بدا ملفتاً للانتباه في الآونة الأخيرة حجم عمليات بيع الأراضي والصفقات المشبوهة التي تقوم بها الكنيسة البطريركية اليونانية الأرثوذكسية بقيادة ثيوفيلوس الثالث وسلفه البطريرك إرينيوس الأول؛ لرجال مال وأعمال وشركات وجمعيات صهيونية داخل الأراضي المحتلة.

هذه التصرفات الخائنة التي تقوم بها الكنيسة تجعل من المشروع التساؤل: لمصلحة من تعمل الكنيسة البطريركية في القدس؟

وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال يبدو واضحاً أنَّ الكنيسة التي تتشدق بالوطنية؛ تتصرَّف كأنَّها مؤسسة يهودية تعمل في وضح النهار لصالح الاحتلال الصهيوني الذي يسعى جاهداً لطمس الهوية الإسلامية والمسيحية، وتهويد حي النصارى واستبدال هويته بهويةٍ يهوديةٍ صهيونيةٍ؛ في ظل عمليات التهجير القسري وسحب الهويات والبطاقات الشخصية من المقدسيين.

وتتذرع الكنيسة بأنَّ العقارات والأراضي المباعة هي جزء من الأوقاف المسيحية في الأراضي الفلسطينية، والتي حصلت عليها في القرن التاسع عشر عندما اشترت في هذه الفترة مساحات شاسعة تبلغ  نحو 4500 دونم في مركز القدس، علماً بأنَّ الكنيسة الأرثوذكسية تمتلك ربع مساحة القدس القديمة البالغة نحو مليون متر مربع، كما تمتلك مساحاتٍ كبيرةً وأديرةً ومقابر خارج البلدة القديمة في مدينة القدس المحتلة، فضلاً عن عقارات مختلفة في مدن فلسطينية عديدة، لكن جزءاً كبيراً من هذه الأملاك تم تسريبه لليهود من خلال البيع المباشر أو التأجير لمدة 99 سنة.

لقد كشفت صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية العبرية التابعة لمجموعة «يديعوت أحرونوت» يوم 27 يونيو عن قيام بطريركية اليونان الأرثوذكس ببيع 500 دونم من أراضي البطريركية في مدينة القدس المحتلة لشركة باسم «يانوت قومميوت لهشكعوت» بواسطة المحامي نوعم بن دافيد، وخاصة في حي الطالبية الفلسطيني العريق وحي «نيوت» في الشطر الغربي من المدينة، على مقربة من «دير المصلبة» القريب من مبنى الكنيست.

وتمَّت عملية البيع في أغسطس عام 2016م، ولكن افتُضح أمر الصفقة - حسبما تذكر الصحيفة - عندما طلبت البطريركية من محكمة صهيونية إلزام بلدية الاحتلال في القدس المحتلة، بإصدار وثيقةٍ تؤكد أنَّ البطريركية غير مدينة برسوم ضريبة الأملاك (أرنونا) على نحو 500 دونم تم بيعها للشركة المذكورة، ولمستثمرين يهود لم يكشف عن هويتهم. وتشير معطيات مصلحة الضرائب الصهيونية وفق الصحيفة إلى أنَّه قد تمَّ بيع إحدى هذه القطع مقابل مبلغ 38 مليون شيكل (أي 10.5 مليون دولار).

ويدور الحديث وفقاً للصحيفة المذكورة والقناة العبرية الثانية عن صفقةٍ على أراضي الطالبية المحاذية لأرض «حديقة الجرس» والتي كانت سابقاً ضمن ملكية البطريركية، وعلى هذه الأرض مقام 1500 عقار إضافة إلى أراضٍ كثيرة غير مستغلة، يتم استئجارها بموجب عقود ستنتهي عام 2052م.

وقامت الكنيسة خلال العام الماضي بالتوقيع على صفقةٍ لبيع 200 قطعة أرض في حي الطالبية وحي المصلبة لمجموعة مستثمرين لم يتم الكشف عن هويتهم، وتسكن في هذه الأراضي عشرات العائلات. وتنتهي عقود الاستئجار بعد 30 عاماً. في حين دفعت شركة صهيونية سنة 2011م مبلغ 76 مليون شيكل مقابل حقوق احتكار وتأجير لمبانٍ تقع على أراض للبطريركية في القدس، تمَّ تأجيرها منذ العام 1950م ولمدة مئة عام لدائرة أراضي الكيان الصهيوني، ويعيش عليها نحو 1500 أسرة يهودية في عقارات أقيمت فوق هذه الأراضي؛ ما يعني أنَّ شركتين صهيونيتين للمبادرين ورجال الأعمال أنفسهم دفعتا مبلغ 114 مليون شيكل مقابل احتكار هذه الأراضي واستخدامها.

ويذكر الدكتور محسن صالح (في صفحة 280 من كتاب: التقرير الإستراتيجي الفلسطيني لسنة 2009م) أنَّ سلطات الاحتلال حاولت السيطرة على أوقاف الكنيسة بالتواطؤ مع «رجال الدين اليونان» مباشرةً، وسُجِّل في سنة 2009م اعتداء صهيوني على أهم المقدسات المسيحية، حيث بدأت سلطة الآثار في الكيان الصهيوني يوم 23 نوفمبر 2009م؛ بأعمال حفرياتٍ وترميمٍ قرب باب مريم في الجدار الغربي لكنيسة القيامة. وفي أغسطس 2009م كشفت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأرثوذكسي عن بيع البطريرك ثيوفيلوس الثالث مساحة 71 دونماً لشركاتٍ صهيونيةٍ من أراضي «دير مار إلياس» على الطريق الواصل بين مدينتي بيت لحم والقدس.

وقامت الكنيسة بتأجير بلدية الاحتلال واحدةً من أكثر المناطق أهميةً في مدينة القدس، وهي منطقة «أرض الأنصاري» التي تم تأجيرها لمدة 250 سنة، وتبلغ مساحتها 25 دونماً، وتبعد مئات الأمتار عن المسجد الأقصى، وهي الأرض التي أقامت بلدية الاحتلال عليها مشروع «الحدائق التوراتية»، وهو مشروع يمتدّ من منطقة العيسوية شمالاً، ورأس العامود وجبل الطور شرقاً، ومنطقة سلوان وجبل المكبر جنوباً، وبرك السلطان سليمان و«ماميلا» غرباً، لتطويق البلدة القديمة والمسجد الأقصى بمعالم يهودية بحتة.

وكشفت صحيفة معاريف العبرية في 18 مارس 2005م عن صفقةٍ سريةٍ قام بها بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية السابق «إرينيوس الأول» بين الكنيسة ومجموعتين استيطانيتين يهوديتين؛ تخلَّت الكنيسة بموجبها عن الأراضي التي يقوم عليها فندق إمبريال (المكون من طابقين مقابل 1.25 مليون دولار) وفندق البتراء (المكون من أربعة طوابق مقابل نصف مليون دولار) ومبنى آخر في شارع المعظمية بالحي الإسلامي في مدينة القدس مقابل ٥٥ ألف دولار، و27 محلاً تجارياً تمتلكها الكنيسة في ساحة عمر بن الخطاب في منطقة باب الخليل في البلدة القديمة بمدينة القدس. وبعدها أعلن الناطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس الأب عطا الله حنا أنَّ المجمع المقدَّس صادق على قرار تنحية البطريرك إرينيوس الأول المتهم ببيع أراضٍ وعقاراتٍ في القدس لمتطرفين يهود.

وتحدَّث المحامي «جهاد ريا» من أراضي 1948م المحتلة لكاتب هذه السطور عن أنَّ الكنيسة باعت مؤخراً نحو ألف دونم من أراضي بلدة قيسارية المهجرة التي تقع على شاطئ البحر وتضمُّ الكثير من الآثار التاريخية بما فيها المدرج الروماني وكنيسة بيزنطية قديمة وآثار رومانية، كل ذلك باعته مقابل مليون دولار، في حين أنَّ التقديرات تشير إلى أنَّ سعر هذه الأملاك يصل إلى مئات ملايين الدولارات. وأضاف أن الكنيسة أجَّرت نحو ٧٠ دونماً من أراضي جبل أبو غنيم إلى المستوطنين لإقامة مستوطنة «هار حوما»، لمدة ٩٩ عاماً، وكل ذلك مقابل 100 ألف شيكل.

ويشير الباحث المتخصص في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية وأوقافها «أليف صباغ» إلى أنَّ الكنيسة أبرمت عامي 1951 و1952م صفقتي بيع للصندوق القومي اليهودي، الأولى يسري مفعولها لمدة 50 سنة والثانية لمدة 100 سنة. علماً بأنَّ الكيان الصهيوني يمتلك الحق بتجديد مدة العقد تلقائياً. كما أنَّ العقد - كما يذكر الأب عيسى مصلح - يمنح رئيس محكمة العدل العليا الصهيونية حق تعيين محكّم لوضع شروط تمديد العقد بما يراه مناسباً وبدون الرجوع للبطريركية التي في هذه الحالة عليها الالتزام القانوني بالقبول.

لعل هذه أهم صفقات بيع واستئجار الأراضي الفلسطينية الموقوفة مسيحياً والتي انفضح أمرها، وبين عامي 1948 وحتى 2017م تاريخ حافل بالتنازلات والصفقات المشبوهة، ومن غير المستبعد أن تكشف الأيام القادمة أسراراً جديدة حول هذا الملف.

لقد فقدت الكنيسة الأرثوذكسية مقبرتها وأراضي دير مار سابا في بيت لحم وأراضي جبل أبو غنيم التي تحوَّلت إلى مستعمرةٍ صهيونيةٍ كبيرةٍ تحمل اسم «هار حوما» في مدينة القدس، كما فقدت أكبر مأوى لحجاج القدس من المسكوب أو أهل موسكو، وعليه يقوم اليوم «معتقل المسكوبية» وأراضي «جبل أبو طور»؛ والحقيقة المُرَّة أنَّ الكنيسة لم تفقد تلك الأراضي والعقارات، بل باعتها بثمن بخس إرضاءً لأسيادهم الصهاينة.

ولعل من المؤسف أنَّ الأراضي المُباعة بواسطة الكنيسة للصهاينة غرب القدس تحتضن اليوم مقر رئيس الكيان الصهيوني والبيت الرسمي لرئيس الوزراء ومبنى وزارة التربية والتعليم والمتحف الصهيوني. أمَّا الأراضي المؤجَّرة فتضمُّ مبنى «الكنيست» الذي أُقيم على أراضي «رحافيا» الواقعة غربي القدس بعد أن استأجرتها «هيئة أراضي الكيان الصهيوني سنة 1952م من الكنيسة الأرثوذكسية لمدة 99 سنة تنتهي عام 2051م.

ويشير الباحث فادي شامية إلى أنَّ المؤسسات الحكومية الصهيونية المذكورة أعلاه مقامة على مساحة 52 دونماً، وتقدر قيمتها الفعلية بأكثر من 500 مليون دولار، وعرض «الصندوق الدائم لإسرائيل» يوم 9 مايو 2008م على الكنيسة تجديد استئجار تلك المساحة لمدة 999 عاماً بدلاً من 99 عاماً مقابل 9 ملايين دولار فقط.

وأخيراً؛ من المؤكد أنَّ عمليات بيع وتأجير الأراضي والعقارات تزيد من حدة الخوف على الأراضي الفلسطينية ليس من الصهاينة اليهود فقط، بل ومن المسيحيين المشبوهين الذين يعملون كأدواتٍ طيعة في يد الصهاينة. والمعلومات المتعلقة بعمليات بيع أراضي وعقارات الوقف المسيحي على مدار العقود السبعة الماضية صادمة للغاية، وتنفي أن تكون الكنيسة البطريركية الأرثوذكسية تنتمي للقضية الفلسطينية، وتجعل من الضروري على العرب والمسلمين أن يقفوا وقفة جادة أمام عمليات بيع العقارات من ناحية، ويضعوا أيديهم على تلك العقارات، ويحاسبوا الأباطرة المسئولين عن تلك العمليات.