يبدو المشهد في جنوب اليمن متشابكاً ويزداد تعقيداً مع استمرار رفع بعض المكونات الجنوبية بتعددها شعار «الانفصال» عن شمال البلاد، استناداً إلى عوامل إقليمية، فيما تُظهر المؤشرات أن الأوضاع تتجه نحو صراع مناطقي تغذيه نزعة المناطقية والهويات الجهوية بشكل لافت.

ولا يزال الجنوبيون حائرين في حسابات متضاربة وسط غياب أي طرف يمكن الاعتماد عليه سياسياً في حال تغيرت موازين القوى لصالح الانفصال، في وقت تتوزع المكونات الجنوبية بين خيارات الانفصال الناجز وتصحيح مسار الوحدة مع الشمال على قاعدة «المشاركة في السلطة والثروة»، والفيدرالية متعددة الأقاليم.

إلا إن هناك إرادة حاضرة وبنسبة كبيرة في الشارع الجنوبي للانفصال، لكنها تتأرجح بين العودة إلى دولة ما قبل الوحدة في الشمال، وبين تشكيل دولة تعود بالجنوب إلى وضعه المستقل قبل تكوين جمهورية اليمن الديمقراطية، وهو خيار يلقى قبولاً لدى قوى جنوبية في حضرموت والمهرة (شرقاً) وفي شبوة إلى حد ما.

ومع إعلان التحالف العربي الذي تقوده السعودية  التدخل العسكري في مارس 2015م، لإنهاء الانقلاب الذي قاده المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران وقوات الرئيس المخلوع علي صالح، كهدف رئيس في عملياته، وبرغم تمسك التحالف بوحدة البلد، وتأكيده غير مرة في هذا السياق، إلا إن دعوات الانفصاليين لم تخفت بل زاد صوتها علواً، بفعل دعم بعض دول هذا التحالف لهذا التوجه، وبرغم أيضاً مساعي الرئيس عبد ربه منصور هادي لاحتواء هذا الصوت، والتعامل مع مظلوميتهم بحكمة، والدفع بأبرز دعاة الانفصال إلى السلطة في عدن والمدن المجاورة لها.

لكن دعاة «فك الارتباط» استغلوا مواقعهم في السلطة الشرعية للتحشيد لمشروعهم وبشكل معلن، بل وقفوا حائط صد أمام تحركات الرئيس هادي وحكومته، مستندين إلى دعم سخي من إحدى الدول المشاركة في التحالف.

وبرز عيدروس الزبيدي، الذي تقلد منصب محافظ عدن، منذ تعيينه نهاية العام 2015م وحتى إقالته في أبريل 2017م، إلى الواجهة كشخصية فاعلة، سخر كل جهده في تعزيز صوت الانفصال، مستغلاً حالة الدعم اللامحدود من قيادة التحالف في عدن.

ودخل الرجل في صراع مبكر مع الرئيس هادي وحكومته، وقوى جنوبية أخرى، وكأنه يخوض معركة تحديد مصير، بلغت ذروتها بعد قرار عزله في أبريل الماضي، من خلال الإعلان عن تشكيل «المجلس الانتقالي الجنوبي» لإدارة شؤون الجنوب.

وجاءت هذه الخطوة في ظل حالة التأزم بين الحكومة الشرعية والعضو الثاني في التحالف العربي، الذي تبنى هذا الإعلان كرد على قرار إبعاد حليفين بارزين له، وهما اللواء الزبيدي من منصب محافظ عدن، ووزير الدولة هاني بن بريك.

وحالياً يشهد الجنوب صراعاً عميقاً وتنافساً شديداً، تغذيه دول إقليمية، نكاية بالسلطات الشرعية، بين الفيدرالية من عدة أقاليم، وهو المشروع الذي يتبناه الرئيس هادي، وبين مشروعين هما الانفصال، والآخر فيدرالية من إقليمين شمالي وجنوبي، لكن روائح المناطقية التي تفوح بين المكونات الجنوبية ضاعفت من مخاوف الشارع الجنوبي، والتي وصلت إلى حالة الصدام المباشر بين القوى الجنوبية المطالبة بالانفصال وفك الارتباط.

ويبدو أن موازين القوى ترجح كفة مشروع الرئيس هادي، الذي يحظى بإجماع قوى سياسية فاعلة في الشمال والجنوب، ويزيل مخاوفهم من الانفصال، إلا إن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي على أكثر من صعيد، وبدعم إقليمي، يشكل هاجساً، لكن انحساره ممكن بفعل شبح المناطقية التي تجتاح الجنوب اليمني من جديد خصوصاً إذا استطاعت الشرعية تطبيع الحياة في المحافظات المحررة ومنها عدن.

ولم يعد يخشى على الجنوب من انفصاله عن الشمال، برغم النشاط المكثف الذي يبذله دعاة الانفصال عبر المجلس السياسي الجنوبي، وبرعاية من داخل التحالف؛ بل أصبح الخوف من انزلاقه في أتون حرب أهلية.

ويحاول دعاة الانفصال الاستناد إلى عوامل قوة، لعل أبرزها التشكيلات العسكرية غير النظامية التي شكلت بدعم من داخل التحالف العربي، برغم أنها تأسست على أساس جغرافي سواء «الحزام الأمني» في عدن وأبين ولحج، أو «النخبة الحضرمية» في حضرموت (شرقاً)، أو قوات «النخبة الشبوانية» في شبوة (جنوب شرق)، وهي كيانات تكرس النزعة المناطقية في إطار الجنوب.

ومما لا شك فيه، أن الانقسام المناطقي العميق الذي أفرزته ممارسات القائمين على هذا الكيان تفقده فاعليته، نظراً للتجربة المريرة التي دُفع أبناء الجنوب بسببها في محطات مختلفة في دورات صراع دموية طيلة خمسة عقود مضت.

ويبدو أن هذه المعضلة لم تتغير، بل أصبحت اليوم أحد عناوين الفوضى والفشل الأمني الذي تعيشه تلك المدن، وخصوصاً عدن، حيث مقر الحكومة الشرعية.

كما أن تعدد التكوينات الانفصالية في محافظات الجنوب، وارتباطاتها الخارجية، أمر مقلق جداً، وقد يفقدها فاعليتها، ويجعلها غير قادرة على التأثير على الحدث في الجنوب، في مسار يعزز من حضور مشروع «الأقاليم الستة»   (4 في الشمال و2 في الجنوب).

وفي ظل حالة الارتباك، ترمي تلك القوى بكل ثقلها للعمل وفق مخطط هدفه إفشال الشرعية والتحالف، وتستغل الانفعال الشعبي وتوظفه بطريقة خبيثة، في محاولة أخيرة لتمكين الحوثية شمالاً ونشر فوضى شاملة في الجنوب، وهو ما يخدم الرغبة الإيرانية في اليمن.

كما أن هناك تحدياً آخر في الجنوب، وهو سيطرة وتفشي التيارات الجهادية وجماعات العنف في خمس من ثمان محافظات جنوبية، ومن ثم فإنه في حال أي عودة للانفصال ستكون اليد الطولى لهذه الجماعات.

وبناء على ما سبق، فإن هناك اتجاهين لتحقيق الانفصال في ظل الحضور الإقليمي المساند له، الأول: إطالة الأزمة وتوجيهها للانفصال مستقبلاً، والثاني: فرض ذلك بالقوة باختلاق ظرف سياسي يجيز الوصاية.

لكن ليس من مصلحة السعودية، التي تقود التحالف العربي الداعم للشرعية، اتجاه الأوضاع في الجنوب نحو الانفصال، كون هذا المتغير يقضي على الثقل السني في اليمن والذي تمثله المحافظات الجنوبية، وهو هدف إستراتيجي تسعى لتحقيقه إيران، لتعزيز حضور حلفائها الحوثيين في الشمال الموزع بين الزيدية والشافعية.

كما أن الخطر على السعودية - ويبدو أنها تدرك ذلك - ليس في بقاء اليمن موحداً، بل الخطر عليها قادم من الشمال اليمني، حيث سلطة جماعة الحوثي المدعومة من طهران.