للآخر العربي والمسلم صورة خاصة في الرؤية الأمريكية، حيث ينظر إلى العرب والمسلمين كأناس حمقى، يشكلون تهديداً لأمريكا في الداخل والخارج، والحل في نظر الإدارة الأمريكية هو المواجهة عن طريق الحرب من جهة، والتضييق على الحريات والعنصرية بشتى أنواعها من جهة ثانية. هذه العنصرية تجاه العرب والمسلمين راكمت لها أمريكا عبر الإعلاميين والمثقفين الذين تبنوا أطروحة الإسلاموفوبيا. وفي هذا المقال سنتوقف مع ستيفن شيهي وتناوله للموضوع من خلال كتابه: «الإسلاموفوبيا.. الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين».

يقول ستيفن شيهي: «في أعقاب 11/9/2001م تم نسف السقف الذي يمكن تقبله لحديث الكراهية ضد المسلمين وضد العرب بخاصة، غدا بإمكان المحرضين متوسطي التطرف من أمثال آن كولتر أن تصرح في الوسائط المطبوعة ما كان لا بد أن يمنعه أي رئيس تحرير مسؤول، حيث كتبت قائلة بعد يومين من أحداث 11/9: يجب أن نجتاح بلادهم ونقتل قادتهم ونحولهم إلى المسيحية»[1].

عنف اللغة، بحسب ستيفن شيهي، تصاعد جداً فهذا الجنرال جيمس ماتيس بالمارينز يقول: «اذهبوا إلى الداخل الأفغاني وستجدون رجالاً يصفعون النساء لعدم ارتدائهن الحجاب. تعرفون أن مثل هؤلاء ليسوا رجالاً ومن ثم فإنها تسلية عظيمة أن تطلقوا عليهم النار»[2].

وهنا يؤكد ستيفن شيهي أن الإسلاموفوبيا ليست أيدلوجيا سياسية في حد ذاتها كما أنها ليست دوجما منعزلة، إنها تشكيل أيدلوجي جديد تم التعبير عنه باكتمال انهيار الاتحاد السوفيتي.

ويرى ستيفن شيهي أن مصدر الإسلاموفوبيا ليس إدارة بعينها، أو أحد المفكرين، أو الفلاسفة، أو النشطاء، أو منفذ إعلامي، أو مجموعة مصالح خاصة، أو مركز أبحاث أو حتى قطاع اقتصادي أو صناعي، فكل هؤلاء مسؤولون بأسلوب جمعي عن نشر التنميطات الخبيثة المعادية للمسلمين والمعادية للعرب. يقول ستيفن شيهي تحت عنوان: «كلينتون/ بوش/ أوباما: استمرارية الإسلاموفوبيا»: «كتب الكثير عن كيفية استخدام بوش لأحداث 11/9 من أجل تغيير طبيعة الحريات المدنية والرئاسية في الولايات المتحدة. يسرت حرب بوش على الإرهاب وما تلاها من حرب أوباما على القاعدة أعمال قمع أنصار البيئة، والنشطاء من مناهضي الحروب.. الإسلاموفوبيا سبقت 11/9 وأيضاً استمرت بعد إدارة بوش، توالت الاستمرارية من رئيس إلى آخر... استمر ظهور المسؤولين ممن خططوا للإسلاموفوبيا، وعملوا على أن تصبح تياراً سائداً وأضفوا عليها الصبغة المؤسسية ورسخوها في عقول الأمريكيين، بل وفي النظام القانوني ذاته»[3].

وقد نبه ستيفن شيهي إلى أن الإسلاموفوبيا ليست حالة شمولية أو مفهوماً أيدلوجياً أو أصم. فهي يجري بثها بهدف أيدلوجي محدد ومن أجل إحداث آثار تعتمد على أوضاع اجتماعية وسياسية وتاريخية واقتصادية محددة ومتنوعة. معتبراً أن الإسلاموفوبيا أحدث تشكيل أيدلوجي يتم نشره من أجل تيسير السطوة الأمريكية في لحظة أحاديتها القطبية.

ثقافة القمع القومية

يذكر ستيفن شيهي أنه في الذكرى الأربعين لاحتلال غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان أصدرت مجموعة من المثقفين والنشطاء والكتاب الأفارقة الأمريكيين البارزين خطاباً إلى أمريكا السوداء حول الحقوق الفلسطينية، وكما كان متوقعاً تم الهجوم على هؤلاء النشطاء ووصفهم الناشط الأمريكي والكاتب المحافظ المتشدد ديفيد هورويتز بالمحبين للإرهاب والمعادين للسامية، وأنه «كان ينبغي على هؤلاء الأساتذة والنشطاء والشخصيات الدينية المعادين للسامية إحياء خمسين عاماً من الحروب القذرة التي شنها العرب على إسرائيل». يعلق ستيفن شيهي قائلاً: «مثل هذا الهجوم مألوف ومجرب. وفيما أن هورويتز الذي لا يتمتع بالمصداقية وليس له سوى القليل من المسوغات، ما هو إلا مهووس بجنون العظمة متخصص في التشهير، فإن مثل هؤلاء الأرزقية المؤدلجين يقومون بدور حاسم في حشد التنظيمات والمؤسسات وتأجيج المشاعر الجماهيرية». وقد بينت هيومان رايتس ووتش أن جرائم الكراهية ضد العرب تزايدت بمعدل 1700% ومضت تتدحرج ككرة الثلج على خلفية من التعليقات وكتابات الرأي المليئة بالطعن والذم التي نشرتها وبثتها جميع وسائل الإعلام المحلية والقومية. يقول ستيفن شيهي: «لم يتصد سوى القلة القليلة للمشاعر التي عبر عنها المذيع مايكل سافيدج، وما كاله من قدح للعرب والحط من شأنهم واصفاً إياهم بأنهم لا آدميون ومتعصبون فاشيون عنصريون يستحقون القصف بالقنابل النووية»[4]، وهذا يفسر أن خطاب الكراهية قد لقي ترحيباً من العامة.

وقد توقف ستيفن شيهي عند تقرير منظمة مكافحة التمييز المتعلق بجرائم الكراهية ضد العرب الأمريكيين، في الفترة ما بين 2003 و2008م، هذا التقرير اعتبره ستيفن شيهي مثيراً للاهتمام، لأن المنظمة تؤكد على التراجع في أعمال العنف ضد العرب والمسلمين في سياق ذكرها أن العنف تراجع من مستوى «المذابح» المنظمة حيث بلغ عدد الضحايا 700 سنوياً إلى متوسط يتراوح بين 120 و130 حالة سنوياً. يعلق ستيفن شيهي قائلاً: «برغم لهجة التقرير المتفائلة إلا إنها تورد قائمة كبيرة من أعمال التحرش والمضايقات والتمييز التي استمرت ضد العرب الأمريكيين طوال العقد الأول من الألفية الجديدة. بيد أن ثمة تقريراً عن أعمال العنف ضد المسلمين في الغرب لمنظمة هيومان رايتش ووتش فيرست يذكر أن جرائم الكراهية ضد الأفراد والمجموعات والمؤسسات المسلمة تزايدت بين 2005 و2006م. تذكر إحدى الدراسات أن عدد جرائم الكراهية التي ارتكبت ضد المسلمين أعلى من العدد الذي ارتكب ضد السود الأمريكيين... لكن ما لا تذكره هذه الدراسة هو أن معدل جرائم الكراهية ضد المسلمين والعرب هو الأعلى عن كل فرد على مستوى الولايات المتحدة»[5]. مؤكداً على أن المضايقات والتشاحنات وحديث الكراهية والهجمات التي يتعرض لها الطلبة المسلمون العرب، والمحجبات والملتحون والمساجد، والمراكز الإسلامية المحلية أكثر من أن تحصى.

أساليب الدفع بالإسلاموفوبيا إلى التيار السائد

يبين هنا ستيفن شيهي أن الإسلاموفوبيا لا تقتصر على جماعات هامشية، أو على الحرم الجامعية الأمريكية، أو تنظيمات الفعل السياسي التي تحاول تشويه صورة الناقدين لسياسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين أو لاحتلال الولايات المتحدة للعراق وأفغانستان. إن الإسلاموفوبيا الثقافية تشكيل أيدلوجي تناسخ بإتقان في الثقافة الأمريكية منذ صعود العولمة بدرجة يقول ستيفن شيهي عنها: «نجد أن الإسلاموفوبيا وكراهية العرب تتداخل في الخطابات الليبرالية. بدءاً من خطابات الأمن القومي وحتى الأطروحات المدافعة عن الاقتصاد غير الضار بالبيئة»[6]. ويرى ستيفن شيهي أن اليمين والمحافظين الجدد يلعبون دوراً مركزياً في الإبقاء على معايير الإسلاموفوبيا ويزودون روايات الليبراليين المعادية للمسلمين بإطار استطرادي. غالباً ما يضيقون حدود الجدل ويحصرونه في نطاق الإفراطات المتطرفة غير المتقبلة في المجالات الأخرى، والافتراءات، والانتحال، والفهم الخاطئ المتعمد. ويؤكد ستيفن شيهي على أن التنميطات المعادية للعرب والتعصب ضدهم ظلت سائدة عقوداً، عمل الإعلام وأفلام هوليود ومجموعات الولاءات السياسية والحكومة بل وحتى النظام التعليمي بتناغم واتساق للحفاظ على تنميطات العرب والمسلمين بوصفهم إرهابيين غير عقلانيين، يضطهدون النساء، شهوانيين يدمنون العنف، جهلة، ويتكسبون من النفط.

يرى ستيفن شيهي أن هذا التنميط ليس خطراً على الأقلية العربية المسلمة فحسب، فإن له تداعيات أكثر خطورة على السكان الأمريكيين بعامة، إذ إن الإسلاموفوبيا لا تؤدي فقط إلى هندسة التوافق في أوساط التيار السائد وأمريكا البيضاء على السياسات المعادية للعرب والمسلمين بالداخل والخارج، بل أيضاً على السياسات التي تعمل على تقليص الحريات المدنية للجميع[7]. وبحسب ستيفن شيهي فقد نجح كثير من المدونين والمخبرين المحليين من اكتساب مكانة وظيفية مرموقة من خلال هذيانات الإسلاموفوبيا التي يروجونها، كما يستخدم الممثلون والمطربون الهزليون التنميطات المسلمة والعربية لاجتذاب جماهير جاهزة، وعندما يجهر المسلمون بالشكوى من الإهانات غير المسوغة التي تنهال عليهم، يُتهمون بأن ردود أفعالهم مبالغ فيها وأنهم يحاولون قمع حرية التعبير من جانب من يهاجمونهم.

الأمل والتغيير وأوباما

يعلق ستيفن شيهي على ترشح أوباما بالقول: «احتفى الكثيرون في الغرب والعالم العربي بترشح باراك حسين أوباما كفرصة لحدوث تغيير ورأوا فيه أملاً في انتهاء العنف والقوة الباغية والعنصرية العارية. سرعان ما تبين الكثيرون بعيد انتخاب أوباما وأدائه القسم ما بدا وأنه سجل من الحنث بالوعود كشف التباين بين أقواله الحريرية وأفعاله المشبوهة عن جوهر الرئيس الجديد»[8].

ويرجع دعم الجالية العربية والمسلمة الأمريكية لأوباما إلى حسها المطلق بالحصار الذي عانته في ظل إدارة بوش، يقول ستيفن شيهي: «برغم الدعم حرص أوباما على التباعد عن العرب والمسلمين الأمريكيين إلا إذا كان سيستفيد منهم سياسياً مثلاً. مثلاً في خطاب له أثناء حملته الانتخابية بدترويت التي يسكنها أعداد كبيرة من العرب الأمريكيين، لم يتردد فريق أوباما في أن يطلب من امرأتين محجبتين الابتعاد حيث كانتا تقفان خلفه، كي لا تظهرا في الصورة طوال فترة خطابه»[9]. وهذا العمل كان كافياً لمعرفة سياسة أوباما.

 خطاب أوباما بالقاهرة وهو يخاطب جمهوراً مسلماً، اعترف بتسامح الإسلام مستدعياً أمجاده الماضية وإسهاماته على المستوى العالمي، لكن الملاحظ بحسب ستيفن شيهي أن يتبع ذاك الإطراء الإلزامي بـ«بيد أنه» المميزة، حيث يقول - وكأنما يربط بين الإسلام والإرهاب -: «بيد أننا سنواجه عنف المتطرفين الذين يمثلون تهديداً خطيراً على أمتنا، سنواجههم بلا هوادة»، ثم يمضي قائلاً: «ليست الولايات المتحدة، ولن تكون أبداً في حرب مع الإسلام، لكن واجبي الأول كرئيس هو حماية الشعب الأمريكي»، و«الإسلام دين السلام لكن المتطرفين الذين يرتكبون أعمال العنف استغلوا هذه التوترات في أوساط أقلية لكنها فاعلة من المسلمين». وقد استخدم أوباما لفظ «لكن» و«بيد أن» 39 مرة في خطابه بالقاهرة و30 مرة في خطابه لدى منحه جائزة نوبل. وهي لغة التبرير لأي عمل تجاه العرب والمسلمين. كما لا يمكن تجاهل زيارته للكيان الصهيوني وهي رسالة للعرب والمسلمين بأن التخلي عن الكيان الصهيوني لا يوجد في قاموس أوباما وإدارته، كما في إدارة سابقيه.

من خلال ما طرحه ستيفن شيهي في كتابه الموسوم بـ«الإسلاموفوبيا: الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين» يتضح أن سياسة أمريكا ومعها اللوبي الصهيوني تجاه العرب والمسلمين هي سياسة مدروسة لها إعلامها وأقلامهما ومثقفوها، هدفها الدفاع عن القطب الأحادي الأمريكي وأن الآخر المسلم غير مرحب به.


 


[1] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ترجمة: د. فاطمة نصر، إصدارات سطور الجديدة، ط1، 2016م، ص37.

[2] المصدر نفسه.

[3] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ص45.

[4] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ص 218- 219 .

[5] المصدر نفسه، ص219.

[6] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ص231.

[7] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ص236.

[8]المصدر نفسه، ص289.

[9] الإسلاموفوبيا الحملة الأيدلوجية ضد المسلمين، ستيفن شيهي، ص321 .