بعد ما يزيد عن ست سنوات من اندلاع الثورة السورية لا يمكن القول إن هناك إجماعاً على تقييم الدور التركي فيها، فبعض الآراء في أقصى اليمين والأخرى في أقصى اليسار، والبعض تجاهل مكانة سوريا وشعبها لدى الشعب التركي أولاً، ولدى الحكومة التركية المنبثقة من إرادة الشعب ثانياً، والمتمثلة بحزب العدالة والتنمية منذ عام 2002م، ولذا ينبغي تذكر القواسم المشتركة بين الشعبين من الناحية الدينية والتاريخية والثقافة الشعبية والحدود الجغرافية المشتركة لأكثر من تسعمئة كيلومتر، والعلاقات والوشائج الاجتماعية العائلية بينهما، وكان طبيعياً أن يستبشر الشعب التركي خيراً لرؤيته إخوته في سوريا يسيرون على طريق الحرية والحياة السياسية الديمقراطية والتقدم والازدهار الاقتصادي، أسوة بمسيرة الشعب التركية الحديثة ونتائجها الإيجابية.

لقد ولدت تركيا الحديثة والدول العربية الحديثة إثر انهيار الدولة العلية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، وكانت تجمعهم دولة واحدة لعدة قرون في علاقة أخوة ومواطنة واحدة، ولكن ظروفاً دولية استعمارية أوجبت على كلا الشعبين شق طريقهما الخاص، والتباعد عن بعضهما لغير سبب واضح ولا مقنع لكلا الشعبين، وزرعت الثقافة العدائية بين الأتراك والعرب سياسياً، ولكن هذا التباعد الإجباري وإن دام لأكثر من ثمانية عقود إلا إنه ثبت فشله أمام أول محاولة جادة جاء بها الشعب التركي ممثلاً بحزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان ورفاقه، بعد فوزه الشعبي في الوصول إلى السلطة السياسية وتشكيل الحكومة التركية في عام 2002م، فقد قابل الشعب العربي ذلك بالرضا والقبول والارتياح والفرحة، قبل زعماء الدول العربية وقادتها السياسيين، بل إن بعض رؤساء الدول العربية اضطروا لمجاملة شعوبهم والتعامل مع القيادة التركية الجديدة على مضض، لعدم رضاهم عن تزعم حزب العدالة والتنمية للحياة السياسية التركية، وقد اعتبرته بعض القوى الغربية والصهيونية ذا جذور إسلامية أو عثمانية أو شرقية أو غيرها.

لقد سارت تركيا في طريق التحرر من الاستبداد والأنظمة العسكرية الدكتاتورية، وسلكت طريق الحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية السياسية، ولذلك تفهمت أكثر من غيرها مطالبة الشعوب العربية بحقوقها السياسية في الاحتجاجات الشعبية التي ملأت الميادين في العواصم العربية الكبرى، فيما أطلق عليه ثورات الربيع العربي، بما فيها مطالب الشعب السوري المجاور للشعب التركي في الحدود والعادات والمشاعر، ولكن الحكومة التركية لم يكن لها يد مباشرة في إثارة الشعوب العربية بما فيها الشعب السوري القريب إليها، لأنها لم تكن تملك أن تفرض هذه القيم على الشعب العربي، لاعتبارات سياسية داخلية، فتركيا دولة ديمقراطية وقانونية، ويرأس حكومتها حزب ديمقراطي أيضاً، وبالأخص أن الحكومة التركية كانت قد بدأت قبل عام 2011م بسنوات بتحسين علاقاتها مع كل الدول العربية وفي مقدمتها دول الجوار وعلى رأسها سوريا، وأنشأت علاقات حسنة مع الرئيس السوري بشار الأسد وصلت حد الصداقة العائلية، ولذلك حاولت حكومة أردوغان عام 2011م وقبل اندلاع الثورة السورية في مارس 2011م تقديم النصح لبشار الأسد لاستباق الأمور وتحسين ظروف الحياة السياسية في سوريا، وإجراء تعديلات دستورية تسمح بالتعددية السياسية وتأسيس أحزاب سياسية، وإجراء انفتاح سياسي على كافة القوى السياسية في المجتمع السوري، وإبرام مصالحة وطنية بعد سنوات من التوتر، وكان الأسد يرد بالموافقة الكلامية على الإصلاحات ولكن دون إجراء شيء على أرض الواقع، واستمرت النصائح التركية لبشار الأسد بعد اندلاع الثورة لأشهر أخرى، برغم حنثه في وعوده للحكومة التركية مراراً، بل واستخدامه للعنف لقمع الاحتجاجات الشعبية، وكان القتلى من المحتجين يصلون إلى مئة شهيد يومياً وبالأخص أيام الجمع.

لم ينته عام 2011م إلا والقتلى أصبحوا بالآلاف على أيدي شبيحة الأسد، واللاجئون السوريون إلى تركيا قد بلغوا عشرات الآلاف، وقد فقدت الحكومة التركية ثقتها بمصداقية الأسد، وتبين أنه ومنذ سبتمبر 2011م قد أخذ بالنصائح الإيرانية والروسية باستخدام الجيش السوري لقمع الثورة الشعبية، وذلك بعد أن فشل شبيحة الأسد والأجهزة الأمنية البعثية في قمع الثورة، وكانت نجاحات الثورة بتزايد مطرد، وكانت الحكومة التركية والشعب السوري وقيادته الثورية على يقين بأن سقوط نظام الأسد أصبح وشيكاً، فموازين القوى في سوريا كانت لصالح الثورة السورية منذ بداية 2012م، وفي هذه اللحظة تدخلت أمريكا ومن ورائها حكومة الكيان الصهيوني بمنع سقوط نظام الأسد، بحجة أن يتم السيطرة على مؤسسات الدولة السورية بعد إسقاط الأسد، وأن يتم الإسقاط عن طريق مؤتمر وإشراف دولي، ينقل السلطة السياسية من نظام الأسد إلى هيئة حكم انتقالي تتولى السلطة السياسية من الرئيس بشار الأسد، لحين إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، وتم العمل على ذلك في مؤتمر جنيف1 بإشراف كوفي عنان، فانطلت هذه الخديعة الأمريكية على تركيا وعلى كل الدول العربية المساندة لحقوق الشعب السوري وثورته، بل وعلى كوفي عنان نفسه، وقد وافقت الحكومة الإيرانية وروسيا على ذلك شكلياً أو تآمرياً، لأن إيران وروسيا كانا قد باشرا بإرسال الأسلحة القاتلة والمعدات العسكرية والمقاتلين الإيرانيين الطائفيين إلى سوريا لتغيير معادلات المعارك لصالح الأسد، انعقد مؤتمر جنيف1 بمشاركة تركية وعربية ودولية بمنتصف يونيو 2012م، وأشرفت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية عليه في ذلك الوقت، وصدرت القرارات حول هيئة الحكم الانتقالي بقرار جنيف1، ولكن تم تعطيل تنفيذ بنوده بحجة وجود خلاف روسي أمريكي على تفسير بنوده ودور الأسد فيها، وخلال النصف الثاني من عام 2012م والشعب السوري والدول العربية وتركيا ينتظرون ويعملون ويطالبون بتطبيق جنيف1، بينما كانت قوات الحرس الثوري تتدفق إلى سوريا ومعها مليشيات حزب الله اللبناني ومليشيات عراقية أخرى، بعلم أمريكا والكيان الصهيوني ودون ممانعة منهما، وجاءت بدايات عام 2013م وقد استعاد جيش الأسد بعض مواقعه العسكرية بواسطة المجازر والجرائم التي قام بها الحرس الثوري الإيراني وتوابعه من المليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية.

لقد زاد التدخل الإيراني في سوريا والمدعوم من روسيا سياسياً وعسكرياً والموافق عليه من أمريكا من معاناة الشعب السوري طوال الأعوام 2013 و2014 و2015م، وقد دمرت البنية التحتية في سوريا بشكل مأساوي، وزادت من تشريد الشعب السوري داخل سوريا وخارجها بشكل كبير، وقد بلغ عددهم ما يقارب نصف سكان سوريا، ولم يكن بوسع الحكومة التركية أن تمنع هذه المجازر والجرائم الإيرانية في سوريا بالقوة العسكرية، لأن ذلك من مسؤوليات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي عملت الحكومة الروسية على تعطيلها وحالت دون اتخاذ قرار دولي يمنع المجازر والقتل بسوريا، ولم تفعل أمريكا ولا دول الاتحاد الأوربي ما يوقف الدم النازف في سوريا خلال تلك السنوات، ومع ذلك عجزت المليشيات الإيرانية وحرسها الثوري عن كسر الثورة السورية، ولذلك ركز الإعلام الإيراني وتوابعه الطائفية العربية على إضعاف الثورة من خلال الإعلام الكاذب ونشر الأضاليل، كما عملت أمريكا على وضع عوائق أمام انتصار الثورة السورية، منها فيتو يمنع تزويدها بالأسلحة النوعية، وفيتو آخر يمنع استهداف قصور الأسد مباشرة، وفيتو آخر يمنع توحد الفصائل المسلحة الثورية الكثيرة من في فصيل عسكري واحد، فهذه العوائق الأمريكية التي فرضت على الدول الداعمة للثورة السورية أضعفت قوة الثورة ومنعت توحدها ووفرت للمليشيات الإيرانية تخريب سوريا، دون أن تتمكن من القضاء على الثورة، بل اقتربت إيران في أواخر عام 2015م من فقدان سيطرتها على سوريا، وهذا ما دفع مراكز المخابرات الدولية العابثة في سوريا من اصطناع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، لتغير مسار المعارك في سوريا لمحاربة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش، وهذا وفر غطاءً دولياً لروسيا للتدخل العسكري بحجة محاربة داعش منذ تاريخ 30 سبتمبر 2015م، بينما الحقيقة كانت تشير إلى أن السبب هو إضعاف الجيش السوري الحر والفصائل السورية المقاتلة التي كانت توصف بالمعتدلة، وذلك بسبب قبولها الحلول السياسية الدولية، والمشاركة بحل سياسي دولي ينهي معاناة الشعب السوري وزوال حكم أسرة الأسد، بدليل أن التدخل الروسي العسكري لم يستهدف في قصفه الجوي إلا هذه الفصائل السورية المسلحة المعتدلة، وكانت نسبة قصفه لداعش لا تزيد عن 7% بشهادة المراقبين العسكريين الدوليين من الأمريكيين والأوربيين.

لم تتوقف الحكومة التركية عن حث الحكومة الإيرانية أو الروسية على عدم التدخل العسكري، وبيان رفضها للحرب الطائفية، والسعي لتطبيق مقررات مؤتمر جنيف 1 و2 وما بعدها، ولكنها لم تجد تجاوباً سياسياً، ولذلك بقيت الجهود التركية في ذلك الوقت في دفع المجتمع الدولي لمساعدة الشعب السوري سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، ولم تتوقف تركيا عن هذه المساعي حتى الآن، وكان دورها الخاص أن تقدم كل دعم سياسي في المؤتمرات الدولية الخاصة بسوريا، والتي عقد بعضها في تركيا، ولكن الجهد الأكبر الذي قامت به تركيا حكومة وشعباً هو تقديم الدعم الإنساني الأخوي لكل المشردين أو اللاجئين السوريين إلى تركيا أولاً، وإرسال قوافل المساعدات الإنسانية إلى داخل سوريا للتخفيف من معانات الشعب السوري بالداخل أيضاً.

ومن نتائج الموقف التركي المعارض للتدخل العسكري الروسي وقوع حادثة إسقاط الطائرة الروسية السوخوي بتاريخ 24 نوفمبر 2015م وتوتر العلاقات التركية الروسية لحد كبير، وقد تمت معالجته بعد عجز روسيا نفسها عن كسر إرادة الثورة السورية أيضاً، واحتياجها إلى تركيا للتفاهم مع الثورة السورية، فقد كان المقرر للتدخل العسكري أو القصف الروسي أن يكون لمدة أربعة أشهر، ولكنه فشل في تحقيق أهدافه خلال هذه المدة، وأصبح انسحابه تكريساً لانتصار الثورة على شبيحة الأسد وعلى المليشيات الإيرانية وتوابعها الطائفية وعلى سمعة روسيا العسكرية أيضاً، ولذلك واصلت القصف وتدمير الأسواق والمساجد والمستشفيات والمخابز بمجازر عشوائية، وقد ساعد روسيا في هذا الفشل العسكري عدم وجود رغبة أمريكية لإسقاط نظام بشار الأسد، وإلا لوجدت أمريكا في الفشل الإيراني أولاً والروسي ثانياً فرصة تاريخية لإضعاف روسيا في سوريا والعالم، ولكن أمريكا لا تريد إسقاط الأسد بقناعات إسرائيلية.

في ظل هذه المواقف الدولية الساعية لتدمير سوريا كخطوة أولى لتقسيمها سياسياً وفيدرالياً، سعت الحكومة التركية إلى إيجاد قاعدة تفاهم مع الحكومة الروسية في سوريا، وإعداد لقاء بين روسيا والمعارضة السورية المسلحة والسياسية، وجرى الإعداد لمؤتمر أطلق عليه اجتماع أستانا (العاصمة الكازخية) بأواخر عام 2016م، بعد أن خرجت تركيا من محاولة الانقلاب الفاشل بتاريخ 15 يوليو 2016م، وكان للحكومة الروسية والرئيس الروسي بوتين موقف إيجابي نحو الحكومة التركية وإفشال الانقلاب، الذي اتهمت فيه منظمة غولن الإرهابية التي تجمعها بالمخابرات الأمريكية والغربية شبهات كبيرة، وهذا شجع الحكومة التركية أن تقارب بين روسيا والمعارضة السورية المسلحة المعتدلة، حتى تم التوصل إلى اتفاق أستانا 4 بتاريخ 5 مايو 2016م، الذي ينص على إيجاد أربع مناطق آمنة، أو يتم العمل على تصنيفها منخفضة التوتر، أو يتم منع التصعيد العسكري فيها.

لم تُبد أمريكا تأييداً لمقررات أستانا 4، واكتفت بحضور دبلوماسي منخفض لمؤتمرات أستانا، وكان هدفها أن يخدم مؤتمر أستانا خفض الجهد العسكري من جميع الأطراف، بعد أن أصبح هناك ثلاث دول ضامنة له هي إيران وروسيا وتركيا، بينما كانت أمريكا ممثلة بوزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون تعمل على بناء قواعدها العسكرية في سوريا، التي بلغت عشر قواعد معظمها في شمال سوريا، بينما القواعد العسكرية الروسية في غربها على الساحل السوري، والقواعد الإيرانية في الوسط والحدود المحاذية للجمهورية اللبنانية، بهدف التواجد العسكري الذي يؤمن لها التواصل الجغرافي مع مليشيات حزب الله اللبناني، فإيران تعمل على بناء وجود عسكري طويل الأمد في سوريا يحفظ وجودها الطائفي وما أحدثته من تغييرات ديمغرافية في دمشق وحلب وحماة ومعظم المدن السورية، بينما أمريكا عملت على صناعة كنتونات عسكرية للمليشيات الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، بغض النظر عن الاسم الذي تستخدمه إن كانت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، أو قوات حماية الشعب، أو قوات سوريا الديمقراطية بحسب التسمية الأمريكية لها، كما جاء باعترافات الجنرالات الأمريكيين.

في هذه الأوضاع كانت الجهود التركية منصبة على الخطط الدفاعية التي تحمي الأمن القومي التركي من كل التهديدات التي يمكن أن تصنعها إيران أو روسيا أو أمريكا في سوريا ضد تركيا، وكانت الخطة التركية الدفاعية تحمل صورة الهجوم لأنها نقلت القوات الخاصة التركية إلى داخل الحدود السورية، بينما هي في الحقيقة خطة دفاعية مئة بالمئة، ولذلك تعاملت مع الواقع السوري الأصلي، أي الذي يعيد بعض الأمور إلى نصابها الصحيح، ومنها دعم الفصائل السورية الوطنية وفي مقدمتها الجيش السوري الحر عسكرياً، وتمكينه من استعادة مدنه وقراه المحتلة من التنظيمات الإرهابية على اختلاف أنواعها، وطبيعي أن تبدأ بأكثرها خطراً على الأمن القومي التركي بغض النظر عن الجهة الدولية التي تدعمها، فوجدت الحكومة التركية ومجلس أمنها القومي العسكري أن أخطر الخطط العابثة بسوريا هي الخطط الأمريكية التي تدعم المليشيات الكردية للسيطرة على شمال سوريا، حتى لو أدت إلى انتزاع هذه المدن من سكانها الأصليين، أو قامت بعمليات تطهير عرقي، أو مارست عملية تمييز عنصري ضد السوريين الأصليين، حتى لو قتلت ودمرت وأهلكت وعاثت فساداً في شمال سوريا، المهم لأمريكا أن تسيطر هذه القوات على الأراضي التي تخطط أمريكا لإقامة قواعدها العسكرية طويلة الأمد عليها، والتي بلغت حتى الآن نحو عشر قواعد عسكرية.

لذلك جاءت عملية «درع الفرات» في سوريا التي انطلقت بتاريخ 24 أغسطس 2016م بالشراكة مع الشعب السوري ممثلاً بالجيش السوري الحر، لتحرير عدد من المدن السورية من أيدي داعش، وجرى تنسيق الحكومة التركية لهذه العملية مع روسيا لإضعاف معارضة أمريكا لها، وكذلك لمنع المعارضة الإيرانية لها، وما حال أيضاً دون الاعتراض الأمريكي أو الإيراني على عملية «درع الفرات» أنها كانت في المناطق التي لا توجد بها قوات أو مليشيات لكلا الدولتين، بينما عندما وصلت عملية درع الفرات إلى مدينة منبج عملت كل من إيران وأمريكا على إيقاف العملية، وتم استهداف مواقع عسكرية تركية فيها، لتحذير تركيا من مواصلة عملية درع الفرات باتجاه منبج أو إدلب أو غيرها، فاكتفت الحكومة التركية مؤقتاً بما حققته عملية درع الفرات وأعلنت الحكومة التركية عن إيقافها، ولكن مع الاستعداد والجاهزية الكاملة لضرب أي تحرك يؤثر على الأمن القومي التركي، فتركيا لا تعمل لزيادة فتيل المعارك في سوريا على الطريقة الإيرانية ولا الطريقة الروسية ولا الطريقة الأمريكية التي تستخدم المليشيات التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي لتحقيق أهدافها في سوريا، فتركيا تعمل سياسياً لإنهاء الأزمة السورية لصالح الشعب السوري وليس لصالح تركيا فقط، بدليل أن عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا رجعوا إلى مدنهم وقراهم التي حررها الجيش السوري الحر بعملية درع الفرات، بينما عملت إيران على إدخال عشرات الآلاف من الإيرانيين والأفغانيين والعراقيين وغيرهم وإعطائهم الجنسية السورية، وتمليكهم المنازل والمزارع السورية، لتغيير البنية الطائفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها، بحيث تصبح ولاية تابعة لولاية الفقيه بقم وطهران.

إن السياسة التركية تدرك كل ذلك وتتعامل معه سياسياً وعسكرياً بالقدرات الممكنة التي تدفع الشرور عن سوريا وعن تركيا وعن الأمة الإسلامية، لأن الجهود الإيرانية والروسية والأمريكية والإسرائيلية وأدواتها من الأحزاب الكردية الإرهابية تعمل ضد مصالح الأمة الإسلامية، والأيام القادمة كفيلة أن تصلح ما أفسده المحتلون الأجانب بما فيهم الاحتلال الإيراني، فسقوط نظام حكم الملالي في إيران كفيل أن يذهب جهودهم سدى، بل ستكون حسرة عليهم داخل إيران وخارجها، وأما الاحتلال الأمريكي والروسي فشأنه شأن كل الاحتلالات السابقة بعد الحرب العالمية الأولى، والجهود التي تبذلها أمريكا الآن بالتعاون مع روسيا لوضع دستور جديد لسوريا لن يكن قابلاً للحياة إلا بوجود عسكري خارجي، وهذا يعني بقاء وجود روسي وأمريكي وإيراني وتركي في سوريا، وهذا أمر لا يدوم كثيراً.

والنظام الرئاسي الذي يبحث شأنه في جنيف اليوم يتشكل من مجلس رئاسي لثلاث رؤساء جمهورية معاً، يكون أحدهم رئيساً، وله رئيسان مساعدان لهما نفس الصلاحيات الرئاسية تقريباً، بحيث يكون أحدهما سنياً والآخر علوياً والثالث من الأقليات، يعتبر نظام حكم قائم على التنازع، والمخطط أن يكون نظام حكم سوريا فيدرالياً، ويكون لحكام الولايات أو المحافظات السورية حاكم فعلي لها من الناحية السياسية والأمن الداخلي، ولكنه تابع لدمشق من الناحية السياسة الخارجية وكذلك أمن الوطن الكلي، فهذا الحل لو تم تطبيقه فإنه يحمل بذور الصراع والفتنة أيضاً، وبالتالي فإن الجهود الدولية العبثية التي تسعى لصناعة هذا الحل إنما تزرع في سوريا بذور الحرب الدائمة، وإن تم القضاء على الفصائل السورية المسلحة، أو يتم ضم عناصرها إلى الجيش السوري الوطني، فالشعب السوري نفسه لن يقبل دستوراً مفروضاً على سوريا من الخارج، وتركيا إن لم تستطع منع الدساتير الخارجية على سوريا عسكرياً، ولكنها لن تطالب الشعب السوري بقبول دستور لا يوافق عليه، ومن باب أولى أنها لن تفرض عليه بالقوة المشاركة في الألاعيب الدولية الاستعمارية، وستبقي جهودها على رفض التقسيم الاستعماري الجديد، الذي يحقق مصالح المستعمرين الجدد على حساب الشعب السوري وشعوب المنطقة.