عقب إعلان قيام الكيان الصهيوني الذي بني على بحر من الدماء والمجازر والخيانات، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم؛ تبقت داخل حدود فلسطين التاريخية ثلاث مساحات جغرافية تمركز فيها من نزحوا نزوحاً داخلياً أو صمدوا في وجه العصابات الصهيونية، ويتمركز هؤلاء في الضفة المحتلة وقطاع غزة كون تلك المناطق كانت قبل عام 1967م تخضع للسيطرة المصرية والأردنية، أما من عرفوا بفلسطينيي 48 أو عرب الداخل - وهم محور حديثنا في هذا المقال - فهم من يعيشون في ما يعرف بحدود خط الهدنة أو المدن الفلسطينية التي قام عليها الكيان الصهيوني واحتلت قبل عام 1948م، ويخضعون للقوانين الصهيونية، والكثير منهم يحمل الجنسية الصهيونية، باستثناء سكان شرق القدس فهم يحملون في الغالب إقامة دائمة.

وكانت هذه الشريحة من الشعب الفلسطيني برغم دورها المهم في مقاومة المشروع الصهيوني مقطوعة عن العالم العربي والإسلامي لعدة عوامل أبرزها النظرة المريبة تجاههم باعتبارهم عملاء للكيان الصهيوني، وكذلك بسبب التضييقات الصهيونية التي منعتهم من التواصل مع باقي الجسد الفلسطيني، وهذا الأمر جعلهم يقفون على العتبة بين عدة حقول قومية ومدنية متشابكة ومتناقضة تجعل من دورهم في المشروع الوطني الفلسطيني دوراً مركباً ومعقداً.

يروج الكثير من الباحثين إلى أن هذه الفئة من المجتمع الفلسطيني تتمتع بامتيازات وحقوق تميزهم معيشياً وسياسياً واقتصادياً عن سائر أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يدرك هؤلاء أن فلسطينيي 48 تعتبرهم الأجهزة الأمنية الصهيونية مشكلة أمنية إستراتيجية من الدرجة الأولى  لا بد من التخلص منها نهائياً، عبر اجتثاثها من جذورها، أي عبر ترحيلهم خارج حدود الكيان الصهيوني.

فقد ظهر دورهم المعادي للمشروع الصهيوني في أحداث مختلفة مثل يوم الأرض عام 1976م والذي يتم إحياؤه سنوياً، كما أظهرت الأحزاب العربية والإسلامية في الداخل تعاطفاً كبيراً مع قضايا الشعب الفلسطيني وآخرها المشروع الصهيوني الخاص بتهويد القدس.

ويمكن تخليص النظرة الصهيونية تجاه فلسطينيي 48 من خلال مخطط «مئير شطريت» وزير الإسكان الصهيوني السابق الهادف إلى تهجير سكان القرى الفلسطينية «غير المعترف بها» بالقوة، علماً بأن نحو 80 ألفاً منهم يسكنون القرى «غير المعترف بها» القائم معظمها منذ ما قبل إنشاء «الدولة اليهودية».

كما لا تزال الحكومة الصهيونية تتعامل مع هذه الشريحة من أبناء الشعب الفلسطيني وفقاً لقوانين الطوارئ التي ورثتها عن الاستعمار البريطاني، وبموجبها تتم ممارسة الإجراءات القمعية نفسها التي طبقتها بريطانيا على الفلسطينيين في فترة الحكم العسكري، مثل الإقامات الإجبارية والاعتقالات الإدارية ومختلف الأوامر العسكرية المتعلقة بمصادرة الأراضي لأهداف «أمنية» وغير ذلك.

وبحسب مراكز أبحاث عربية فإن مجمل الأراضي المسجلة كملكية عامة للدولة عند قيام الكيان الصهيوني بلغت أقل من 10% من مساحته، بينما اليوم يسيطر على 93% من مجمل الأراضي ضمن مساحته، نتيجة لعملية متواصلة وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، تتمثل في الاستيلاء على الأراضي انطلاقاً من وجهة النظر القائلة بأن أراضي الدولة يجب أن تكون «بأيدٍ يهودية». ونتيجة ذلك فإن الفلسطينيين الذين تجاوز تعدادهم اليوم مليوناً وأربعمئة ألف نسمة في الداخل المحتل ما زالوا محصورين في المساحة نفسها التي عاشوا عليها عندما كان عددهم 160 ألف نسمة بعيد النكبة عام 1948م.

من أبرز مشاريع التهويد التي تدعمها الحكومات الصهيونية المتعاقبة مشروع تهويد النقب التي تمثل مساحتها 62% من مساحة فلسطين، ويبلغ عدد السكان الفلسطينيين فيها 175 ألفاً، ويطالبون بتملك 750 ألف دونم، ويخوضون معارك قضائية مع السلطات الصهيونية للحصول عليها. وإذا قررت السلطات أن تكون كريمة معهم بأن يحصلوا على كل الأرض التي يطالبون بها، فإنهم سيتملكون ما نسبته 5% من مساحة النقب فقط، حيث يشغل البدو اليوم أقل من 2% فقط من مساحة النقب. وتضيق السلطات الصهيونية على السكان في النقب من خلال حرمانهم من الخدمات الطبية والمياه والكهرباء والتعليم بهدف إجبارهم على إخلائها، وهدم المنازل بحجة عدم وجود تراخيص، وتبيد محاصيلهم الزراعية، التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد؛ وتقيم مستوطنات لأفراد من اليهود، بالإضافة إلى تخصيص أراض عامة واسعة جداً لعائلات يهودية معدودة، بهدف منع تطور القرى العربية في هذه الأراضي.

من أبرز الجماعات السياسية التي تحاول تمثيل الفلسطينيين في أروقة الكيان الصهيوني؛ القائمة العربية المشتركة، التي حصلت على 13 مقعداً في الكنيست خلال الانتخابات التي أجريت عام 2015م، ويترأسها المحامي أيمن عودة وهي عبارة عن تكتل بين أهم الأحزاب القومية العربية، وهي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة الإسلامية الجنوبية، والحركة العربية للتغيير. وتنصب جهودها على محاربة القوانين والتشريعات في الكنيست الصهيوني التي تنتقص من حقوق العرب، وتعبث في هويتهم وموروثاتهم الفلسطينية.

الجناح الآخر الذي يمثل فلسطينيي 48 هو الحركة الإسلامية، الجناح الشمالي التي يتزعمها الشيخ رائد صلاح، وتختلف عن الجناح الجنوبي الذي يمثله الراحل نمر درويش كونها رفضت المشاركة في الانتخابات الصهيونية والتعاطي مع مبادرات صهيونية في التقارب مع الجمهور العربي.

منذ عام 1996م وحادثة مقتل رئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابين، بدأت مرحلة صعود اليمين في الكيان الصهيوني، وأخذت الأجهزة الأمنية الصهيونية بالتعاطي مع الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح على أنها خطر حقيقي على استقرار ومستقبل الكيان، وقد تبنت الحركة خطاً مصادماً مع الكيان الصهيوني من خلال تجريم المجندين العرب في الجيش الصهيوني والتصدي لمشاريع التهويد التي تقف خلفها أحزاب يمينية يهودية، ومن أبرز ما زاد حدة الصراع مع الحركة الإسلامية حملتها للدفاع عن الأقصى المعروفة، تحت شعار «الأقصى في خطر»، والتي لا تزال تنظم سنوياً، وتتوج بتنظيم مهرجان حاشد يحمل الشعار نفسه، هذا الأمر جعل الكيان الصهيوني يخشى من قدرة الحركة على أدلجة الشارع الفلسطيني في الداخل وزيادة التحريض عليه، وكان للحركة الإسلامية جهد مميز في ربط الأقصى بالهم الوطني لفلسطينيي 48، مع العلم أن الحركة لم تقتصر في هذا الجهد على الجانب الإعلامي فحسب بل أشرفت على برنامج عملي إعماري تعبوي إعلامي أدى إلى تأصيل علاقة فلسطينيي 48 بالمسجد الأقصى.

وقد نشطت الحركة الإسلامية في إقامة مؤسسات اجتماعية وتعليمية وثقافية وخيرية تعنى بملء الفراغ الناجم عن تقصير مؤسسات الدولة المتعمد في توفير الخدمات لفلسطينيي 48، الذين يعيش 58% منهم تحت خط الفقر وفق إحصاءات مؤسسة التأمين الوطني في الكيان الصهيوني. كما برز دور الحركة في مشروع إقامة حلقات التعليم في المسجد الأقصى ودعم المرابطين وتنظيم خطوط حافلات متواصلة من مدن الداخل عرف باسم مشروع «بيارق الأقصى»، حيث ساهم بشكل كبير في التصدي للاقتحامات اليومية الصهيونية للمسجد الأقصى، وعلى خلفية مشاريعها في مقاومة التهويد فقد أصدرت الحكومة الصهيونية قراراً بحظر الحركة الإسلامية وإغلاق مؤسساتها ومكاتبها، وتم اعتقال الشيخ رائد صلاح والتضييق على القيادات المحسوبة على الحركة.

ويرى الجنرال عاموس جلبوع الذي شغل في الماضي منصب رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية أن حرص الحركة الإسلامية على «أسلمة» المجتمع الفلسطيني يؤدي بشكل تلقائي إلى تكريس عوامل الانفصال لدى فلسطينيي 48، على اعتبار أن تشرب الفلسطينيين قيم الإسلام يقود حتماً إلى موقف عدائي من الكيان الصهيوني، وبالتالي يولد رغبة جامحة للانفصال عنه.

وبحسب معلومات نشرها جهاز الأمن الصهيوني «الشاباك» فإن حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة استعانت بعناصر من الحركة الإسلامية في تنفيذ عملياتها في العمق الصهيوني، برغم عجز المؤسسة الأمنية الصهيونية عن إثبات توجه الحركة نحو عسكرة نضالها ضد الصهاينة.

ويؤكد تقرير صادر عن جهاز الشاباك أن معظم فلسطينيي 48 الذين ثبت تورطهم بالمشاركة في تنفيذ عمليات عسكرية ضد الكيان الصهيوني أو أدينوا بتقديم مساعدات لمنفذي العمليات الذين يفدون من الضفة الغربية وقطاع غزة هم من أنصار الحركة الإسلامية.

وتؤكد السلطات الصهيونية أن سيطرة الحركة الإسلامية على جميع المساجد في الداخل المحتل تفاقم الخطر الذي يعيشه الكيان الصهيوني، فعدد المساجد التي يديرها نشطاء الحركة الإسلامية يفوق عدد المساجد التي تمولها وزارة الأديان الصهيونية، في الوقت نفسه فإن 41% من أئمة المساجد يتلقون رواتبهم من الحركة الإسلامية. وخلال الخمس عشرة سنة الأخيرة تضاعف عدد المساجد في الكيان الصهيوني أربعة أضعاف ونصف، من 80 مسجداً في العام 1988م إلى 363 مسجداً في العام 2003م، حيث يعزى الارتفاع الحاد إلى ظهور الحركة الإسلامية.

ومن أبرز مقومات صعود الحركة الإسلامية وتمسك الفلسطينيين في الداخل بهويتهم العربية الإسلامية ما يعرف بتوجه السلطات الصهيونية لدعم تطبيق تعاليم ما يعرف بــ «الهالاخاه» التي تدعو إليها الشريعة اليهودية في جميع أجهزة الدولة، والتي تعني التمييز بين اليهودي وغير اليهودي في كل مجالات الحياة، وهو الأمر الذي يتجلى في أخطر صوره من خلال احترام حياة الأول مقابل الاستخفاف بحياة الثاني.