في 25 سبتمبر الماضي أجرى أكراد العراق استفتاء جاءت نتيجته بأغلبية كبيرة لصالح استقلال الإقليم عن دولة العراق، والحقيقة التي يجب أن يشار إليها أن ثمة فرقاً كبيراً بين إجراء الاستفتاء وما يترتب عليه من إعلان الانفصال عن العراق وإنشاء دولة مستقلة، وهي الخطوة التي تتوجس منها العديد من القوى الإقليمية في المنطقة، وهي أيضاً خطوات تتريس أربيل في أخذها، لما لها من تداعيات شديدة التعقيد قد تعيد ملف القضية إلى المربع الأول.

والسؤال الآن ما هو مستقبل إقليم كردستان العراق بعد إجراء الاستفتاء، خاصة في ظل التعقيدات السياسية التي تحيط بالمنطقة ورفض بغداد وتركيا وإيران لهذا الاستفتاء؟

الرؤية الكردية لما بعد الاستفتاء

هناك اعتقاد سائد لدى أكراد العراق أن الدولة العراقية تشهد حالة ضعف غير مسبوقة وأنها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً شبه منهارة ومنهكة بشكل كبير جراء القتال مع تنظيم الدولة، وتجوب أجواءها طائرات من كل بقاع الأرض، وتجوس الجماعات والمليشيات المسلحة كافة محافظاتها سواء ما كان منها موالياً للنظام كالحشد الشعبي لكنه خارج عن سيطرة السلطة، أو مناوئاً لها مثل تنظيم الدولة، فإذا استقر الأمر للحكومة العراقية فسيصعب إجراء الاستفتاء، كما أن المنطقة تعاني من مشكلات عميقة واضطرابات سياسية وأمنية إذ لم تمر المنطقة بمثل هذه الاضطرابات من قبل، كما أن الموقف الدولي يشبه إلى حد كبير الظروف التي أنتجت سايكس بيكو، فالمنطقة شبه محتلة عسكرياً من القوى العالمية (الغرب والروس)، لذا فهذه هي اللحظة المناسبة - وفق تقديرهم - لأخذ إجراءات أكثر حزماً في اتجاه إعلان الدولة الكردية. 

والناظر في تاريخ الأكراد الحديث يلاحظ أنهم يحاولون اقتناص الفرص السياسية من خلال اللعب على الصراعات الإقليمية وهو الأمر الذي جعل منهم أداة ابتزاز يتم استخدامها لفترة ثم يتم التخلي عنها، فقد نالوا اتفاقاً بالحكم الذاتي 1970م نتيجة الضغوط التي كان يتعرض لها النظام العراقي في الداخل والخارج. ثم ما لبس النظام أن انقلب عليهم بعد ذلك عام 1974م وقامت حرب شعواء بينهما.

كما عقدوا حلفاً مع شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي أراد استخدامهم ضد خصمه في بغداد، لكنه في الأخير تخلى عنهم بعد عقد اتفاق الجزائر (بين العراق وإيران).

ومع الغزو الأمريكي تحالف الأكراد مع الولايات المتحدة الأمريكية وحصلوا مقابل ذلك على حكم ذاتي ومشاركة في الحكومة المركزية، بل وحصلوا على منصب رئاسة الجمهورية.

ثم جاءت الأحداث الأخيرة وهي مشاركتهم الفعالة في قتال تنظيم الدولة، حيث يرى الأكراد أنفسهم أنهم كانوا العامل الأهم والحاسم في الانتصار على تنظيم الدولة وطردهم من المناطق التي سيطروا عليها، وأنه آن لهم أن يحصلوا على ثمن لتلك المشاركة وهذا الانتصار.

لكن ذلك ما استفز دول الجوار الإقليمي، التي يصعب أن تتخلى الولايات المتحدة عن مصالحها معهم لصالح دعم دولة كردية تقتطع من أراضيهم وتهدد أمنهم القومي.

لكن الرؤية الكردية ترى أن الاستفتاء يمنحهم مزيداً من القوة في حال تفاوضهم مع بغداد، خاصة أن هناك الكثير من الملفات العالقة بين الفريقين، منها حصة كردستان من الموازنة العامة للعراق والتي تم إيقافها نتيجة تصدير النفط من جانب واحد من قبل الإقليم، وأدى انخفاض سعر النفط وموقف بغداد إلى أن وجدت أربيل نفسها في أزمة مالية حادة جعلتها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين، بالإضافة إلى المناطق المتنازع عليها والتي استولى الأكراد عليها في الفترة الأخيرة أثناء قتال تنظيم الدولة، وغيرها من الملفات.

الرؤية الإقليمية لما بعد الاستفتاء

لا يعد قرار انفصال الأكراد عن العراق قراراً محلياً بل تتسع دائرة هذا القرار إقليمياً ودولياً نظراً لأهمية المنطقة من جهة وطبيعة الإقليم الكردي وإمكاناته الاقتصادية فهو يصدر أكثر من نصف مليون طناً يومياً، وأيضاً للنسق القومي العنصري الذي ستبنى عليه الدولة وهو الأمر الذي من الممكن أن يشكل تجربة محفزة لبقية قوميات وإثنيات المنطقة لتحذو حذو الأكراد، ناهيك عن الامتدادات القومية الكردية في كل من إيران وتركيا وسوريا، ما يهدد بنية الدولة القُطرية التي تكونت على أرضية اتفاقية سايكس بيكو مطلع القرن الماضي.

وبالنسبة لتركيا تحديداً يمثل وجود دولة كردية مستقلة على حدودها العديد من التحديات للأمن القومي التركي، فدولة كردية على حدود تركيا تمثل دافعاً معنوياً للأحزاب الكردية المتطرفة لمواصلة مساعيها العسكرية ضد الدولة التركية، وعلى المستوى الإستراتيجي العسكري فإن دولة كردستان العراق ستمثل ملاذاً آمناً للأكراد الأتراك والسوريين في حال اندلاع نزاعات عسكرية بينها وبين تركيا.

كما تخشى تركيا من حكومة كردية تكون على صلة وثيقة بالكيان الصهيوني - وهو الأمر الذي يتباهى به الأكراد ولا ينكرونه - والولايات المتحدة، وهذا ما يعزز مخاوف تركيا من وجود حليف إستراتيجي جديد لأمريكا في المنطقة قد يهدد مصالحها.

في المقابل فإن تركيا التي دعمت بارزاني في القديم ولديها صلات اقتصادية وثيقة مع الإقليم تحتاج لكردستان العراق لسد حاجاتها من النفط والغاز، ولإحداث توازن في المنطقة أمام التمدد الإيراني خاصة أن نظام بغداد بات محسوباً على الإيرانيين.

لذلك تفصل الكثير من الخطوات السياسية والاقتصادية أنقرة عن التدخل العسكري المباشر ضد كردستان العراق، فنتائج الاستفتاء على انفصال الإقليم شمال العراق لم تفاجئ صانع القرار التركي الذي خير الإقليم بين إلغائه أو مواجهة سلسلة طويلة من العقوبات.

ويمنح التوافق الإقليمي على رفض الاستفتاء تركيا فرصاً مضاعفة للضغط على مسعود البارزاني، فقد واصل كل من العراق وإيران تصعيد مواقفهما تجاه الاستفتاء.

أما بالنسبة لإيران فلا شك أنها غير سعيدة بما يجري في كردستان العراق، إذ يعيش ما يقارب من 7 إلى 9 ملايين كردي في إيران ويشكل أكراد إيران 40 في المئة من تعداد الأكراد في المنطقة ويحلون ثانياً بعد أكراد تركيا، وتتخوف إيران من أن يشجع هذا الاستفتاء الأكراد لديها - الذين يعانون من الاضطهاد والتضييق - على المطالبة بحقوقهم أو السعي للانفصال على غرار أكراد العراق، مع ملاحظة أن الجبهة الكردية في إيران تعد أهدأ الجبهات نتيجة القمع المتواصل.

ويبدو أن علاقات طهران الاقتصادية المتنامية مع إقليم كردستان العراق جعلتها مترددة في اتخاذ إجراءات عنيفة ضد استقلال الإقليم.

يلاحظ هذا بقوة من إعلان طهران غلق حدودها مع كردستان العراق فور إعلان نتيجة الاستفتاء، ثم التراجع عن القرار على لسان وزير خارجيتها موضحاً أن القرار مقتصر على الطيران الجوي فقط وليس المعابر البرية.

الرؤية العراقية لما بعد الاستفتاء   

رفضت بغداد التفاوض مع أربيل بشأن الاستفتاء وحاولت عبر التهديد والبيانات والتصريحات الحكومية أن تثني الأكراد عن إجراء الاستفتاء لكن لضعف النظام واهترائه لم تلق تلك التحذيرات آذاناً مصغية لدى متنفذي السلطة في أربيل وسعوا في إجرائه في تحد سافر لسلطة الدولة المركزية.

وفور إعلان نتائج الاستفتاء اتخذت بغداد إجراءات للسيطرة على منافذ الإقليم، وحظرت الطيران الدولي إلى مطارات أربيل والسليمانية، وحظرت التعامل المالي مع المصارف الكردية، في خطوات عقابية الهدف منها إرسال إشارات إلى الأكراد أن دولة كردية مستقلة ستواجه عقبات شديدة في حال أُعلنت قد تقضي على مقومات قيامها. هذا بالإضافة إلى التهديد العسكري الذي قامت به بغداد بالمشاركة مع أنقرة بإجراء مناورات عسكرية على الحدود المشتركة بينهما مع العلم أن ما يملكه الأكراد هو مليشيات وليس قوة عسكرية ترقى لمصاف الجيوش العسكرية النظامية.

وتبدو بغداد هنا هي أكثر اللاعبين تأثيراً في هذا الملف ومواقفها تشكل حجر الزاوية في إمكانية نشوء تلك الدولة الكردية أو احتوائها.

الرؤية الأمريكية لما بعد الاستفتاء

تبدو الولايات المتحدة أكبر الداعمين للأكراد وفي الآونة الأخيرة أمدت العسكرية الأمريكية الأكراد سواء البشمركة أو قوات الحماية الكردية في سوريا بالعديد من الأسلحة المتطورة بحجة مواجهة تنظيم القاعدة، الأمر الذي اعترضت تركيا عليه كثيراً خشية أن تقع هذه الأسلحة في يد حزب العمال الكردستاني التركي. بالإضافة إلى أن السلطات في أربيل ما كان لها أن تقوم بخطوة سياسية كبيرة مثل هذه ما لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي، هذا برغم التصريحات السياسية الأمريكية المعلنة التي أعلنت تحفظها على هذا الاستفتاء.

وتبدو المصلحة الأمريكية بارزة في تقوية شوكة الأكراد في المنطقة، فإيجاد جسم غريب داخل الأمة ووجود دولة كردية مستقلة هو مصلحة غربية إستراتيجية، وستشكل الدولة الكردية مع الكيان الصهيوني محوراً غربياً بامتياز في المنطقة في ظل محيط عربي ضعيف مشتت ومتصارع.

وترى الولايات المتحدة أن ما يمتلكه الأكراد من المؤسسات والامتيازات التي تجعل منه شبه دولة كاف في تلك المرحلة، فالإبقاء على هذه الحالة أو هذا الوضع قائماً هو بمثابة مصلحة إستراتيجية أيضاً للولايات المتحدة، فالإقليم الكردي هو تهديد وعصا غليظة وقنبلة جاهزة تماماً للتفجير بمجرد ضغطة زر، وتستطيع أن تضغط به على تركيا وكذلك إيران.

وأخيراً: عملياً على أرض الواقع كردستان العراق شبه دولة تنقصها خطوات صغيرة تجاه إنشاء دولة كاملة الاستقلال، وها هو الاستفتاء جاء خطوة في هذا الاتجاه، لكن ليس من المتوقع أن يتم إعلان دولة كردستان في شمال العراق في القريب، في المقابل ستحظى أربيل على مزيد من الصلاحيات والامتيازات الاقتصادية والسياسية من بغداد.

ويبقى أن نقول: إن إقليم كردستان العراق هو إقليم من الناحية الجغرافية محاصر من دول إقليمية كلها ترفض قيام دولة قومية للأكراد به، ويمكنها حصاره وخنقه كلياً إذا ما قررت غلق الحدود والمعابر البرية والجوية ومنع التبادل الاقتصادي معه، كما أن تلك الحدود هي مع دول إقليمية وازنة اقتصادياً وعسكرياً في المنطقة ويصعب تجاوز أمنها القومي بسهولة.

وتدرك القيادة في أربيل ذلك، وتعلم أنه لا يمكنها مواجهة تلك القوى الإقليمية حتى في ظل دعم الكيان الصهيوني والغربي فإن مشروعاً كهذا لن يمر إلا عبر الدماء، وقد يكون الخاسر الأكبر الأكراد أنفسهم. لكن ربما سيبقى الإقليم الكردي لفترة قادمة ورقة ابتزاز وضغط سياسي من قبل الولايات المتحدة على دول المنطقة.

وبقي القول: إن من يتصدر الساحة السياسية للأكراد سواء في تركيا أو العراق أو إيران أحزاب ونخب يسارية إلى النخاع، ولا تعبر بشكل حر عن مجمل الشعب الكردي المسلم السني في مجمله، ففي إقليم كردستان العراق أمضى رئيس الإقليم مسعود بارزاني فترتيه الرئاسيتين ومدد له البرلمان سنتين وقد انتهيتا أيضاً، لذلك فالنخب السياسية الكردية تعاني من حالة فقدان الشرعية، كما أنها متناقضة مع هوية الشعب الكردي، وأداؤها الاقتصادي مليء بملفات الفساد وسوء الإدارة، صحيح أن كثيراً من الأحزاب وليس كل الأحزاب الكردية متواطئة على إجراء الاستفتاء لكن ما هي ضمانات بقاء الإقليم متماسكاً مستقراً بعد الاستقلال، وفي دولة جنوب السودان نموذج على انفجار الأوضاع داخلياً بعد إعلان الدولة، فأصبح شعب جنوب السودان في وضع أسوأ بكثير من أوضاعه إبان وجوده داخل دولة السودان، ويتشابه الإقليمان بوجود مخزون نفطي كان من المفترض أن يكون عامل استقرار لتنمية الدولة الناشئة، لكن في الأخير ساءت الأوضاع، وليس من المرجح أن يكون حال كردستان العراق في ظل التنافس وفقدان الشرعية بأفضل من حال جنوب السودان إن ظل قرار الشعب الكردي مرتهناً بطغمة فاسدة ومفسدة من السياسيين الموالين للكيان الصهيوني والغرب.