لم يكن العمل المسلح خياراً قط في سوريا، فقد صبر السوريون أشهراً على قمع وحشي قل نظيره، وتالياً؛ لم يكن ممكناً عدم اللجوء إلى السلاح للدفاع عن النفس، خصوصاً مع توالي الانشقاقات العسكرية واستهداف المنشقين بالنار، وقصف الناس بالجملة، وتزايد الاعتقالات المفضية إلى الموت السريع وانتهاك الأعراض.

ويسجل للمسلحين في سوريا أنهم دفعوا النظام إلى حدود السقوط غير مرة في الأعوام 2012م وصولاً إلى العام 2015م تاريخ التدخل الروسي، علماً أن النظام السوري كان يحمي نفسه من السقوط باللجوء إلى قوى خارجية؛ «حزب الله»، ثم الحرس الثوري الإيراني، فالمليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، وصولاً إلى طلب التدخل الروسي.

وهكذا لم يعد هدف الثورة إسقاط النظام وحسب، وإنما مقاومة الاحتلالات التي جلبها ليحمي نفسه من سقوطٍ؛ قد وقع فيه حقيقة، بعدما صار مرتهناً للخارج الذي يتحكم به، حرباً وسلماً، هدناً ومصالحات، مفاوضات ومصالح ورهناً لمقدرات سوريا سنين إلى الأمام.

بالمقابل؛ يؤخذ على الفصائل المسلحة في سوريا الكثير؛ ففي حين حكمت العفوية والفوضى بدايات العمل المسلح بحكم الانشقاقات والتجمعات الشعبية التلقائية، حتى زادت المجموعات المسلحة عن الألف، إلا إن المأخذ الأساس هو عجز هذه التشكيلات المسلحة عن تشكيل جيش تحرير وطني بعد كل هذه السنوات الأليمة من الثورة.

ليس هذا وحسب؛ وإنما يؤخذ على الفصائل المسلحة أنها لم تتفق على حد أدنى وهو؛ القواسم المشتركة والرؤية الموحدة لمستقبل سوريا، بل ما هو أقل من ذلك؛ ميثاق يضمن عدم تصارعها واقتتالها؛ على الأقل في فترة ما قبل إسقاط النظام السوري وتحرير البلاد من الاحتلالات الخارجية.

وفي البحث وراء الأسباب نرى أن الاختلافات الفكرية العقدية وسط الفسيفساء السورية، وتحوّل الصراع إلى طابع أيدلوجي، وتقاطعه مع الصراع المذهبي في المنطقة، وتعدد الدول صاحبة المصلحة، وحاجة الثوار إلى التمويل والسلاح، وتالياً؛ ارتباطهم بمصالح الدول الممولة، وغياب القيادة الكاريزمية لشخصية عسكرية قادرة على احتواء الآخرين، فضلاً عن دخول تنظيمات متشددة وجدت في شدة القمع بيئة خصبة للعمل، وقد غذاها النظام نفسه وأطلق المعتقلين المنتسبين إلى هذا الفكر المتشدد من سجونه لهذه الغاية بالذات، حتى يحول معركته إلى عنوان مواجهة الإرهاب الذي يستهوي العالم هذه الأيام.. وهو ما حصل بالفعل، حيث انشغلت الفصائل الثورية بفصائل تدعي قتال النظام ولكنها تكفّر ما عداها وتحاربه أشد من حربها على النظام، وما لبثت أن تحولت هذه الظاهرة إلى وحش كاسر اسمه داعش، حوّل وجهة الصراع إلى حد كبير، واستنزف التنظيمات المسلحة المنضوية تحت اسم «الجيش الحر»، وصار داعش خنجراً في ظهر الثورة السورية، وقارب نجاة النظام وأيقونته التي يسوّقها للغرب على أنها البديل الذي يجب أن يدفعهم للقبول بواقع بقائه، برغم إجرامه الموصوف والمعروف.

وقد أسهم النظام في تزايد الشقة بين الفصائل، ودَفَعَ التهجير القسري إلى إدلب إلى تفجير التناقضات المتحاشدة قسراً، وبعد احتشاد الفصائل ما بين «فتح الشام» و«أحرار الشام»، ثم سيطرة «هيئة تحرير الشام» (النصرة) على إدلب؛ حجزت المحافظة المحررة مكاناً لها في قائمة المدن السنية التي سيطرت عليها تنظيمات متشددة، ثم قامت تحالفات محلية ودولية لإخراج هذه الجماعات منها، ما أدى إلى دمار المدينة وهلاك أهلها.

في المحصلة؛ أدى تعاظم قوة التنظيمات المتشددة غير المقبولة دولياً كـ«جبهة النصرة» التي تحولت لاحقاً إلى «جيش الفتح» ثم «هيئة تحرير الشام»، ثم الاقتتال بين الفصائل غير مرة، وتصفية قادة بعضها، وانتقال فصائل من «بيعة» إلى أخرى، بحسب الحاجة، وغياب التنسيق بين الفصائل إلى نتائج مريرة، ربما كان أبرزها؛ سقوط كامل مدينة حلب بيد النظام وحلفائه.

وما يؤكد أهمية هذه العوامل في إضعاف الجهد العسكري؛ هو وجود تراكمية عسكرية كبيرة جداً بعد سنوات الثورة؛ وأعداد تعد بعشرات الألوف من المقاتلين المدربين، وسلاح بكميات وفيرة - عدا السلاح النوعي - ما يعني القدرة على إحداث التغيير المطلوب، بدليل أن تشكيل غرف عمليات مشتركة وتقسيم المهام وتنسيق الجهود أفضت غير مرة إلى نتائج كبيرة، لعل أبرزها تحرير محافظة إدلب بكاملها.   

إن نظرة على خريطة أهم الفصائل المسلحة على الأرض السورية حالياً تؤكد المعطيات أعلاه:

فصائل الجيش الحر: تأسس «الجيش السوري الحر» في يوليو 2011م من مجموعة صغيرة من الجنود المنشقين. وكان هو التشكيل الأبرز على الساحة السورية، لكنه مع الوقت بات الأضعف، وانتهى إلى أن أصبح مظلة لكل فصيل يبحث عن راعٍ له؛ ففي الشمال يرتبط بالأتراك (لواء السلطان مراد)، وفي البادية يرتبط بالأمريكيين (جيش المجاهدين - عشائر أهل البادية...)، وفي الجنوب يرتبط بالأردن وغرفة الموك (فصائل الجبهة الجنوبية). كما يحافظ الجيش الحر على فصائل ترتبط به اسمياً مثل فيلق الرحمن وهو تحالف يضم جماعات إسلامية تعمل معظمها في الغوطة الشرقية، وفي ضواحي مدينة دمشق، وهي الفصيل الثوري الوحيد الصامد في جوبر، وقد وقعت بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام اشتباكات غير مرة.

جيش الإسلام: هو عبارة عن اندماج أكثر من 50 لواء وفصيلاً مسلحاً، أُعلن عن تشكيله في 29/9/2013م بقيادة زهران علوش، ينتشر بشكل أساسي في الغوطة الشرقية ومقر قيادته في دوما، اغتالت موسكو في غارة جوية قائده زهران علوش. وأبرز الداعمين له المملكة العربية السعودية.

حركة أحرار الشام: فصيل كبير يضم مقاتلين سلفيين ومن «الإخوان المسلمون»، تأسس في العام 2011م ويعمل في محافظتي إدلب وحلب. كان أول فصيل عسكري يحرر مدينة الرقة، ويسيطر عليها، قبل دخول «داعش» على خط الصراع السوري واتخاذه من الرقة مركزاً له. في سبتمبر 2014م اغتيل قائد الحركة حسّان عبود. شكلت «أحرار الشام» في إدلب مع فصائل أخرى كانت تنتمي إلى «الجيش الحر» و«جيش الإسلام فرع إدلب» تحالف «الجبهة الشامية»، وبعد نحو أربعة أشهر وقع الشقاق بينها وبين «هيئة تحرير الشام» التي أخذت مقراتها في إدلب. تعتبر حركة «أحرار الشام» مقربة من قطر وتركيا.

هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً): يقودها أبو محمد الجولاني الذي أرسلته داعش من العراق قائداً لجبهة النصرة، وتصنفها روسيا والولايات المتحدة وقوات التحالف منظمة إرهابية. تنشط في أنحاء مختلفة من سوريا، وبخاصة محافظة إدلب. في أبريل 2017م انتقل «جيش الفتح» إلى إطار اندماجي كبير هو «هيئة تحرير الشام» ويضم إلى جانب «جيش الفتح» فصائل: «نور الدين زنكي»، «لواء الحق»، «جبهة أنصار الدين»، «جيش السنة».

أما في الجانب الكردي فتبرز «قوات سوريا الديمقراطية» وقد تأسست عام 2015م، وهي فصيل يضم عرباً وسرياناً وأرمناً وتركماناً، ولكن الكردي شاهين جيلو هو القائد الفعلي، وهو ينتمي إلى «حزب العمال الكردستاني».

يعد هذا الفصيل بعشرات الألوف، وهو يحصر حربه ظاهراً بداعش، ولا مشكلة لديه في التنسيق مع النظام السوري وصولاً إلى هدفه وهو أقامة فدرالية كردية. يحظى هذا الفصيل بدعم ورعاية وتسليحٍ أميركي مباشر وحتى اسمه اختارته أمريكا بدلاً من اسمها السابق «قوات حماية الشعب الكردية»، وقد حقق نتائج مهمة منذ معركة كوباني الشهيرة ضد داعش، وهو رأس حربة حالياً في تمثيلية طرد «داعش» من الرقة. وتعتبر تركيا «قوات سوريا الديمقراطية» الجناح العسكري لـ«حزب العمال الكردستاني» وتحاربه وتصنفه تنظيماً إرهابياً.