شكلت الطريقة التي تعامل بها النظام السوري مع شعبه صدمة لدى الرأي العام العربي؛ دفعت القيادات السياسية العربية إلى التبرؤ من هذا النظام بعد فشل نصحه، ودعوة رئيسه بشار الأسد إلى التنحي، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ دعا العاهل الأردني عبد الله الثاني نظيره السوري للتنحي[1]، كما دعا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بشار الأسد لتصحيح المسار وترك الفرصة لغيره[2]. أما قطر فقامت بسحب سفيرها من دمشق، وإغلاق سفارتها على إثر الاعتداء عليها من قبل شبيحة النظام[3]. وعدا عن دول قليلة وقفت إلى جانب النظام السوري كالعراق والجزائر، فقد تميز الموقف اللبناني بسياسة النأي بالنفس، برغم أن «حزب الله» وقف عسكرياً إلى جانب النظام، في حين تبدل الموقف المصري ما بين عهدي محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي، فبعدما كان النظام المصري نصيراً للثورة السورية بات نظام السيسي أقرب إلى نظام الأسد.

ومع تصاعد السخط الشعبي والعزلة الدولية للنظام السوري جرى تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية في نهاية العام 2011م واتخذ القرار بموافقة 18 دولة، في حين اعترضت اليمن ولبنان على القرار وامتنع العراق عن التصويت[4].

بعد هذه العزلة واستمرار أعمال القتل، وعسكرة الحركة الاعتراضية على النظام، بدأ يُطرح التدخل العربي؛ عسكرياً وسياسياً، وإغاثياً.

ثم جاء التدخل الروسي..

بعد تدخل مليشيا «حزب الله»، والحرس الثوري الإيراني، والمليشيات العراقية.. دون أن تنجح بوقف انهيار النظام السوري؛ جاء التدخل الروسي بطلب من بشار الأسد في 30 سبتمبر 2015م[5]، وإزاءه اتسمت مواقف الدول العربية بالتباين الشديد، حيث انتقدت المملكة العربية السعودية وقطر - إلى جانب تركيا وأربع دول غربية في التحالف الدولي - هذه الأعمال، وطالبت بوقف استهداف المعارضة والمدنيين السوريين، فيما أيدت وباركت مصر والعراق علناً هذه الغارات، ولم يصدر عن باقي الدول العربية أي مواقف علنية حيال هذا التدخل.. وبدلاً من ارتفاع وتيرة الدعم العربي لفصائل الثورة السورية استمر الانكفاء العربي، وتفجرت أزمة بين قطر والسعودية أضعفت من قدرة العرب على التأثير.

في لحظة سابقة؛ ظن السوريون أن وجود قواتٍ عربيةٍ على أرضهم سيوقف الاندفاع الروسي، ويعيد التوازن إلى ميزان القوى. وفي لحظة سابقة ظنوا أن سقوط حلب كلها بيد النظام السوري وحلفائه خط أحمر عربي (وتركي أيضاً).. وفي وقت سابق ظنوا أن مؤتمر الرياض، وتدخل السعودية في تركيبة «المجلس الوطني» ولاحقاً «الائتلاف الوطني السوري» سيزيد من قوة المعارضة السورية في مواجهة بشار الأسد، لكن الوقائع أثبتت أن ذلك كله لم يكن إلا وهماً، فقد سقطت حلب في 20 نوفمبر 2016م[6]، وتعاظم الدور الروسي، وأصبحت موسكو ناظمة الحل في سوريا، وأطلقت مساراً خاصاً بها في أستانا.

التدخل العربي ومساعدة الشعب السوري

في الواقع قد كان التدخل العربي الصادق في القضية السورية مطلباً شعبياً، بل حلماً سورياً لم يتحقق.

على الصعيد العسكري:

كان الشعب السوري ينتظر قواتٍ عربية ازدهر الحديث عنها بعد «عاصفة الحزم» في اليمن، لكن تبين فيما بعد أن هذا التدخل المناصر للثورة لم ولن يحصل. العرب لم يتدخلوا في سوريا؛ لا كقواتٍ تدافعُ عن مكتسباتِ الثورة السورية، ولا كقواتِ فصل، ولا أدنى من ذلك من خلال مستشارين ومدربين، علماً أن مصر السيسي سجلت تدخلاً عسكرياً من خلال ضباط مستشارين وطيارين يعملون في مطار حماة، وفي مقر قيادةِ الأركانِ السورية، كما قدمت معامل التصنيع الحربي المصري ذخائر حربية مختلفة لبشار الأسد، أي في الاتجاه المعاكس[7].

وإذا كان التدخل العسكري بالوجوه المتقدمة متعذراً، فإن التسليح العربي وكسر التفوق الجوي ظلَ مطلباً دائماً لفصائل الثورة، وهو أمرٌ لم يتحقق، ولا يمكن أن يتحقق في المدى المنظور، لاعتبارات عديدة سياسية وأمنية ولاسيما بعد التدخل الروسي.

بقي أن التدخل العسكري الذي حصل - وإن بتراجع ملحوظ - هو الدعم المادي لفصائل الثورة وتسهيل دخول السلاح التقليدي إليها عبر تركيا، وقد كان لهذا النوع من الدعم آثار إيجابية على صعيد زيادة قوة الفصائل المسلحة، كما كانت له آثار سلبية على استقلالية الفصائل وتسييرها وفق «أجندات» الداعمين، وتأتي في طليعة الدول التي استثمرت في المجال العسكري السعودية وقطر، وقد سهل هذا الأمر لكليهما، لعب أدوار سياسية وعسكرية في سوريا؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر النجاح في إبرام صفقة الإفراج عن مختطفي معلولا واتفاق المدن الأربع (الفوعة وكفريا ومضايا والزبداني).

ومع أن الدعم لم يكن كافياً في يوم من الأيام حال التوافق الظاهر بين الدوحة والرياض، إلا إنه أصبح أكثر محدودية وتنافراً مع الأزمة الخليجية بين العاصمتين. وهكذا أصبحت الفصائل القريبة من قطر على شقاق مع الفصائل القريبة من السعودية. وعلى سبيل المثال لا الحصر «فيلق الرحمن» و«أحرار الشام» باتا بمواقفهما يعبران أكثر عن قربهما من قطر في مقابل «جيش الإسلام» الأقرب إلى السعودية. بل إن القوى الكبرى أمثال «أحرار الشام» وهي تضم مقاتلين بعشرات الآلاف باتت عرضة لانقسامات داخلية تأثراً بالنزاع الخليجي.

على الصعيد السياسي:

وقفت دول الخليج إلى جانب الثورة السورية، ودعمت المجلس الوطني السوري، ولاحقاً الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة (تشكل في قطر عام 2012م)، لكن هذا الدعم كان مشوباً بملاحظات عدة.

لجهة الفاعلية: لم يكن الدعم السياسي للثورة السورية بالحجم المأمول منه ولا كان ذكياً ولا مفيداً كما ينبغي، خصوصاً إذا ما قورن بالدعم السياسي الروسي أو الإيراني لبشار الأسد.

لجهة الثبات: فبعدما كان هناك شبه إجماع على رفض التعامل مع بشار الأسد في العامين الأولين للثورة السورية، وبعد أن مثل الائتلاف الوطني سوريا في القمة 24 بالدوحة عام  2013م[8]؛ سمح في قمة الكويت لممثل الائتلاف الوطني بالحضور دون الجلوس على مقعد سوريا[9]، أما في نهاية العام 2015م فغُيب الائتلاف عن تمثيل سوريا في القمة 26 في شرم الشيخ[10].

لجهة التأثير على القرار وتركيبة المعارضة: إذ لطالما سمع العالم شكوى المعارضين السوريين من تحكم الجهات الداعمة بقرارهم وصولاً إلى فرض مرشحين على رئاسة المجلس الوطني، ثم الائتلاف من بعده، وفرض مؤتمرات لتبني خطاب معين أو التلاعب بتركيبة المؤسسات السياسية وصولاً إلى فرض قوى وهمية و«منصات» هجينة والتعامل معها بقياسات أكبر منها لأهدافٍ سياسيةٍ للدول التي تحركها.

على الصعيد الإغاثي:

قدمت الدول الخليجية كافة؛ مساعداتٍ جيدة للسوريين في الداخل والخارج، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تجهيز المستشفيات الميدانية والعامة، وتأمين الأدوية وتجهيز البنى التحتية، كما قدمت دول الخليج مساعدات كبيرة في مجال الإغاثة والتربية والتعليم.

وسلكت المساعدات مسالك عدة:

مساعدات من خلال الدولة.

مساعدات من خلال الجمعيات والحملات الأهلية.

مساعدات من خلال المجلس الوطني، عبر مكتب الإغاثة المدعوم من الدول الخليجية على وجه التحديد.

لكن المساعدات تراجعت مع الوقت بالطرق كافة؛ فأسهم ذلك في مزيد من الضغط على الشعب السوري الذي وجد نفسه محاصراً بين تزايد الهجمات العسكرية عليه وتراجع دعم المؤيدين وجفاف المساعدات الإنسانية.

نتيجةً لهذا الواقع؛ بات الحضورُ الروسي سياسياً وعسكرياً هو المهيمن لدرجةِ ارتضاء السوريين بوجود شرطيٍ روسي في مناطق خفض التوتر، بعدما كان الجندي الروسي عدواً محتل.

في الأثناء؛ تقوم الدول العربية بخطوات تراجعية فرادى أو جماعياً، ما يزيد من صعوبة وتعقيد المشهد السوري في المرحلة الراهنة من عمر الثورة السورية.


 


[1] https://goo.gl/SAaiHm

[2] صحيفة الشرق الأوسط، لندن، العدد 12151، 5/3/2012م.

[3] صحيفة الوطن القطرية، العدد 5916، 14نوفمبر 2011م.

[4] صحيفة الرياض السعودية، العدد 15847، 13 نوفمبر 2011م.

[5] صحيفة الوطن، 1 أكتوبر 2015م.

[6] صحيفة الوطن، 29 /11/2016م.

[7] صحيفة السفير اللبنانية، 24/11/2016م.

[8] صحيفة الرياض، قمة الدوحة: إسقاط النظام السوري من المنظومة العربية، 27 مارس 2013م العدد 16347.

[9] صحيفة الغد الأردنية،23 مارس 2014م.

[10]  صحيفة الغد، 9 مارس 2015م.