عندما يتخففُ الإنسانُ من ضغطِ الواقعِ ويتفكرُ بعمقٍ في ما يجري من حولِه من أحداثٍ عظامٍ يتكشفُ له أن سنةَ التداولِ تجري على كلِّ الأممِ بلا استثناءٍ، قالَ تعالى: «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ»، وهذا يفسرُ حساسيةَ الأممِ الشديدة ِمن أيِّ علامةٍ لظهورِ قوةٍ جديدةٍ، ومن هنا نفهمُ سببَ قيامِ فرعونَ بقتلِ أبناءِ بني إسرائيلَ وقيامِ الغربِ بحربٍ شعواءَ على الحجابِ؛ إنه الخوفُ من المستقبلِ، فرياحُ التغييرِ لا يحسُّها لا العوامُ ولا الكثيرُ من القادةِ الذين يغرقون أنفسَهم في التفاصيلِ التافهةِ.

ولنا في قصةِ أبي سفيانَ مع القيصرِ عبرةٌ، فكلاهما قائدٌ لديه عقلٌ ودرايةٌ ولكن الذي غَرِقَ في تفاصيلِ الحدثِ لم يصلْ للنتيجةِ التي وصلَ إليها القيصرُ من خلالِ مقابلةٍ واحدةٍ وعدةٍ أسئلةٍ مصاغةٍ بعنايةٍ، فقد قالَ حينها: لئن صدقتَ ليملكنَّ ما تحتَ قدميَّ هاتين. أما أبو سفيانَ فوصلَ إلى هذه النتيجةِ بعد هذا اللقاءِ بسنواتٍ يومَ فتحِ مكةَ عندما قالَ للعباسِ لقد أصبحَ ملكُ ابن أخيك عظيماً.

إن سنةَ التداولِ تجلبُ الهمَّ والفزعَّ لقادةِ الأممِ المسيطرةِ، فهاجسُ البقاءِ على القمةِ وعدمِ السقوطِ يؤرقُهم ويدفعُهم باستمرارٍ للدخولِ في مشاريعَ التوسعِ وإحكامِ السيطرةِ وما يجلبُه ذلك من صراعاتٍ وحروبٍ تكون سبباً في الإنهاكِ والتراجعِ ومن ثَمَّ السقوطُ النهائيُّ أو المؤقتُ.

وفي المقابلِ فإن سنةَ التداولِ تعطي الزعماءَ الطامحين الأملَ في نجاحِ مشاريعِهم ولو كانت شبهَ مستحيلةٍ، ولنا في نجاحِ جنكيزخانَ عبرةٌ، فقد نجحَ في توحيدِ قبائلِ المغولِ والتترِ فتحولتْ إلى قوةٍ عالميةٍ لفترةٍ قصيرةٍ نسبياً لأنها لا تحملُ فكرةً أو رسالةً، فهي أشبهُ بشجرةٍ بلا جذورٍ.

والمهمُ في هذا المقامِ أن نعرفَ أن سنةَ التداولِ تعني أن أيَّ أمةٍ يمكنُ أن تسودَ إذا أخذتْ بالأسبابِ، وبالمثلِ فإن أيَّ أمةٍ غالبةٍ يمكنُ أن تنحدرَ وقد تندثرُ إذا لم تحافظْ على أسبابِ قوتِها وتمكنِها، وهذا ينطبقُ على جميعِ الأممِ والشعوبِ، ويكفي أن يتجولَ الإنسانُ في الآثارِ العظيمةِ للأممِ التي أسكرتْها القوةُ وتوهمتْ إمكانيةَ الخلودِ، بل وصل بزعمائهم الطغيانُ إلى ادعاءِ الألوهيةِ، ولم يتبقَ إلا شواهدُ الظلمِ والطغيانِ، فالأهرامُ العظيمةُ مجردُ مقابرَ للفراعنةِ، ولم يبقَ من آثارِ الرومانِ إلا ملاعبُهم ومسارحُهم وأماكنُ لهوِهم الوحشيِّ.

وحيث إن الفترةَ القصيرةَ لا يمكنُ أن تحددَ معالمَ التداولِ فيلزمُ أن نحاولَ استعراضَ فترةٍ زمنيةٍ تكونُ كافيةً لتوضيحِ الفكرةِ، ومعينةً على تصورِ المرحلةِ التي نعيشُها، ولنرجعْ إلى الوراءِ لأكثرَ من خمسةِ قرونٍ وسنلاحظُ أن القوى العظمى في ذلك الوقتِ تتكون من الدولةِ العثمانيةِ في أوجِ توسعِها، ويقابلُها تحالفٌ صليبيٌّ تقودُه النمسا والمجرُ في وسطِ وشرقِ أوربا، وهناك إسبانيا والبرتغالُ اللتان قامتا بشنِ حربٍ صليبيةٍ في المغربِ العربيِّ، وتمددَ نفوذُهم على طولِ سواحلِ إفريقيا وصولاً إلى الخليجِ العربيِّ وسواحلِ الهندِ وصولاً إلى الفلبينِ في نفسِ فترةِ استعمارِ الأمريكيتين، وكان الأسلوبُ البرتغاليُّ والإسبانيُّ هو محوَ هويةِ السكانِ أو إبادتَهم ونهبَ الثروات،  وكانتْ سهولةُ التوسعِ مع المكاسبِ الكبيرةِ دافعاً لقوى أوربيةٍ هامشيةٍ للتنافسِ، كالهولنديين والبلجيكِ بالإضافةِ للإنجليزِ والفرنسيين. وخلالَ أقلِ من ثلاثمئةِ سنةٍ ومعَ بدايةِ الثورةِ الصناعيةِ كانتِ الدولةُ العثمانيةُ قد أُنهكتْ من الصراعِ المستمرِ مع التحالفِ الصليبيِّ الغربيِّ بقيادةِ النمسا ويضافُ إليه قوةٌ صليبيةٌ جديدةٌ وهي إمبراطويةُ الروسِ الصاعدةُ التي دخلتْ في صراعٍ دامٍ مع الدولةِ العثمانيةِ، ويلاحظُ هنا أنَّ الإنجليزَ والفرنسيين حلوا محلَ الإسبانِ والبرتغاليين. وفي القرنِ التاسعَ عشرَ ومعَ فورةِ الثورةِ الصناعيةِ بدأتْ فترةُ صراعٍ جديدةٌ مع محاولةِ فرنسا بسطَ سيادتِها على أوربا ومن ثَمَّ على العالمِ وكان من نتيجتِها ولادةُ ألمانيا ودخولُ الروسِ نادي الأقوياءِ، كما تم تحجيمُ فرنسا وكان المستفيدَ الأولَ الإنجليزُ الذين حاولوا تعويضَ فقدانِهم أمريكا الشماليةَ بالتمددِ عالمياً بدءاً من مصر ومروراً بجنوبِ إفريقيا وانتهاءً بالهندِ، وحيثُ إن القوةَ الوحيدةَ الباقيةَ والتي تمثلُ عقبةً أمامَ استكمالِ تمددِهم واستقرارِه هي الدولةُ العثمانيةُ التي حاولتْ النهوضَ أيامَ السلطانِ عبدِ العزيزِ وابنِ أخيه السلطانِ عبدِ الحميدِ فقد كان حلُّ المسألةِ الشرقيةِ أو إسقاطُ الدولةِ العثمانيةِ هو الشغلَ الشاغلَ للروسِ والأوربيين خصوصاً الإنجليزَ والفرنسيين، فقد كانتِ الدولةُ العثمانيةُ تحاولَ البقاءَ وكانتْ سياسةُ السلطانِ عبدِ الحميدِ قائمةً على تقويةِ الدولةِ وإذكاءِ روحِ التنافسِ بين الأوربيين ومنعِ اتفاقِهم على الدولةِ.

ومع دخولِ القرنِ العشرين كانَ التنافسُ الاستعماريُّ على أشدِه، وكانتْ حربُ البوير في جنوبِ إفريقيا لتصفيةِ النفوذِ الألمانيِّ في إفريقيا، وكان مشروعُ تقسيمِ أملاكِ الدولةِ العثمانيةِ جاهزاً للتنفيذِ، ويحتوي على قيامِ القياصرةِ الروسِ برعايةِ إعادةِ إحياءِ الدولةِ البيزنطيةِ في إسطنبولَ مركزِ الكنيسةِ الأرثوذكسيةِ وما حولِها، وحصرِ الدولةِ في جزءٍ من الأناضولِ وتقاسمِ بقيةِ الأملاكِ بين فرنسا وبريطانيا. ولما كانتِ الدولُ الأوربيةُ مرتبطةً بشبكةٍ من الاتفاقياتِ المعلنةِ يقابلُها عددٌ من المعاهداتِ السريةِ التي كان تطبيقُها سبباً في سهولةِ اشتعالِ لهيبِ الحربِ العالميةِ الأولى التي بدأتْ بقيامِ صربيِّ متطرفٍ باغتيالِ وليِّ عهدِ النمسا، ولما أعلنتِ النمسا الحربَ على صربيا ردتْ روسيا بإعلانِ الحربِ انتصاراً لصربيا وهنا دخلتْ ألمانيا نصرةً للنمسا ودخلتْ فرنسا وبريطانيا مع روسيا، وكان دخولُ الدولةِ العثمانيةِ الحربَ الأوربيةَ خطأً فادحاً، وهكذا تورطتِ الدولُ في صراعٍ حتميٍّ ولكنَّ توقيتَه غيرُ متوقعٍ. وفي سبيلِ تطبيقِ المخططاتِ المعدةِ سلفاً دخلتِ الدولةُ الاستعماريةُ الأولى بريطانيا العظمى التي لا تغيبُ عنها الشمسُ ومعها حلفاؤها الروسُ والفرنسيون في حربٍ بريةٍ ضروسٍ ضدَ الألمانِ والعثمانيين، وانتهتِ الحربُ بتحجيمِ ألمانيا وهزيمةِ الدولةِ العثمانيةِ، ولكنَّ الجديدَ أن الألمانَ نجحوا آخرَ الحربِ في تهريبِ زعماءِ الشيوعيين داخلَ روسيا وإشعالِ ثورةٍ انتهتْ بتفككِ الجيشِ الروسيِّ وإعدامِ القيصرِ، ودخلتْ روسيا في مرحلةِ عدمِ استقرارٍ لعدةِ سنواتٍ انتهتْ بقيامِ الاتحادِ السوفيتيِّ وريثاً لروسيا القيصريةِ، وهنا فقدَ مشروعُ إحياءِ الدولةِ البيزنطيةِ الرعايةَ الجادةَ، والأمرُ الآخرُ أن الإنجليزَ والفرنسيين أعلنوا انتصارَهم بفضلِ التدخلِ الأمريكيِّ المتأخرِ والحاسمِ، ولذا فإن الإنجليزَ والفرنسيين هم المنتصرون ولكنهم هم أكبرُ الخاسرين، وإذا اعتبرنا أن الحربَ العالميةَ الثانيةَ استكمالٌ للأولى فإن النتيجةَ هي تراجعُ الإنجليزِ والفرنسيين والألمانِ إلى الصفوفِ الخلفيةِ وبرزتْ أمريكا وروسيا كأقطابٍ جديدةٍ لم تكنْ بالحسبانِ.

لقد كانتْ فترةُ ما بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى قاسيةً على العالمِ الإسلاميِّ الذي لم يعدْ ممثلاً على الساحةِ الدوليةِ وتمَّ تقاسمُ العراقِ وبلادِ الشامِ وبدأَ مشروعُ الدولةِ اليهوديةِ في فلسطينَ وفقاً لاتفاقيةِ سايكسْ بيكو ووعدِ بلفورْ، ولكنَّ سقوطَ روسيا القيصريةِ ووصولَ الشيوعيين للحكمِ غيّرَ المعادلاتِ في ما بقي من الدولةِ العثمانيةِ فقد انسحبَ الروسُ من شرقِ تركيا، بينما بقيتِ الحكومةُ العثمانيةُ الضعيفةُ في إسطنبولَ التي كان يحتلُها الإنجليزُ اعترفتْ بريطانيا وفرنسا بحكومةٍ أخرى في أنقرةَ يقودُها مصطفى كمالْ وسارعَ الروسُ بمدِّ المساعدةِ لمصطفى كمالْ، وهنا تحملَّ اليونانيون وحدهم مهمةَ إنشاءِ الكيانِ البيزنطيِّ الجديدِّ واحتلوا الأجزاءَ الغربيةَ من الأناضولِ ولم يستطيعوا الصمودَ وحدهم أمامَ الأتراكِ فتمتْ هزيمتُهم، وهنا رضي الإنجليزُ بتعديلِ الخطةِ وذلك بالسماحِ بضمِّ المناطقِ التي كانتْ ضمنَ الكيانِ البيزنطيِّ لتركيا الجديدةِ التي انسلختْ من الإرثِ العثمانيِّ وقامتْ على أساسِ علمانيةٍ متوحشةٍ تحاربُ الدينَ والعربيةَ ولا تعترفُ إلا بالقوميةِ التركيةِ، ومن الملاحظِ أن العلويين كانوا أغلبيةَ قياداتِ الجيشِ في عصرِ الجمهوريةِ الأتاتوركيةِ، فهل هذا يفسرُ ضمَّ لواءِ الإسكندرون ذي الأغلبيةِ النصيريةِ للجمهوريةِ التركيةِ وضمَّ لواءِ الموصلِ ِللعراقِ الجديدِ؟ نعم لقد نجحوا في جزءٍ كبيرٍ من المخططِ ولكنَّّ الإنجليزَ خرجوا من قيادةِ الأحداثِ وأصبحوا مستشارين مؤقتين وغابتْ عنهم الشمسُ، ومن الناسِ من ظنَّ أنها لن تغيبَ.

ونحن الآنَ أمامَ واقعٍ جديدٍ، فقد تتابعتِ الأحداثُ بشكلٍ أسرعَ وبقيَ العالمُ يحكمُه قطبان لحوالي أربعينَ سنةً وسقطَ الاتحادُ السوفيتيُّ وتفردتْ أمريكا بالقوةِ والسيطرةِ وأعماها وهمُ القوةِ، وأصبح عدوُّها الجديدُ الغائبَ الكبيرَ الذي تخشى عودتَه، وبدأتْ بالتنفيذِ وتهيئةِ العالمِ لصراعِ الحضاراتِ القادمِ وكان المخططُ يقومُ على إبقاءِ الأتباعِ وإسقاطِ بل وتصفيةِ المشاغبين في العالمِ الإسلاميِّ، وذهبَ مندريسْ وتورقتْ أوزالْ وضياء الحقْ وعبد السلامْ عارفْ. وأخيراً تمَّ إعلانُ نظريةِ الفوضى الخلاقةِ التي كانَ يُعتقدُ أنها خيالٌ فإذا بنا نشاهدُها عياناً بصورةٍ متكررةٍ، فتمَّ إسقاطُ طالبانَ وتدميرُ أفغانستانَ بعدَ احتلالِها وتبعَها العراقُ وتمَّ احتلالُه وتدميرُه وأُتبعَ بسوريا، وبدأتْ إرهاصاتُ تقسيمِ المقسمِ واستغلالِ الأكرادِ في إعادةِ تقسيمِ العراقِ وسوريا والانتقالِ لإيرانَ بعد استنفادِ أغراضِ التحالفِ معها، ولكنَّ الأهمَ استكمالُ تأمينِ عدمِ عودةِ الذي غابَ عن الساحةِ الدوليةِ لمئةِ سنةٍ، ونحن نعيشُ إرهاصاتِ العودةِ بشواهدَ لا تخفى منها بدايةُ تكونِ روابطَ قويةٍ بين دولٍ إسلاميةٍ فاعلةٍ من إندونيسيا شرقاً إلى المغربِ غرباً، ومما يبعثُ الأملَ أن الصينَ خرجتْ من القمقمِ وناضلتْ روسيا عشرين سنةً للوقوفِ على قدميها فوقفتْ، فهل يكونُ صراعُ الأضدادِ سبباً في نجاةِ الوليدِ!

إن تسارعَ تراجعِ أمريكا عن التفردِ يوحي بقربِ حدوثِ تغيراتٍ جذريةٍ فهل يكونُ للأمةِ نصيبٌ؟ الجوابُ نعمْ وألفُ نعمْ فالمسلمُ بطبعِه موقنٌ بعدلِ اللهِ وقدرتِه وأنه لا تزالُ طائفةٌ من أمةِ الإسلامِ على الحقِ منصورةً، ولكنَّ المهمَ أن نعرفَ أن ما يسري على الأممِ في إمكانيةِ الظهورِ الماديِّ فقط لا يسري على العربِ الذين قال عنهم الخليفةُ الراشدُ المسددُ عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه: «نحنُ أمَّةٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلامِ، فمهما ابتغينا العِزَّةَ بغيرِه، أذلَّنا اللهُ»، حيثُ تضافُ الاستقامةُ على أمرِ اللهِ. وإذا تدبرْنا قولَه تعالى: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ»، علمنا أنه يتعينُ على المسلمين التنافسُ للفوزِ بقيادةِ المرحلةِ المقبلةِ، يحدونا في ذلك: الأملُ بالتداولُ والخوفُ من الاستبدالِ.