يعتبر الفتح الإسلامي للمغرب من الأحداث الكبرى والخالدة في تاريخ الإسلام في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري، لما ترتب عليه من نتائج حاسمة غيرت مجرى تاريخ هذه البلاد وحددت معالم هويتها إلى الأبد، ومنها انتشار الإسلام والتعريب، وبالتالي حدوث عملية الاختلاط الكبرى بين العرب والبربر في بوتقة الإسلام وتحول المغرب إلى جزءٍ عزيز من عالم الإسلام والعروبة. 

أولاً: بدايات استقرار العرب بالمغرب:

جاءت عملية استقرار العرب في ربوع المغرب الكبير نتيجة حتمية للفتوحات الإسلامية في هذه الناحية من جهة، وكجزءٍ من رسالتهم السامية وهي تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس أجمعين ومنهم البربر سكان هذه البلاد من جهةٍ أخرى، وليس لرغبتهم في الاستيطان فيها واستغلال خيراتها والتحكم في رقاب أهلها. ولولا عملية استقرار العرب المسلمين في هذه البلاد وما قدموه من تضحيات جبارة أثناء عملية الفتح والتي كانت هي الأطول والأصعب على الإطلاق في تاريخ الفتوحات الإسلامية كلها[1] لما تحررت من هيمنة البيزنطيين، ولما انتشر الإسلام في ربوعها، ولما شملها التعريب، وبالتالي لما اجتمع شمل أهلها واتحدت كلمتهم. وترجع البدايات الأولى لاستقرار العرب المسلمين في ربوع بلاد المغرب إلى بداية الفتوحات الإسلامية في هذه الناحية، وذلك بعد فتح مصر مباشرة بقيادة عمرو بن العاص، إذ قام هذا القائد بغزو إقليمي برقة وطرابلس سنة 23هـ لتأمين حدود مصر الغربية من خطر الروم البيزنطيين الذين كانوا يحكمون المغرب الأدنى، إذ كان يخشى أن يحاولوا استعادة مصر من هذا الطريق الغربي[2]. وقد تركز استقرار العرب في البداية في برقة والتي كانت جزءاً من مصر بحسب التقسيم الإداري البيزنطي[3] نظراً لقربها من الإسكندرية. وكذلك كان استقرارهم في طرابلس على ساحل البحر المتوسط وكانت طرابلس هي الأخرى تابعة إدارياً لمصر طبقاً لبعض الروايات. وظل الأمر على هذا النحو طوال العهد الراشدي فلما كانت الخلافة الأموية بقيت برقة تابعة إدارياً لمصر بينما أصبحت طرابلس من عمل إفريقية بعد أن أصبحت هذه الأخيرة ولاية مستقلة في عهد الوليد بن عبد الملك[4]. وكان استقرار العرب في هذه المدن على شكل حاميات عسكرية لمنع البيزنطيين الدخلاء من العودة إليها من جهة، ومن جهة أخرى لحماية الدعاة إلى الله الذين انتشروا بين أهلها لتعريفهم بمبادئ الإسلام وتعليمهم القرآن الكريم والحديث الشريف واللغة العربية. وقد أخذت أعداد العرب المستقرين في هذه المدن تزداد شيئاً فشيئاً مع توالي الحملات التي كانت تخرج من مصر لفتح إفريقية بمن كان يفد عليها من المجاهدين أحياناً من المدينة أولاً كحملة عبد الله بن أبي سرح سنة 27هـ، ثم من الشام ثانياً كحملة معاوية بن حديج الكندي سنة 45هـ. ولكن لم يبدأ العرب في الاستقرار المنظم في إفريقية التي تمثل اليوم تونس الحالية والتي تعتبر جزءاً من المغرب الكبير إلا عندما أنشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان ومسجدها الجامع فيما بين سنتي 50 و55هـ[5]، أي خلال ولايته الأولى على إفريقية في خلافة معاوية: فبدأت منذ ذلك الحين أنظار العرب تتجه إلى إفريقية إذ أصبح لهم فيها عاصمة أو مركز يتبعه الإقليم المحيط به[6]، وتلك العاصمة بطبيعة الحال هي القيروان إحدى العواصم الإسلامية المشهورة في القرن الأول الهجري بعد المدينة ومكة والبصرة والكوفة ودمشق والفسطاط.

ثانياً: تأسيس القيروان:

يذكر ابن الأثير في «أسد الغابة» وفي «الكامل» أن عقبة بن نافع أدخل كثيراً من البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين في عهده وقوي جَنَان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام بها[7]. ورُوي أيضاً أن عقبة بن نافع كان معه في عسكره 25 من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جمع وجوه أصحابه وكبار العسكر فدار بهم حول القيروان وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه: اللهم املأها علماً وفقهاً واعمرها بالمطيعين والعابدين واجعلها عزاً لدينك وذلاً على من كفر وأعز بها الإسلام وامنعها من جبابرة الأرض»[8]. وكان عقبة خلال إقامته الطويلة في تلك الأصقاع قد أدرك بنظره الثاقب أن أعمال الفتوح في شمال إفريقيا لابد أن تكون طويلة وشاقة ولا يجوز أن تظل معتمدة على قواعد بعيدة وصعبة الاتصال بالشام أو بمصر. لذا صمم على بناء مدينة جديدة في بلاد تونس تكون قاعدة لقوات المسلمين ومخزناً للمؤن والأغذية ومقراً لعمالهم وقادتهم ومركزاً للعلم والعلماء. وربما فوق ذلك تعمد بهذا أن يشير لأعدائه الروم إلى أن وجود المسلمين في هذه البلاد هو أمر دائم وثابت ولن يكون آنياً أو عابراً. ولمناعة المدينة التي صار اسمها «القيروان» اختار لها موقعاً يبعد عن السواحل حيث تتواجد القوى البيزنطية بما فيه الكفاية ويقتربون من تخوم الصحراء في الداخل بما يجعل المسلمين يرتاحون للإقامة فيها لوجودهم في بيئة جغرافية تقرب مما ألفوه في مواطنهم وبما يتيح لهم في الوقت نفسه القرب من البربر لمراقبتهم ورصد تحركاتهم[9].

ويبدأ عصر الولاة في إفريقية من إنشاء القيروان وبها قامت الولاية سنة 50هـ، أما بالنسبة للمغرب الأوسط فيبدأ من حوالي سنة 85هـ، وأما بالنسبة للمغرب الأقصى فيبدأ عصر الولاة حوالي سنة 90هـ وهي السنة التي أنشأ فيها موسى بن نصير ولايتي المغرب الأقصى والسوس أو سجلماسة[10].

والواقع أن القيروان سرعان ما اتخذت لنفسها مكانة بارزة بين مدائن دولة الإسلام فباتت في إفريقية مقراً للولاة والعمال، منها تخرج جيوش الفتوح وإليها تعود غنائمها، ومن مساجدها ومدارسها يخرج الرسل والعلماء والفقهاء ليدعموا وجود الإسلام في تلك الأصقاع بنشر مبادئ هذا الدين بين البربر وبتعريف هؤلاء القرآن وتعليمهم لغته. وبسرعة مدهشة عمرت بالدور والمنشآت العامة وأقبل كثيرون ممن أسلموا من البربر على الإقامة فيها يختلطون بالعرب ويتعايشون ويتآلفون معهم. وبذا يكون عقبة بن نافع قد نجح في أن يقيم في السهل التونسي قاعدة قوية للإسلام ينتشر منها في جموع البربر الضاربين حولها[11]. وبرغم سيطرة كسيلة عليها بعد استشهاد عقبة سنة 64هـ إلا إن سيطرته تلك: لم تكن قاضية على كل أثر للمسلمين في البلاد[12]. ثم إن المسلمين لم يلبثوا أن عادوا إليها بعد أربع سنوات فقط أي في ولاية زهير بن قيس البلوي وبعد مقتل كسيلة في معركة ممس سنة 69هـ.

ثالثاً: التقسيم الإداري لولاية المغرب:

تجدر الإشارة إلى أن إفريقية كانت في البداية تابعة إدارياً لوالي مصر حتى كانت خلافة الوليد بن عبد الملك الذي جعلها ولاية مستقلة سنة 86هـ، ومنح الولاة فيها من السلطات ما منح للولاة في العراق ومصر[13]. وقبل ذلك ومع تولي حسان بن النعمان الغساني (74- 85هـ) أمور إفريقية كان قد تم وضع أساس النظام الإداري لهذه الولاية الجديدة، وكانت حدودها الجغرافية والسياسية مطابقة لولاية إفريقية البيزنطية والتي كانت تشمل ولاية طرابلس مضافاً إليها إفريقية نفسها وتقابل على وجه التقريب جمهورية تونس الحالية ثم جزءاً مما عرف فيما بعد بإقليم الزاب عند الجغرافيين المسلمين[14]، وهو الإقليم الذي كان يشمل بلاداً واسعة، من مدنها بسكرة وقسنطينة وقفصة. فكان حسان هو الذي دون الدواوين (ديوان الجند وديوان الخراح وديوان الرسائل)، وجعل العربية لغة رسمية في البلاد وصالح على الخراج وقسّم البلاد خططاً: لكل قبيلة خطة، ثم أقام العمال على نواحي الإدارة من خراج وزكاة وجند[15].

ويتطرق المالكي إلى سياسة حسان مع البربر فيذكر أن «البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم حتى أعطوه 12 ألف فارس يكونون مع العرب مجاهدين فأجابوه وأسلموا على يديه»، ولم يكتف بذلك بل «وأخرجهم مع العرب يفتحون إفريقية». «فمن ذلك صارت الخطط للبربر بإفريقية فكان يقسم الفيء بينهم والأرض. فدانت له إفريقية ودوّن الدواوين»[16]. وفي التقسيم الإداري تم اعتبار مجال كل قبيلة كبيرة قسماً إدارياً[17] وله مركز ينزله عامل من عرب إفريقية ويتولى إدارة منطقته بالتعاون مع زعماء القبيلة، وأرسل الخليفة قاضياً للقيروان أسوة بغيرها من العواصم الإسلامية الكبرى.. وبهذا تم فتح المغرب وتنظيمه[18].

وفي هذه الفترة حدثت عملية الاختلاط الكبرى بين العرب والبربر في بوتقة الإسلام. وكل ذلك بمعاونة عرب إفريقية أو العرب البلديين الذين كانوا قد اكتسبوا خبرة بطبيعة البلاد وخبروا أهلها وعقدوا الصلات معهم وتزوجوا من بناتهم وصار بعضهم موالي لهم، وذلك بحكم وجودهم المبكر في ولاية إفريقية. وكذلك أنشأ حسان مدينة تونس بين عامي (82 - 86هـ) لتكون قاعدة بحرية إسلامية في المغرب بدلاً من مدينة قرطاجة المهدمة القريبة منها كما أسكن فيها جالية من المسلمين لمقاومة الخطر البيزنطي، ومن هذا الميناء الكبير بدأ المسلمون غاراتهم الأولى على صقلية وجزيرة سردينية[19] في البحر المتوسط. وما لبثت المدن أن ازدهرت بمجملها مع استقرار الحال وساعد على ذلك تعاظم هجرات القبائل العربية التي تمركزت في البداية حول المدن ثم اندفعت لاحقاً في كل مكان ناشرة أينما ذهبت اللغة العربية والإسلام. وعندما تولى أمور إفريقية موسى بن نصير أكمل هو وأولاده فتح المغرب الأوسط والمغرب الأقصى وأنشأ موسى ثلاث ولايات جديدة، الأولى ولاية المغرب الأقصى وتشمل النصف الشمالي للملكة المغربية الحالية، والثانية ولاية سجلماسة وكانت تطلق على النصف الجنوبي من المملكة المغربية الحالية، أما الولاية الثالثة فهي تلك المساحة التي امتدت من الحدود الغربية لولاية إفريقية إلى حدود ولاية المغرب الأقصى وهي تشمل جزءاً كبيراً من أراضي جمهورية تونس الحالية[20].

رابعاً: انتشار الإسلام والتعريب:

وفي جميع هذه الولايات استقرت جاليات عربية ولعبت دوراً كبيراً في نشر الإسلام واللغة العربية فيها. ففي عاصمة كل ولاية منها أقيمت قاعدة عربية إسلامية على رأسها والٍ واستقرت جماعات من العرب فيها لتعلم أهل الناحية قواعد الإسلام، وفي الوقت نفسه أخذت العربية في الانتشار بين البربر[21]. وعلى هذا هدفت سياسة هؤلاء الولاة إلى تقوية الصلات مع البربر عن طريق نشر الإسلام بينهم على نطاق واسع وتعريبهم بإعطائهم لغة القرآن وعادات العرب وتقاليدهم وثقافتهم. فالولاة الأوائل كانوا أساساً بدرجة تقل أو تكثر دعاة للإسلام ومبشرين به وعاملين على رفع لواء لغة الضاد ومحاولين إحلالها مكان اللغات واللهجات المحلية. والواقع أن نجاح هؤلاء في هذه المجالات بين البربر كان عظيماً، إذ انتشر الإسلام سريعاً بينهم وظهرت طبقة من المسلمين الجدد لا تقل حماسة للإسلام والرغبة في العمل على إعلاء شأنه ونشر كلمته عن العرب. ويبدو أن انتشار اللغة العربية كان يسير بمحاذاة توسع الإسلام؛ ذلك أن معتنقي الدين الجديد من البربر كانوا بحاجة ماسة للعربية كونها لغة كتابهم القرآن ولسان سادتهم الجدد وحكامهم[22] (هكذا)[23]. ولم يكتمل القرن الأول الهجري حتى كان المغاربة قد صاروا جميعاً مسلمين صادقين في إسلامهم ومتحمسين لرفع راية النضال في سبيل عز عقيدتهم الجديدة.. بل وتعربوا وصاروا يتحدثون العربية ويكتبونها ويخطبون بها بفصاحة، واكتسبوا ما تفيده تلك اللغة من تفكير وتعبير فصارت لهم العقلية العربية نفسها وصار يوجد فيهم الفقهاء والشعراء والخطباء.. كذلك صارت حياتهم ومعاملاتهم قائمة على أساس الشريعة الإسلامية[24]. وبذلك أصبح المغرب جزءاً لا يتجزأ من عالم الإسلام والعروبة كما أن بعض هؤلاء العرب أنشأوا العديد من الحصون والمعاقل على شواطئ البحر المتوسط ورابطوا فيها للتصدي لأي هجوم على هذه السواحل من قبل البيزنطيين الذين كانوا يحنون للعودة إليها. ثم كان هؤلاء العرب الفاتحون لإفريقية والذين انتسبوا إليها فصار يطلق عليهم عرب إفريقية وهم الصخرة التي تكسرت عليها أمواج العاصفة العاتية الهوجاء التي أثارها الخوارج في المغرب سنة 123هـ أو بعبارة أدق كانوا من أهم العوامل التي ساعدت جيوش الخلافة في انتزاع الانتصار الحاسم على جيوش أولئك الخوارج في معركة الأصنام تحت قيادة حنظلة بن صفوان الكلبي، لكونهم قاموا بنصيب كبير من القتال في سبيل استخلاص إفريقية من الثائرين على الخلافة، ولولاهم لما استطاع جند الخلافة الوصول إلى هذا النصر الحاسم[25] الذي وضع حداً للخطر الداهم الذي كان يشكله الخوارج على الوجود الإسلامي في المغرب. ولولا الإسلام لما بقيت للعروبة بقية في هذه الربوع التي ظلت على مر العصور هدفاً للحملات الصليبية المتعاقبة وحسبك 130 عاماً استيطاناً مسعوراً وتغريباً مسموماً وفرنسة حاقدة[26]. ودخول العروبة إلى هذه الربوع في ظل الإسلام هو الذي ضمن لها المقومات الأساسية من لغة وحضارة وفكر وثقافة ودعم هذه المقومات بالروح والعقيدة.. ومن هذا المنطلق حفظ الإسلام للعروبة في شمال إفريقيا مواقف وبطولات على مر العصور وأنجب لها أبطالاً وقواداً وبناة حضارة[27].

خامساً: البيوتات العربية التي برزت في المغرب:

كان عرب إفريقية والمغرب الذين صارت لهم اليد الطولى في هذه البلاد بعد انحلال سيادة الروم الهشة عليها يتشكلون من بيوت كثيرة وينتمون إلى قبائل عربية عديدة وخاصة القبائل اليمنية والحجازية. وقد مضى نصف قرن قبل أن يظفر العرب بالسيادة على الساحل الشمالي الذي يمتد من مصر إلى المحيط الأطلسي ولم تكد قرطاجة تسقط سنة 698م حتى زال الحكم الروماني من إفريقية زوالاً لا رجعة له كما أن إخضاع البربر قد مكّن العرب من أن يصبحوا سادة هذه البلاد[28]. ولكن أبرز البيوتات وكذلك الشخصيات التي ظهرت فيما بعد في إفريقية وحظيت بالنفوذ والرياسة والتأييد فيها سياسياً واجتماعياً وثقافياً كانت غالباً من أبناء وأحفاد القادة الفاتحين لإفريقية. ذلك أن نفراً من كبار الفاتحين خلّفوا وراءهم في المغرب بيوتاً عديدة الأفراد كثيرة الأتباع كان لها دور كبير في تاريخ المغرب فيما بعد[29]. ويشير حسين مؤنس إلى أن عدداً عظيماً من فاتحي إفريقية أنشأوا فيها أسراً من أهلهم وذريتهم فأصبحت هذه الأسر مع الزمن ذات جاه وسلطان بفضل من التف حولها من العرب والموالي والأتباع وأصبحت لها رياسة على جماعات العرب والبربر في النواحي التي استقرت فيها. ومن بيوت هذه الأسر بيت عقبة بن نافع وكان أقواها وأعظمها، وبيت معاوية بن حديج الكندي، وبيت بني نصير، وبيت أبي المهاجر دينار[30]. وهذه البيوتات سيتجه كل منها اتجاهاً خاصاً به، فبيت عقبة بن نافع سيتجهون إلى السياسة، أما بيت أبي المهاجر دينار فسيتجهون إلى العلم، أما أبناء موسى بن نصير فكان اهتمامهم بشئون المال والتجارة[31]. وكان لهذه البيوت الثلاثة النصيب الأوفى من السلطان في إفريقية خلال العصر الأموي بل صارت الأمور أخيراً إلى بيت عقبة بن نافع ممثلاً في شخص عبد الرحمن بن حبيب [بن أبي عبيدة] بن عقبة[32]. هذا الأخير الذي كان محبباً في المغرب لما كان من آثار جده عقبة فغلَبَ عليه بعد وفاة الخليفة هشام وتضعضع مكانة الدولة الأموية في المشرق بعد أن تكالب الخارجون عليها. وكان هؤلاء العرب الأفارقة (البلديون) أي عند اندلاع فتنة الخوارج في المغرب سنة 123هـ مقيمين جماعات كل جماعة في ناحية عليهم رئيس منهم يقوم بشئون الإقليم لحساب عامل إفريقية في القيروان. وقد سجل المؤرخون لنا منهم جماعات قوية في طرابلس وسبرت (صبرة) وقابس والقيروان. ومن شخصيات هؤلاء العرب الإفريقيين في ذلك الحين حبيب بن ميمون (سبرت) وعبد الرحمن بن عقبة الغفاري ومسلمة بن سودة القرشي (القيروان)، وصفوان بن أبي مالك (طرابلس)، وسعيد بن بجرة الغساني (قابس)، وحبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع ويبدو أنه كان على رأس هؤلاء العرب الأفارقة جميعاً[33]. وكان هؤلاء من أبرز القادة الذين اعتمدت عليهم الخلافة الأموية في القضاء على فتنة البربر. وكانت جماعة من هؤلاء العرب الإفريقيين تقيم في تلمسان يرأسها موسى بن أبي خالد، أحد موالي معاوية بن حديج أحد كبار قادة العرب الذين ساهموا في فتح إفريقية بنصيب كبير وكان عامل تلمسان[34] أثناء اندلاع تلك الفتنة، والذي نكل به عبيدة بن الحبحاب أمير إفريقية وقتذاك لاتهامه بممالأة الخوارج وتسببه في مقتل ولده إسماعيل والذي كان أحد أعوانه في إدارة أمور المغرب.

 


 


[1] انظر عرض ابن خلدون لأسباب تلك المصاعب في المقدمة، دار الفكر- بيروت، د.ت ص164-165. وانظر أيضاً إبراهيم بيضون: الدولة العربية في إسبانيا، دار النهضة العربية - بيروت، ط2، 1406هـ/1986م، ص59.

[2] أحمد العبادي: في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، ص36.

[3] حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام- القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، ص134.

[4] نجدة خماش: خلافة بني أمية في الميزان، دار طلاس- دمشق، ص139.

[5] محمد زينهم: مستند تاريخ مملكة الأغالبة لابن وردان دراسة وتقديم وتحقيق وتعليق، ملف PDF منشور على الرابط: (https://goo.gl/u1T6Td).

[6] خماش: المرجع السابق، ص141.

[7] مؤنس: فتح العرب للمغرب، مكتبة الآداب بالجماميز - مصر، ص283.

[8] المالكي: رياض النفوس (10/1) حققه بشير البكوش (دار الغرب الإسلامي- بيروت، ط1، 1403هـ/ 1983م، ط2 1414هـ/ 1994م).

[9] عبد المجيد نعنعي: تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، دار النهضة العربية - بيروت، د.ت ص29-30.

[10] مؤنس: أطلس، ص 178.

[11] المرجع السابق، ص30.

[12] مؤنس: فجر الأندلس، الشركة العربية - القاهرة، ط1، 1959م، ص41.

[13] خماش: المرجع السابق، ص141.

[14] زينهم: المرجع السابق.

[15] مؤنس: فجر، ص45.

[16] المالكي: (56-57/1).

[17] زينهم: المرجع السابق.

[18] مؤنس: فجر، ص45.

[19] مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار الرشاد، 2004م، ص53.

[20] زينهم: المرجع السابق.

[21] مؤنس: معالم، ص62.

[22] نعنعي: الدولة الأموية، ص76 .

[23] من أعظم المصائب التي أصابت أمتنا في الوقت الحاضر تصدي المؤرخين العلمانيين لكتابة تاريخها، كهذا المؤرخ الذي اضطررنا أن ننقل كلامه إلى آخره التزاماً بالأمانة العلمية برغم تعسفه في وصف العرب الفاتحين وما يحمله هذا الوصف من طعن في الفتوحات والنتائج التي ترتبت عليها.

[24] العبادي: مرجع سابق، ص47.

[25] المرجع السابق، ص76.

[26] صالح الخرفي: عروبة المغرب العربي، العربي، العدد 322 سبتمبر 1985م، ص48.

[27] المرجع السابق، ص49.

[28] أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن الإبراهيم، مكتبة النهضة المصرية، ط1، 1947م، ص111.

[29] مؤنس: معالم، ص62.

[30] المرجع السابق، ص77.

[31] المرجع السابق، ص77-78.

[32] مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص297.

[33] المرجع السابق، ص297.

[34] مؤنس: فجر، ص168