منذ بدء العملية السياسية في العراق عام 2003م متمثلة بمجلس الحكم الانتقالي انبثقت عدة أحزاب سياسية وشخصيات تبوأت المشهد طيلة فترة «مجلس الحكم الانتقالي» التي استمرت سنة واحدة فقط، حيث كانت الشخصيات التي تبوأت مقاعد المجلس هي نواة تشكيل الأحزاب السياسية العراقية في الفترة اللاحقة وما تبعها.

تزايدت أعداد الأحزاب في العراق حتى إن معدل الزيادة صار يُعد بالأيام، فوصل عدد الأحزاب المشاركة في انتخابات عام 2014م إلى ما يزيد عن 265 حزباً وتجمعاً سياسياً صادقت عليه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في حينها، ما لبثت هذه الأحزاب أن اندمجت فيما بعد في 36 كياناً سياسياً كبيراً.

ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة العام القادم، فقد وصل عدد الأحزاب السياسية المسجلة حتى اللحظة إلى 300 حزب وكيان سياسي، في بلد يسجل أكبر عدد من الأحزاب في العالم نسبةً إلى عدد سكانه.

يرجع تزايد عدد الأحزاب المطرد إلى الإجراءات المتبعة في تسجيل واعتماد أي حزب جديد، إذ تنص إجراءات تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عام  2016م، على وجوب توافر: «قائمة ورقية بأسماء أعضاء الحزب، والتي تضم ما لا يقل عن ألفي عضو من مختلف المحافظات (على أن لا تقل عن محافظتين)، مع مراعاة تمثيل النساء، وفقاً للنموذج المعد من قبل الدائرة بالإضافة إلى تقديم جدول إلكتروني لنفس الأسماء»، وبالتالي باستطاعة أي مجموعة من ألفي شخص تكوين حزب سياسي جديد، وفق الإجراءات الجديدة.

شجعت هذه التسهيلات التشريعية التي رعتها وأيدتها سلطة الائتلاف المؤقت والحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر على تأسيس الأحزاب وتزايدت أعدادها، إلا إن المعطيات التي أفرزتها الانتخابات الأولى وخروج أعداد كبيرة من الأحزاب دون أي مكاسب، دعت عدداً كبيراً منها إلى إيجاد بدائل.

أدى الحاكم المدني في العراق بول بريمر دوراً مهماً في ظهور عناوين سياسية وشخصيات وكتل عديدة لا خبرة لها في العمل السياسي، فقد شجع رؤساء ووجهاء عشائر معروفة في العراق لتشكيل تكتلات وأحزاب سياسية مثل عشيرة الجبور والتميم مقابل وعود بمكاسب مهمة في الدولة العراقية الجديدة.

وتكشف بعض المصادر عن وجود مؤسستين ملحقتين بوزارة الدفاع الأمريكية هما المعهد الديمقراطي الدولي للشؤون الدولية NDI والمعهد الجمهوري الدولي IRI خصصتا مكاتبهما في العراق بمبالغ لتمويل الأحزاب. وقد اختلفت التفسيرات حول دوافع الحاكم المدني في العراق من وراء تشجيع قيام هذا الكم الواسع من التنظيمات السياسية، فالبعض يرى في هذه التوجهات رغبة أمريكية في تفكيك الجبهة الداخلية للقوى السياسية، ومنع قيام جبهة واحدة متحدة تتعامل وتتعاطى معهم من خلال إيجاد أحزاب متعددة، وبالتالي قناعات ومصالح متعددة بل ومتضاربة أحياناً يمكن أن تخلقها التعددية الحزبية، وبذلك فإن فكرة التعدد الواسع للأحزاب في العراق بحسب أصحاب هذا الرأي هي فكرة خارجية تسعى لتحقيق هدف واحد وهو غياب جبهة عراقية موسعة. فيما يرى آخرون أن تشجيع الأمريكيين للتعددية الحزبية الكبيرة كان من أجل إثبات أنهم جاؤوا دعماً للديمقراطية ولأجلها.

أغلب الأحزاب حديثة التشكيل ليس لها برامج سياسية واضحة، بل تدور حول كاريزما شخصية معينة أو مجموعة شخصيات ولا تريد أن تخسر مواطن نفوذها. كما أن أغلب الأحزاب حديثة التشكيل ليست قائمة على وجود تنظيم حزبي ولا ترغب بذلك، فالقائمون على تلك الأحزاب يعتقدون أن التنظيمات تكبل نشاطاتهم وتحد من مرونتها وتقلباتها.

يعد عدم وجود فكر سياسي سائد في العراق إثر الفشل الذريع للنظريات التي كانت سائدة في القرن الماضي، وتحول دعاتها إلى مجاميع رأسمالية بعيدة عن الاشتراكية ومستبدة لا علاقة لها بالديمقراطية، يعد ذلك سبباً وجيهاً لما آل إليه الوضع العراقي بعد الغزو. فكثرة عدد الأحزاب في أي بلد ليست دليلاً على ديمقراطيته مطلقاً، فمثلاً الولايات المتحدة فيها ثمانية أحزاب فقط شاركت في الانتخابات التشريعية الماضية، وفي الحقيقة حزبان فقط هما الفاعلان على الساحة السياسية الأمريكية وهما الجمهوري والديمقراطي.

بلد كالعراق فيه قرابة الـ300 حزب ويبلغ عدد سكانه 35 مليون نسمة، ما يجعله يتصدر موسوعة جينيس في عدد الأحزاب! تعدد الأحزاب في العراق تجاوز ما هو عليه في الهند، حتى دون الأخذ بالاعتبار مساحة البلد وعدد السكان، فالهند التي يزيد عدد سكانها عن المليار ليس فيها إلا 1851 حزباً، سبعة منها رئيسة و49 منها إقليمية، في حين أن الدولة لا تعترف ببقية الأحزاب كونها لم تحصل على النسبة الواجبة لها في مجلس الشعب الهندي والتي تقدر بـ 4% من نسبة المقاعد في مجلس الشعب، أو 3.33% من أعضاء الجمعية التشريعية التابعة للدولة، فيما لا يتجاوز عدد الأحزاب في أكبر الديمقراطيات عدد أصابع اليد.

سبب الفوضى في العراق ليس تعدد الأحزاب فقط، وإنما الأحزاب المسيطرة التي تحمل مشروعاً فرعياً غير وطني بثوب الدولة الوطنية، إضافة إلى غياب الأسس الدستورية الصارمة والعقدين الاجتماعي والسياسي؛ فهذه الأسس تنظم التنافس السياسي غير العنيف وتؤدي إلى مخرجات إيجابية بدل الفوضى المسيطرة الآن التي أدخلت العراق في عسر التحول الديمقراطي.

مشكلة أغلب الأحزاب أنها كانت تحصل على التمويل عبر السنوات الماضية من مصادر شتى، بعضها هبات داخلية أو خارجية مع وجود تفاوت كبير بين تلك الأحزاب، أما المفترض فيجب أن يكون للأحزاب مستقبلاً تمويل داخلي فقط يعتمد على الاشتراكات والهبات والمشاريع التي يقوم بها الأفراد.

وتصاعدت في السنوات الأخيرة الاتهامات ضد الأحزاب السياسية باستخدامها القوة المسلحة في تمويل نشاطها، ليس فقط عن طريق عمليات تهريب النفط وبيعه في الموانئ الإقليمية، فقد تعدى الأمر ذلك إلى عمليات السطو المسلح والخطف والابتزاز.

هي فوضى الأرقام وغياب المشاريع والبرامج السياسية لبلد كان من المفترض أن يسير على درب آخر غير الذي عهده بعد سقوط النظام السابق، لكن غاية إضعافه وإبقائه تابعاً لواشنطن تارة وإيران تارة أخرى؛ جعلت العملية السياسية فيه أشبه ما تكون بمسرحية هزلية الكل فيها يمارس دوره المحسوب والمدروس والمتفق عليه مسبقاً.