ليس من السهل على الإنسان أن يستشرف آفاق المستقبل في ظل واقع شديد التعقيد مثل الواقع السوري، يختلط فيه الدولي بالإقليمي بالمحلي، والعسكري بالسياسي مع الديني والقومي والطائفي. كما أنه ليس من السهل على كاتب هذه السطور أن يمعن في ادعاء الموضوعية والتجرد في استشراف مستقبل دينه وقومه وأمته ووطنه، فتضطره المعاناة بكل أبعادها إلى التعلق بخيوط النور، وتحويل شعيرات الأمل إلى حبال ثقة من الإيمان بالله وحسن التوكل عليه.

إن تشابك خطوط الواقع، وخصوصية المحنة؛ لن يمنع كاتب هذه السطور أن تكون تقدمته لما يقرر قصداً وعدلاً وبحسب مبلغه من العلم، وقدرته على الرؤية والفهم والتحليل والبسط.

ثمة حقائق مهمة يقتضي المقام تجليتها بين يدي هذا البسط، غابت أو غيبت عن كثير من الناس، في أمر ما حصل ويحصل في سوريا، إذ إن من طبائع البشر نسيان الكثير من المقدمات، والاكتفاء بالحكم على النتائج، علماً أن المقدمات جزء لا يتجزأ من نتائجها.

الحقيقة الأولى: أن ما حصل في سوريا منذ 2011م، والذي اصطلح على تسميته بالثورة السورية فيما بعد، لم يكن عن تخطيط مخطط، ولا عن قرار مقرر، وإنما كان رد فعل عفوي على ظالم طغى وبغى فتجاوز كل حد، حتى تجاوز في بغيه إزهاق الأنفس، وسفك الدماء إلى العدوان على الأعراض وهتك الحرمات، في حملة منظمة ممنهجة، كان الهدفُ منها جرَّ هؤلاء الناس المستضعفين إلى ساحة صراع لا يملكون أدواتها ولا الدربة على التصرف فيها حتى كان ما كان.

 إن ما حصل في سوريا منذ العام الأول للثورة يكتنفه ويغطيه قول الله تبارك وتعالى: {وَلَـمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ 41 إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْـحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 41، 42].

الحقيقة الثانية: التي تخفى - ربما - عن كثير من المتابعين، أن الشعب السوري وضع منذ اليوم الأول للثورة تحت مجهر التشويه والتشهير من قبل إعلام عالمي مسيَّر، كل المسلمين يعلمون من يسيره ومن يسيطر عليه. فبينما دارى الإعلام العالمي، وفي سياقه كثير من وسائل الإعلام العربي، على كثير من جرائر وجرائم الظالم المستبد بشار الأسد، انغمس في اختلاق جرائر فردية، أو تضخيمها والنفخ فيها، تحت شعار محاربة الإرهاب، حتى تولد لدى الكثير من العامة والخاصة على المستويين الدولي والإقليمي موقف ريبي من الشعب السوري وثورته والشرائح المستضعفة من أبنائه، ثم لتتحول الريبة إلى إنكار والإنكار إلى إدانة، ومن ثم تسويغ جرائم المجرم الطاغية بكل نكارتها، والوصول إلى نتيجة أن هذا الجزار السيئ أقل سوءاً من الثائرين عليه.

الحقيقة الثالثة: تتعلق بالفرز الحقيقي للقوى على المستويين الدولي والإقليمي معاً، فقد بدا للناس للوهلة الأولى أن ما يسمى المجتمع الدولي قد انقسم في الموقف من الحدث السوري إلى مؤيد ومعارض. وأن الولايات المتحدة ومن معها مما يسمى «العالم الحر» كانت مؤيدة للشعب السوري، وأن روسيا وإيران والصين كانت هي المؤيدة لبشار. وقد تبدو هذه القسمة صحيحة بادي الرأي، وظاهر الأمر، ولكن حقيقة الموقف الأمريكي ومن في سياقه لم تكن حقيقته كما في ظاهره.

كان الموقف الأمريكي في حقيقته مكملاً للموقف الروسي ومتساوقاً معه. إن إصرار الرئيس الأمريكي أوباما على ما سماه الحل السياسي كان يعني ضمناً تمسكاً ببشار الأسد أو زمرته ودفاعاً عنهم. ثم إن تقييد الولايات المتحدة سياسات تسليح السوريين بالأسلحة المطلوبة للدفاع عن أنفسهم، كان جزءاً من سياسة الانحياز الأمريكي إلى بشار الأسد؛ ليقابل هذا التقييد إطلاق يد الأسد في استخدام كل الأسلحة الثقيلة بما فيها سلاح الطيران، لقتل مدنيين عزل، حيث كانت البيوت الطينية تقصف بالقذائف زنة ألف كيلوجرام! في تحد واضح للقانون الدولي، ولوثائق حقوق الإنسان. ولم تضع الولايات المتحدة غير خط أحمر واحد أمام بشار الأسد وهو السلاح الكيماوي، ثم تسامحت معه وسكتت عنه كما سكتت عن غيره.

ومما يحسب على الموقف الأمريكي إغضاء الولايات المتحدة عن تدخل إيران ومليشياتها الطائفية، ومن ثم سماحها لروسيا وهي دولة عظمى أن تدخل المعركة بكل ثقلها ضد شعب مستضعف أعزل، حظر عليه أن يمتلك من السلاح ما يدافع به عن نفسه.

وكان المتمم للموقف الأمريكي فرض الولايات المتحدة سياستها على الدول الإقليمية الإسلامية والعربية المؤيدة لحقوق السوريين. فقد استخدمت الولايات المتحدة نفوذها على هذه الدول، فحالت بينها وبين تقديم الدعم الحقيقي الذي يتطلبه الموقف سريع التغير. لقد تلخصت سياسات الولايات المتحدة في هذا الصراع في الحفاظ على تفوق بشار الأسد بأسلحته وحلفائه في مسعى واضح لإعلاء شأن الجبهة الشيعية الطائفية، وبث روح التنابذ والفرقة والاتهام بين أهل الإسلام شعوباً وحكاماً.

في ظل هذه الحقائق الصادمة، تمت إدارة الصراع. صراع لم يبخل فيه الشعب السوري بتضحية ولا دم، كما لم يبخل أولو البقية من الشعوب العربية والمسلمة بعطاء.

إن أكبر خلل وقع فيه الصف المسلم شعوباً وحكومات هو عجزه عن إيجاد مرجعية مركزية تدير الصراع، وتواجه مخططات العدو، وتكشف مناوراته، بل ظل أمر الثورة السورية، بفعل عوامل كثيرة، فوضى بلا قائد ولا ناظم، ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم كما قال الأول.

إن حقيقة الحقائق في الحديث عن الصيرورة المستقبلية للوضع في العراق والشام واليمن أن المعركة في الأقطار الثلاثة معركة واحدة، وأن تداعياتها وما يترتب عليها واحدة أيضاً. وأن هذه المعركة هي جزء من الحرب الوجودية التي أعلنها الولي الفقيه على هذه الأمة انطلاقاً من هذه الأقطار. عنوان الحرب الوجودية هتف به مستشار خامنئي من طهران، وحسن نصر الله من بيروت أكثر من مرة، وهي الحرب التي تستهدف هذه الأمة في وجودها الحيوي والعقدي والثقافي والسياسي.

إن من يرجع إلى ما آل إليه عدد المسلمين من أهل السنة والجماعة في العراق خلال أقل من عقدين من الاحتلال الأمريكي ثم الصفوي الرافضي الإيراني، وحقيقة ما آل إليه عدد أهل السنة والجماعة في سوريا، حيث لم يخجل بشار الأسد من إعلان الغبطة بمجتمع أكثر تجانساً؛ يدرك حقيقة وأبعاد هذا الصراع، وماذا يراد منه ويعول عليه.

وإن من تمام الإدراك لطبيعة هذا الصراع أن يدرك كل مسلم في هذا العالم، ولاسيما في الأقطار التي تلي الأقطار المبتلاة، أن المسلمين في العراق وفي سوريا وفي اليمن يخوضون جهاد دفع وليس جهاد طلب. وعنوان جهاد الدفع بكل أحكامه كاف وحده ليلخص الواجبات والتداعيات والتراتيب والمسئوليات. ففي جهاد الدفع تضيق الخيارات على أهل البلاء وعلى من يليهم من أهل الإسلام حتى تتم الكفاية كما هو مقرر في مواضعه من فقه الفقهاء.

وإن من تمام فقه هذا الواقع أن يدرك أبناء هذه الأمة أن هذه الحرب المفروضة في ظاهر الأمر على أهل العراق والشام واليمن، هي مفروضة بالمعيار نفسه على الجميع وعلى التوالي، كلما اجتاح العدو خندقاً انتقل إلى الذي يليه في متوالية لا محدودة تتجاوز في أبعادها أصحاب مشروع «من الفرات إلى النيل».

ولكي لا نضيع في غياهب التحليلات، ونحن نتابع تكاتف قوى الشر من تحالف الصاد (الصليبي بشقيه الأرثوذكسي والكاثوليكي - الصفوي - الصهيوني)، ضد الأمة المسلمة على كل الجغرافيا المسلمة، كما نتابع في الوقت نفسه انسلال العديد من الدول المسلمة من تحمل مسئولياتها في حماية البيضة، والذود عن الحوزة؛ فإن الذي ما زلنا نراه ونؤمن به هو أن المعركة في سوريا وفي العراق وفي اليمن هي معركة صراع إرادات.

إن المسلمين في الشام والعراق يملكون الإرادة والعزم والتصميم للذهاب في هذه المعركة حتى نهايتها، متوكلين على الله متمسكين بجميل وعده لعباده المؤمنين. وسيبقى مستقبل هذه المعركة، ومستقبل هذه الأمة مرتبطاً إلى حد كبير بإدراك أولي البقية من قيادات المسلمين وعلمائهم وأفرادهم، كلٌّ بحسبه، حقيقة ما تتطلبه المعركة من عزم وبذل وثبات وتصميم. وقبل كل ذلك من وحدة كلمة ووحدة صف، وتعاون على البر والتقوى وفق أولويات المعارك في درء المفاسد الأعظم فالأعظم.

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].