بعد صناعي، بمعنى أن الأغلبية تعمل في المحلات والمكاتب أكثر من عملهم في المصانع، إلا إن الحقيقة أن التصنيع لا يزال يلعب الدور القيادي في اقتصادات البلدان الغنية، ولذلك فمن الخيالات الخطرة الاعتقاد بأن البلدان النامية يمكنها حرق مرحلة التحول الصناعي والانتقال مباشرة إلى اقتصاد الخدمات.

وفي سبيل بيان أسباب فقر بلدان بعينها يقدم المؤلف هذه الحقيقة: «التخلف ليس قدراً مكتوباً على إفريقيا»، فما يبدو أنه معيقات صلبة أمام التنمية الاقتصادية في إفريقيا كالمناخ الرديء والاحتباس الجغرافي والموارد الطبيعية الوفيرة والانقسامات العرقية والمؤسسات الرديئة والثقافة السيئة[2]، هي في العادة أمور يمكن تخطيها، بل تم تخطيها في معظم البلدان الغنية اليوم، والتي عانت ولا تزال تعاني بدرجة ما من الظروف نفسها، بل قد شهدت البلدان الإفريقية مع وجود هذه العوائق نمواً اقتصادياً في عقدي الستينات والسبعينات. والسبب الرئيس لفشل إفريقيا الحالي يكمن في سياسة حرية التجارة وحرية السوق التي فُرضت - كما يرى المؤلف - على القارة السوداء من خلال برامج التكييف الهيكلي.

وفي حقيقة مهمة يؤكد المؤلف أن «المزيد من التعليم في حد ذاته لن يجعل البلد أغنى»، وينقل عن دراسة معروفة نشرها عالم الاقتصاد في جامعة هارفارد لانت برتشت حلل فيها البيانات الواردة من عشرات البلدان الغنية والنامية خلال الفترة 1960-1987م، وتوصل إلى ندرة الأدلة التي تؤيد الرؤية القائلة بأن التعليم المتزايد يؤدي إلى ارتفاع معدل النمو الاقتصادي. ويقدم أصحاب هذه الرؤية المعظمة للتعليم حجة تتعلق بـ«اقتصاد المعرفة» والذي يعني أن الأفكار هي مصدر الثروة الرئيس، ومن ثمّ فالتعليم يزداد أهمية بالنسبة لمستقبل اقتصادات الدول المعاصرة، وهذا ما يرفضه المؤلف، موضحاً أن أهمية التعليم من عدمها لم تتغير في الحقبة الأخيرة، وأن مقدار المعرفة المرتبطة بالإنتاجية الذي يحتاج العامل المتوسط امتلاكه قد تراجع بالنسبة إلى وظائف كثيرة، على الأخص في البلدان الغنية، فالبلدان الأكثر تطوراً من الناحية التقنية قد تحتاج في الواقع إلى عدد أقل من المتعلمين، علاوة على ذلك ففي مجالات عمل كثيرة ما يهم هو الذكاء العام والانضباط والقدرة على تنظيم الذات، أكثر من المعرفة المتخصصة التي تستطيع الإلمام بها أثناء الوظيفة، لاسيما أن كثيراً مما يتعلمه الطالب في المدرسة والجامعة ليس في الغالب ذا أهمية مباشرة للوظيفة العملية. «إن حماسنا الزائد للتعليم يجب ترويضه، وعلى الأخص في البلدان النامية، فهناك حاجة للاهتمام أكثر بمراحل بقضية تأسيس المشاريع المنتجة والمؤسسات التي تدعمها وتحديثها».

وفي الحقيقة الأخيرة يؤكد المؤلف أن «السياسة الاقتصادية الجيدة لا تتطلب اقتصاديين جيدين»، فبرغم الصعود «الإعجازي» لمعدلات النمو الاقتصادي في البلدان الشرق آسيوية بين عقد الخمسينات ومنتصف عقد التسعينات، كاليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وهونج كونج، والصين، إلا إن علماء الاقتصاد لم يكن لهم حضور في حكومات هذه البلدان، ففي اليابان كان البيروقراطيون في المجال الاقتصادي محامين في الأغلب، وفي تايوان كان معظم المسؤولين الاقتصاديين الأساسيين مهندسين وعلماء لا اقتصاديين، كما هو الحال في الصين اليوم. أما في بلدان أمريكا اللاتينية فقد قام على سياساتها الاقتصادية اقتصاديون متخصصون، ومع ذلك فقد كان أداؤها الاقتصادي أدنى بكثير من أداء البلدان الشرق آسيوية، وكذلك الحال في الهند وباكستان. لكن هل هذا يعني أن علم الاقتصاد لا يبدو شديد الصلة بالإدارة الاقتصادية في العالم الحقيقي فقط؟ يجيب المؤلف: «إن الأمر - في الواقع - أسوء من ذلك. فهناك أسباب تدعو للاعتقاد بأن علم الاقتصاد قد يكون ضاراً ضرراً بيناً بالاقتصاد»، ثم أشار إلى أنه وعبر العقود الثلاثة الماضية لعب الاقتصاديون دوراً مهماً في خلق الظروف المهيئة للأزمة المالية في 2008م، بل وعشرات الأزمات المالية الصغيرة التي سبقتها مثل أزمة ديون العالم الثالث 1982م، وأزمة البيزو المكسيكية في 1995م، والأزمة الآسيوية في 1997م، والأزمة الروسية 1998م، بتقديم تبريرات نظرية لتخفيف الضوابط المالية والسعي غير المقيد للأرباح قصيرة المدى. وعلى نطاق أوسع فقد طرحوا نظريات بررت السياسات التي أدت إلى نمو أبطأ، وتفاوت أعلى، وانعدام أمن وظيفي أشد، وأزمات مالية أكثر. ومع ذلك فهناك رؤى اقتصادية يحملها بعض علماء الاقتصاد على خلاف المدرسة المهيمنة في الاقتصاد يمكنهم أن يشاركوا بفعالية في تخفيف المخاطر المستشرية، وتصميم سياسات فاعلة وآمنة، وعلينا أن نصغي إليهم كما يقترح المؤلف، «فلا يتعين على الاقتصاد أن يكون عديم الجدوى أو مضراً. علينا أن نتعلم الأنواع الصحيحة من الاقتصاد».

ثم ختم المؤلف بثمانية مبادئ عريضة يعتقد أنه من الضروري مراعاتها في حال إعادة تصميم النظام الاقتصادي.

 


[1] صدر الكتاب بالعربية بترجمة أحمد شافعي، عن دار الكتب خانة، عام 2015م.

[2] يقول المؤلف: «معظم البلدان اليوم الغنية قيل عنها في وقت من الأوقات إن لديها ثقافات لا تقل سوءاً [عن الثقافات السيئة في إفريقيا]. حتى بواكير القرن العشرين كان الأستراليون والأمريكان يذهبون إلى اليابان ويقولون: اليابانيون كسالى. وحتى منتصف القرن التاسع عشر كان البريطانيون يذهبون إلى ألمانيا ويقولون إن الألمان أغبياء وفرديون وعاطفيون... وقد طرأ تحوّل على الثقافتين اليابانية والألمانية مع التطور الاقتصادي، فمتطلبات المجتمع الصناعي عالي التنظيم جعلت الناس يتصرفون بطرق أكثر انضباطاً وحسابية وتعاونية، وبذلك المعنى فالثقافة نتاج أكثر منها سبباً للتطور الاقتصادي» الكتاب نفسه، ص130. وانظر بتفصيل أكثر: السامريون الأشرار، الفصل التاسع «الياباني الكسول والألماني اللص - هل بعض الثقافات عاجزة عن التنمية الاقتصادية؟»، ص383-418.