في لفتة أنثوية تربوية، تقول عائشة رضي الله عنها: «اقدروا قدر الجارية العرِبة، الحديثة السن، حريصةً على اللهو»[1].

والجارية هي الفتاة الشابة، قال النووي رحمه الله: «معناه أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حباً بليغاً، وتحرص على إدامته ما أمكنها، ولا تملُّ ذلك إلا بعذر من تطويل، والعرِبة هي الفتاة المشتهية للعب المحبة له»[2].

جاءت هذه اللفتة تعقيباً على القصة التي أخرجها مسلم وغيره عنها، إذ تقول: «دخل عليَّ أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله! وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله: يا أبا بكر، إنَّ لكل قوم عيداً وهذا عيدنا». وفي لفظ له: «أنَّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان، في أيام منى، تغنيان وتضربان، ورسول الله مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله عنه وقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد. وقالت: رأيت رسول الله يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون، وأنا جارية». وفي لفظ له أيضاً: «فإما سألتُ رسولَ الله، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة. حتى إذا مللتُ قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال:«فاذهبي». وفي لفظ: «فدعاني النبي فوضعت رأسي على منكبه، فجعلتُ أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم». وقد كان لعب الحبشة سنة قدومهم، أي: «سنة سبع، فيكون عمرها حينئذٍ خمس عشرة سنة»[3].

إنها رضي الله عنها تتحدث عن حب الفتاة لللهو باعتباره حاجة نفسية فطرها الله عليها، والأمور الفطرية ليست خارجة عن شرع الله، وإنَّ مما يتوجب فعله مراعاة هذه الحاجة الفطرية النفسية لدى البنات، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم معها.. هكذا تتحدث عائشة رضي الله عنها.

لقد كان الرسول المربي صلى الله عليه وسلم يدرك أن إشباع تلك الحاجات لدى عائشة رضي الله عنها حقٌّ عليه، وفي الوقت ذاته هو بناء لشخصيتها، إذ بإشباعها تكمل النفس وتتجه إلى الاستقرار وتتخلص من التوتر والاضطراب وتضيق مساحة الهروب من الطاعات والفضائل، وبذلك فإنَّ إشباع الحاجات ليس من الأمور المباحة فحسب، بل هو مطلب تربوي شرعي في حق من يكون تحت أيدينا في الأسرة والمحضن التربوي، وبهذا يتحمل المربون عبئاً تربوياً في تنشئة الشخصية بكامل مكوناتها، وليس في الجانب الروحي فقط.

كانت عائشة رضي الله عنها بحاجة إلى اللهو واللعب، كما نصت على ذلك في الروايات السابقة، وكانت بحاجة إلى القرب من حبيبها صلى الله عليه وسلم إلى حدِّ الالتصاق، وقد فعَلَتْ، وكانت بحاجة إلى معرفة منزلتها عند حبيبها صلى الله عليه وسلم كما جاء في رواية أخرى: «فقال لي: أما شبعتِ؟ أما شبعتِ؟ فجعلت أقول: لا. لأنظر منزلتي عنده»[4].

إشباع الحاجات مطلب أم ترف؟

الهدف الأم الذي تسعى المحاضن التربوية إلى تحقيقه يتلخص في تكوين الشخصية الإسلامية التي ترضي الله تعالى من خلال صلاحها في نفسها، ومن خلال نفعها لمجتمعها وأمتها. وعلى هذا الأساس تتمحور التربية الإسلامية، بكافة أشكالها وأطيافها.

كل الأهداف التربوية التي تصوغها أقلام المربين إنما هي اللبنات التي يجب أنْ يتشكل منها بناء الهدف الأم، أعني تكوين الشخصية الإسلامية.

وهنا ينبغي التذكير بأنَّ الشخصية الإسلامية لا تتكون من خلال تغذية الإيمان وتشييد الأخلاق فحسب، بل هناك عناصر ومكونات أخرى لها نصيبها من التكوين، وحظها من التشكيل، كتهذيب الغرائز والعيش مع القرآن الكريم وإشباع الحاجات... فهل إشباع الحاجات ترفٌ معنوي يعمل المربون على تحقيقه، أو تحقيق جزء منه بدافع استقطاب الطلاب، أو استبقائهم، أو ترويضهم؟ أم أنه مطلب تربوي له دوره في بناء الشخصية وتكميل الفضائل وتسوية النفس؟

دعوني أعيد طرح السؤال بشكل آخر: هل إشباع حاجات الطلاب يعتبر أمراً ثانوياً، يمكن الاستغناء عنه لضيق الوقت ونحو ذلك من الأسباب؟ أم هو أمر أساسي يجب أن يكون في منظومة الأهداف التربوية، وفي قائمة البرامج العملية؟

النظرية الحديثة للتربية ترى الثاني، وهي بذلك تقترب من النظرية الإسلامية، التي ترى أنَّ إشباع الحاجات مطلب تربوي يبني الشخصية الإسلامية السوية الإيجابية، ويفترقان في الكيفيات والمنطلقات والمقادير، في ما لا يناسب تفصيله هنا.

إذن علينا - ونحن نقوم بواجباتنا التربوية - أن نجعل من إشباع الحاجات النفسية أمراً أساسياً في عملنا التربوي، إذْ يفضي إلى البناء المتكامل والشمولي للشخصية، ويحقق فيها معنى التكريم الذي ميز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]. ولذلك عقبت عائشة رضي الله عنها بذلك التعقيب الذهبي، حين قالت: «اقدروا قدر الجارية العرِبة، الحديثة السن، حريصةً على اللهو».

قال الماوردي: «فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه، فإنَّ الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة، وشهوة باعثة. فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع وسكن الظمأ، وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين، لأنه يضعف الجسد، ويميت النفس، ويُعجِز عن العبادة، وكل ذلك يمنع منه الشرع، ويدفع عنه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد، لأنَّ ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثواباً وأعظم أجراً»[5].

التربية الإسلامية لا تلغي الحاجات، بل تدعو إلى إشباعها لما تؤدي إليه من استقرار نفسي يبعث النفس إلى المزيد من القربات والطاعات، وها أنت ترى فقهاء التربية الإسلامية يوصون ويحضون على إشباعها، ويذمون التقصير في شيء من ذلك، لما يؤول إليه هذا التقصير من اضطراب النفس وذبول الشخصية؛ وهما اللذان يدفعان الإنسان إلى الهروب من مربع القربات والطاعات. ألا ترى أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم استعاذ من الهم والحزن، إذ يمثلان تضخماً في جانب الحاجات ونقصاً في جانب إشباعها، فتعوذ منهما لما يؤولان إليه من تثبيط النفس عن الطاعة، ودفع إلى الإشباع المحرم.

إن المحاضن التربوية معنية برعاية حاجات الطلاب المختلفة، حتى تكون قادرة على بناء الشخصية الإسلامية المستقرة، وتكوين الإنسان الصالح السوي، وهذا من فقه النفوس التي سواها رب العالمين، وقد أشار ابن تيمية إلى نقطة مهمة في هذا الأمر، إذ يقول: «إن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله مع النية الصالحة»[6]، وهو بهذه الإشارة يجعل من إشباع الحاجات مما يؤجر عليه الإنسان إذا حضرت النية الصالحة، وهذا يعني تحول الإشباع من كونه أمراً مباحاً ولذة حاضرة إلى كونه قربة لله تعالى. بل إن الله تعالى يمتن على نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه آواه يتيماً، وهداه من الضلالة، وأغناه من الفقر: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى 6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى 7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: ٦ - ٨]، فقرن بين الهداية وبين الإيواء والإغناء، وجعلهما في مصفٍ واحد.

تنوع الحاجات

لا شك أنَّ أعظم حاجة لدى الإنسان هي الحاجة إلى القرب من الله تعالى وتلمس رضاه وتأليهه وعبودية القلب له، إذ تتمزق الروح تمزقاً مريعاً حين لا تشبع حاجتها من الاقتراب من الله تعالى، إنها مسألة تتعلق بروح الإنسان وقلبه، قال ابن تيمية رحمه الله: «القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسر ولا يطيب ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والمتعة والسكون والطمأنينة»[7].

وابن تيمية أيضاً يفسر سقوط الإنسان في العشق بانصرافه عن عبادة الله تعالى وإعراضه عنه، أيْ إنَّ القلب سيظل يبحث لاهثاً عن محبوب يؤمُّ قلبه نحوه، قال رحمه الله: «ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإنَّ القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ولا أطيب. والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه»[8].

وفي الإنسان العديد من الحاجات التي تتمحور حياته حول إشباعها، إضافة إلى حاجة القلب إلى العبادة والتأله.

وقد اجتهدَت المدارس التربوية في تعداد هذه الحاجات وتصنيفها، ومن أشهر هذه التصنيفات: هرم ماسلو، وللدكتور عبد العزيز النغيمشي تصنيف بارع، استقاه من قراءته الإسلامية للتربية.

الحاجة إلى اللهو والترويح، والحاجة إلى الهوية، والحاجة الاجتماعية المختلفة الأطوار، والحاجة إلى التقدير والقبول، والحاجة إلى التعلم والمعرفة، والحاجة إلى الغذاء، والحاجة إلى الصحة، وغير ذلك من الحاجات المختلفة، فطرها الله في الإنسان وهيأه للسعي لإشباعها، وجعل لإشباعها طرائق وكيفيات ومقادير.

واجب المربي اليوم أنْ تكون الحاجات - شاملة أنواعها وطرق إشباعها - أحد أهم المعارف التي عليه أنْ يتعلمها بشكل جيد، إذ تمثل محوراً من محاور العمل التربوي، فإنَّ النفس إذا استقرت وتهذبت صلحت ونفعت، وإذا صلحت ونفعت فيعني ذلك تحقق هدف التربية الإسلامية.

وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بالشواهد الكثيرة على إشباع الحاجات، فهو مرة يزور المريض ويؤنسه، فيشعر هذا المريض بالارتياح والسكون لأن حاجته إلى القبول قد أشبعت بزيارة نبي الأمة له، ولأن حاجته إلى الصحبة الودودة التي تخفف عنه شدة المرض قد أشبعت أيضاً.

ومرة يعلِّم فقيراً طريقة التكسب، ويتابعه في ذلك، فيشعر هذا الفقير بالارتياح لأن حاجته إلى إثبات ذاته قد أشبعت باستغنائه عما في أيدي الناس، فأدى ذلك إلى إشباع حاجته إلى التقدير والقبول، كما أنَّ حاجته إلى الأمن الاجتماعي قد أشبعت إذ يدرك أنَّه في حال تعثره يوجد من ينهض به.

ومرة يطيل صلى الله عليه وسلم السجود لأنَّ حفيده الطفل قد ارتحله، فكره أنْ يقطع عليه لهوه أو يحرمه من عطف الجد. ومرة يوصي بدواء محدد لمريض بعينه، ومرة يبتسم في وجه صاحبه... وهكذا من المرات التي لا تحصر في تلمسه صلى الله عليه وسلم لحاجات الناس. إنه الشعور المسؤول عن واجب التربية.

ميزان الحاجات

سعي الإسلام في منحاه التربوي إلى إشباع الحاجات يتمثل منهجاً وسطاً عدلاً. والميزان حتمٌ في التربية كما هو حتم في كل شأنٍ من شؤوننا: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ 7 أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ} [الرحمن: ٧، ٨].

ويجب على أهل التربية إقامة الميزان التربوي للحاجات مرتين:

- مرة لمقادير الحاجات مع بعضها، إذ يجب أن تُشبع الحاجات دون الإخلال بحاجة أو بأخرى، ولا يُنظر إلى الحاجات باعتبار بعضها أساسياً وبعضها ثانوياً، فهي كلها مكملة لبعضها ومتممة.

نعم، للحاجات سلم تترتب فيه أولويات الإشباع، إذ يقتضي هذا السلم المفاضلة بينها حين التزاحم فقط، وليس التخلي عنها في غيره.

- ومرة يقيم أهل التربية الميزان لضبط مقدار إشباع كل حاجة من الحاجات، فلا إفراط ولا تفريط، قال الماوردي: «شهوة الزيادة على قدر الحاجة والإكثار على مقدار الكفاية ممنوع منه في العقل والشرع». وقال: «وأما النوع الثاني وهو شهوة الأشياء اللذيذة ومنازعة النفوس إلى طلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة، فمنهم من يرى أنَّ صرف النفس عنها أولى، وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها، ويهون عليه عنادها.. وقال آخرون: تمكين النفس من لذاتها أولى، وإعطاؤها ما اشتهت من المباحات أحرى، لما فيه من ارتياح النفس بنيل شهواتها، ونشاطها بإدراك لذاتها.. وقال آخرون: بل توسط الأمرين أولى، لأن في إعطائها كل شهواتها بلادة، والنفس البليدة عاجزة، وفي منعها عن البعض كف لها عن السلاطة، وفي تمكينها من البعض حسمٌ لها عن البلادة. وهذا لعمري أشبه المذاهب بالسلام، لأن التوسط في الأمور أحمد»[9].

وقد قدمت شريعتنا الحكيمة معايير التوسط والاعتدال في إشباع الحاجات، من خلال ما يتألف من نصوص الوحي، وما سطره علماء الملة من الأحكام الفقهية وقواعدها ومقاصدها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة»[10]. وفي هذا الإطار تُفهم مسألة الضرورات الخمس تربوياً.

ومهما يكن فإنَّ على أهل التربية أنْ يعتنوا عناية بالغة بمسألة الحاجات ورعايتها، دراسة وفهماً وتخطيطاً وعملاً، كخطوة جبارة في تطوير العمل التربوي، والله الموفق.


 


[1] أخرجه مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، 2/608، ح892.

[2] شرح النووي، 6/424.

[3] فتح الباري، 2/516.

[4] أخرجها الترمذي، كتاب المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، 5/621، ح3691.

[5] أدب الدنيا والدين، ص306.

[6] مجموع الفتاوى، 28/366.

[7] العبودية، ص97.

[8] العبودية، ص99.

[9] أدب الدنيا والدين، ص307.

[10] أخرجه البخاري معلقاً، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] .