لعل من أكثر المبادئ الدولية غير المعلنة بؤساًً السماح لأنظمة دكتاتورية مجرمة أن تقوم بسحق شعوبها مقابل استقرار ظاهري هش في بلدانها تصمت الناس فيه صمت القبور!

هذا ما فعله النظام السوري طيلة حكمه الذي امتد لما يزيد عن خمسين عاماً، فهو دور وظيفي يؤمن من خلاله استقرار الإقليم مقابل انفراده التام بالقرار داخلياً، وأن  يسحق كما يشاء أي مطلب سياسي أو اجتماعي يطالب به أفراد الشعب.

ولكن هذه المعادلة انهارت بقيام الثورة السورية المباركة، فلم يعد النظام السوري قادراً على سحق الشعب وإعادته إلى القمقم الذي وضع فيه منذ الانقلاب المشؤوم في الثامن من مارس عام ١٩٦٣م، كما لم يعد قادراً على القيام بدوره الوظيفي في ضمان استقرار المنطقة وحماية أمن الكيان الصهيوني.. فلماذا يحافظ المجتمع الدولي على مثل هذا النظام؟!

من هنا بدأ الغرب وعلى رأسهم أمريكا الأكثر نفوذاً في المنطقة التفكير جدياً بتغيير النظام والقبول بنظام شبه ديمقراطي بديل عنه يحقق شيئاً من تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة ويخفف الاحتقان الداخلي الشديد الذي رافق حكم البعث والأسد. ولكن كانت المعضلة: ما هي الضمانات التي سيقدمها النظام الجديد للاستقرار في المنطقة وقيام نظام علماني يمكن أن يتفهم المعاصرة وما يريده المجتمع الدولي، خصوصاً بعد سيطرة الجماعات الإسلامية المسلحة على الساحة السورية وتغير المعادلة الرئيسة في الثورة من مواجهة بين نظام استبدادي مجرم وشعب مقهور أعزل ينشد حريته، إلى معادلة أخرى: نظام مستبد يمكن أن يتأقلم مع المجتمع الدولي في مواجهة جماعات إسلامية متشددة يمكن أن تشكل خطراً على العالم أجمع، فالمجتمع الدولي يمكن أن يسمح للنظام بقتل شعبه لكنه لن يسمح أبداً بقيام نظام بديل يمكن أن يقاتل الغرب أو يناكفه.

بالمقابل فإن روسيا وإيران وجدتا الفرصة سانحة للتدخل في سوريا وزيادة نفوذهما نكاية بالولايات المتحدة ومساومة لها على ملفات أخرى في العالم، فروسيا تريد مجابهة الولايات المتحدة واستعادة قطبيتها القديمة والمساومة على أوكرانيا والقرم ورفع أسعار النفط وتقليص انهيار سعر صرف الروبل إلخ، وأما إيران فتريد إحكام سيطرتها على العالم العربي ومن ثم الإسلامي وإكمال الهلال الشيعي لتشكل به كماشة تضيق الخناق على بلاد الحرمين وتنشر التشيع في صفوف السنة وتقوض كيانهم.

من هنا ازداد التدخل الدولي وتأزم الموقف، فالولايات المتحدة تعتبر أن فشلها في التحكم بالمعارضة هزيمة لها، والروس يَرَوْن أن هزيمة النظام سقوط مدوٍ لهم، وفي ظل هذا لم يكن يبدو حل يلوح بالأفق طيلة السنوات الست السابقة؛ فالكل يحشد، أمريكا والغرب ودول الخليج وتركيا والأردن، وأصدقاء الشعب السوري يريدون انتقالاً سياسياً سلمياً في سوريا يضمن شيئاً من الديمقراطية، وأن يرحل الأسد دون انهيار مؤسسات الدولة، في المقابل يحشد النظام وإيران وروسيا ومن ورائهم الصين في مجلس الأمن لدعم صمود النظام والحفاظ على رأس بشار الأسد لأنه يمثل نظاماً يشبه الأنظمة الدكتاتورية القائمة في إيران وروسيا والصين، ولا يريدونها سابقة أن تقدر الشعوب على إزاحة نظام شمولي.

في الثلاثين من يونيو ٢٠١٢م حاولت الولايات المتحدة وروسيا من خلال بيان جنيف ١، إيجاد تفاهم أولي للحل في سوريا على قاعدة لا غالب ولا مغلوب يقضي بتشكيل جسم حكم انتقالي كامل الصلاحيات التنفيذية بالتوافق بين الطرفين. بالطبع هذا التفاهم لم يأخذ طريقه للتنفيذ لسببين: الأول أن التوافق بين النظام والمعارضة شبه مستحيل، وخصوصاً من قبل النظام فهو يعرف أن أي انتقال سياسي مهما كان شكله سيزيح آل الأسد عن السلطة. والثاني اختلاف تفسير البيان بين المعسكرين الغربي والشرقي؛ فقد طرح الفرنسيون مبكراً أن بيان جنيف يحوي ضمناً رحيل بشار الأسد قبل تشكيل جسم الحكم الانتقالي لأن وجوده ضمن الجسم يقتضي موافقة المعارضة وهذا غير ممكن. بالمقابل أصر الروس على أن البيان لا يتضمن شيئاً عن مصير بشار الأسد، ولا يجوز التطرق لهذا أبداً كشرط مسبق.

لم تثمر مفاوضات جنيف ٢ في يناير وفبراير ٢٠١٤م عن أي شيء كما هو متوقع وازداد التدخل الدولي في سوريا وازدادت المعارك ضراوة وازداد نظام الإجرام شراسة ببراميله المتفجرة على رؤوس المدنيين، تزامناً مع أداء تشرذمي كارثي للمعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.

في الثلاثين من سبتمبر ٢٠١٥م حصل التدخل العسكري الروسي وبتوافق أمريكي مع بعض دول الإقليم وكان التدخل الأقسى في الثورة السورية، وهو وإن هدف إلى إنقاذ النظام السوري من سقوط وشيك إلا إننا نعتقد أنه كان يهدف أيضاً إلى لجم إيران ومنع ترسيخ وجودها الدائم في سوريا.

في أواخر ٢٠١٥م جرت محاولات للتفاهم بين الأمريكان والروس وحلفائهما وجرت مباحثات مكثفة في فيينا ثم أنشئت الهيئة العليا للمفاوضات لتشكيل طيف واسع من المعارضة يمثلها في المفاوضات، ثم صدر قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ وكان يمثل تغيراً ملحوظاً وذا دلالة، تم بموجبه تبني التفسير الأقرب لفهم الروس وبقاء بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، مع احتمال التخلي جزئياً أو كلياً عن جسم الحكم الانتقالي. ولكن السؤال المطروح لماذا قبلت الولايات المتحدة بتمرير القرار برغم غلبة الروس فيه ظاهرياً؟

نعتقد أن الولايات المتحدة وبرغم ميوعة القرار في البيت الأبيض أيام أوباما إلا إنها ومنذ الثلث الأخير من عام ٢٠١٤م وبعد سقوط الموصل بيد داعش وبتواطؤ من المالكي (وكيل أمريكا وإيران في العراق)، وذبح الصحفي الأمريكي جراهم فوللر، حسمت أمرها وسارت بمشروع خاص بها في سوريا والعراق وافق عليه مجلس الأمن ولكنه عملياً كان بمعزل عن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إنه مشروع تقسيم المنطقة وإقامة دولة الأكراد الكبرى تحت شعار محاربة داعش وإقامة مناطق آمنة في محيط سوريا وعزل دول الجوار عن التأثر سلباً بما يجري في سوريا، ومن ثم حصر كل القوى المناوئة للولايات المتحدة (إيران والنظام وحزب الله وداعش والنصرة والجماعات الإسلامية المتشددة) داخل المثلث العربي السني في سوريا الذي يسمى اصطلاحاً مثلث الفوضى.

خطة أمريكية واضحة المعالم مدتها خمس سنوات تتحقق فيها المصالح الأمريكية الكبرى في المنطقة وبالوقت نفسه تراقب ما يجري من مفاوضات في جنيف والأستانا، والتي تصر روسيا فيها على أن الانتقال السياسي الوحيد من قبلها هو الانتقال الدستوري الذي يقوم على أساس التفاوض على كتابة دستور جديد لسوريا شكله روسي وروحه أمريكية، نظام رئاسي فيدرالي، يتم التوافق عليه ثم إجراء انتخابات حرة وديمقراطية بإشراف الأمم المتحدة وتشترك فيها كل الأطراف.

نعتقد أن التوافق الأمريكي الروسي الأخير على المنطقة الآمنة الجنوبية سيفتح الطريق لمزيد من الاتفاقات القادمة التي يمكن أن تمهد لحل مستقبلي في سوريا على طريقة اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك، ولكن السؤال المتجدد ما دور السوريين في كل ذلك؟ لقد صدق من قال مبكراً تعليقاً على صدور بيان جنيف ١ إن السوريين نظاماً ومعارضة لم يعد لهم أي دور في تقرير مستقبل بلادهم وأنه لن يكون لهم إلا شرف توقيع الاتفاق النهائي إن كان هذا يعد شرفاً.