الحديث عن إيران والقانون الدولي أقرب ما يكون إلى الحديث عن متناقضين؛ ذلك أن جمهورية إيران الإسلامية التي قامت بعد الثورة الشعبية العارمة التي أطاحت بحكم الشاه في عام 1979م، جاءت وليدة فكر ديني متطرف، بعيدٍ عن فهم القانون الدولي ومبادئه، الأمر الذي نتج عنه أخطاء كارثية في التعامل السياسي مع الدول والمنظمات الدولية على حد سواء.

وحيث إن الانتهاكات القانونية الدولية التي ارتكبتها وترتكبها الحكومات الإيرانية المتعاقبة خلال الأربعة عقود الماضية أكثر من أن تستقصى في عجالة كهذه، فسوف يقتصر هذا المقال على الإشارة بإيجاز إلى أبرز تلك الانتهاكات القانونية الدولية، لعله يشحذ همم الباحثين من أجل تقديم دراسة علمية موسعة في وقت لاحق.

غني عن القول أنه كان بإمكان جمهورية إيران الإسلامية أن تتفادى الكثير من الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها، لو أنها أعارت أذناً صاغيةً لمبادئ القانون الدولي. ولكن استهتار القيادة الإيرانية الجديدة بالقوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان أعان العالم الغربي على الانقضاض عليها من خلال تلك النافذة. إذ برزت إرهاصات عدم اكتراث القيادة الدينية الجديدة بالقوانين الدولية في الأيام الأولى للثورة، حيث أثارت الإعدامات التي نفذتها سلطات الثورة الدموية في الآلاف من الجنرالات العسكريين قلق المنظمات الحقوقية الدولية التي أعربت عن شجبها لتلك الإجراءات التي لم تصاحبها محاكمات عادلة بالمعايير الدولية.

إلا إن القشة التي قصمت ظهر البعير، تمثلت في العدوان الشعبي المدعوم من قوى الثورة الرسمية على البعثة الدبلوماسية الأمريكية في طهران، واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين لمدة 444 يوماً، دون اكتراث بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي التزمت بها إيران، بما في ذلك اتفاقية فيينا لحماية الدبلوماسيين عام 1961م. الأمر الذي آل بعمائم قم إلى مواجهة قانونية دولية في أروقة محكمة العدل الدولية، ومن ثم دفع غرامات تتناسب مع الجرم الذي اقترفته أياديهم، كما حددتها المؤسسة القضائية الدولية.

لعله من المفيد الإشارة إلى أن الاعتداء على البعثات الدبلوماسية لا يمثل خرقاً للقانون الدولي فحسب، بل يعكس بعداً عن مفاهيم الشريعة الإسلامية التي تتوافق مع غالب ما جاءت به القوانين الدولية التي وضعت لحماية الإنسان بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه.

ذلك أن مبدأ «الحصانة الدبلوماسية» المأخوذ به في مختلف أرجاء المعمورة اليوم، والذي بموجبه تعطي جميع دول العالم حماية لممثلي الدول الأخرى لديها لحمايتهم والمحافظة عليهم، له أصل في شرعنا المطهر؛ إذ بتأملنا لحادثة مسيلمة الكذاب، حين بعث رجلين إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم يدعوانه إلى التصديق بأنه شريكه في الرسالة، قال لهما رسول الله صلى الله وعليه وسلم مقولته المشهورة «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقيكما». ومن خلال هذه القصة القصيرة، ندرك أن «الحصانة الدبلوماسية» مبدأ أقره الإسلام قبل أن يعرفه الغرب بقرون طويلة.

بعد تلك الزوبعة الدبلوماسية التي عكست مكانة القانون الدولي في عقلية ولاية الفقيه، استمرت لعبة الاستهتار بالقوانين الدولية من قبل صانعي القرار الصفوي الجديد، ولكن بطريقة أقل غباءً. إذ تمثلت الانتهاكات الجديدة في اختطاف المسؤولين الغربيين عموماً، والأمريكيين خصوصاً، عبر عملاء قم المحليين في لبنان. وقد استطاعت إيران بهذه الطريقة الشيطانية إرغام الولايات المتحدة على التعامل معها بطريق سري ومباشر من أجل الحصول على أسلحة كانت هي في أمس الحاجة إليها لتواصل نزاعها المسلح مع جارتها العراق.

المثير للسخرية أن هذه الحلقة المريبة لم توقع الحكومة الإيرانية في شرك قانوني دولي، ولكنها جَرَّت الولايات المتحدة إلى وحل دستوري داخلي، فيما عرف لاحقاً بفضيحة «إيران -  كونترا»، التي تعد أشهر فضيحة سياسية عرفتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن.

في الوقت ذاته، دفعت إيران ثمناً باهظاً نظير جهلها القانوني الدولي، الذي تمثل في النداء الذي أطلقه قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني من أجل تصدير الثورة إلى العراق وبقية دول الخليج. ومعلوم أن مبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وبقية المعاهدات الدولية تُحرِّم وتُجرِّم التدخل في شؤون الدول الأخرى. إذ بحسب العديد من المتابعين السياسيين فإن الحرب التي شنها العراق ضد إيران عام 1980م، كانت لصرف العراقيين الشيعة الذين استجابوا لدعوة الخميني من أجل بدء حراك ثوري في العراق.

وقد كانت حرب الخليج الأولى - كما عرفت لاحقاً - محل اهتمام منظمات حقوق الإنسان، إذ كانت «جرائم الحرب» تتوالى من ضفتي الخليج إبان الحرب الطاحنة، التي استمرت ثمانية أعوام، يتحمل العراق وزر بدايتها، في حين تتحمل إيران مسؤولية الإصرار على استمرارها. وللحق فإن كلا الفريقين المتحاربين قام بانتهاكات قانونية دولية جسيمة تكاد تشمل جميع فقرات جرائم الحرب المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الثالثة 1949م، المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، واتفاقية جنيف الرابعة 1949م، المتعلقة بحماية المدنيين.

حين وضعت الحرب العراقية - الإيرانية أوزارها، قررت مرجعية قم التفرغ لنشر المذهب الشيعي داخل كل قطر إسلامي. فاستخدمت الحكومة الإيرانية نفوذها السياسي والاقتصادي من أجل تلك الغاية، وهو أمر مخالف لمبادئ الأمم المتحدة، حيث شمل ذلك في معظم الحالات تدخلاً سافراً في الشؤون التي هي من صميم السلطان الداخلي للبلدان التي أقحمت الحكومة الإيرانية نفسها فيها. وقد تمكنت السلطات الإيرانية من استغلال الجانب الاقتصادي المتردي لدى عدد من الدول المسلمة في قارتي آسيا وإفريقيا على وجه الخصوص، لمد نفوذها الديني عبر نشر مذهبها الرسمي، الأمر الذي نتج عنه تفكيك النسيج الاجتماعي في تلك البلاد.

ولكن الأمر الأكثر خطورةً هو الدعم الإيراني المباشر لتشكيل مليشيات غير نظامية في عدد من الدول التي استطاعت التغلغل فيها، وإنشاء ودعم معارضة مسلحة تدين بالولاء لطهران، كما هو الحال في كل من لبنان واليمن والبحرين والكويت. وقد أثبتت الأحداث التي وقعت إبان اضطرابات البحرين عام 2011م، والتحقيقات التي كشفت عنها خلية العبدلي الأخيرة في الكويت تأكد تورط إيران الرسمي في إنشاء ودعم خلايا مسلحة، الأمر الذي يعد انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية. إضافةً إلى ذلك، فإن التهديدات المتكررة التي صدرت من مسؤولين إيرانيين رسميين تجاه كل من الكويت والبحرين تدخل تحت «التهديد باستخدام القوة» المحظور على أعضاء الأمم المتحدة اللجوء إليه، بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وبنفس المنطق العدائي تتواصل التصريحات التحريضية لعدد من المسؤولين الإيرانيين ضد الحكومة السعودية. في الوقت ذاته، أثبتت التحقيقات التي أعلنت عنها الحكومة السعودية تورط إيران الرسمي في أعمال شغب لتعكير صفو الحج في أعوام عديدة.

وفي إطار استمرار التحدي الإيراني للحكومة السعودية، وفي حالة شبيهة بحالة الاعتداء على السفارة الأمريكية في طهران، استهدفت الحكومة الإيرانية سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها في «مشهد» في مطلع عام 2016م، في انتهاك واضح وصريح لاتفاقية فيينا 1961م. الأمر الذي يؤكد أن نظام الملالي لم يتعلم من أخطائه السياسية، وليس هناك ما يشير إلى خلاف ذلك في الأفق السياسي المنظور.

في جانب آخر، واصلت إيران احتلال الجزر الإماراتية الثلاث: جزيرة أبو موسى، وجزيرة طنب الكبرى، وجزيرة طنب الصغرى، ولم تلقِ بالاً للنداءات التي أطلقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، إن منفردةً أو عبر المنظمات الإقليمية، من أجل البحث عن حل سلمي لهذه الأزمة الدولية. وقد كان حرياً بدولة الإمارات العربية المتحدة أن تتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن من أجل إحالة هذه القضية إلى محكمة العدل الدولية لتبت في مسألة انتماء هذه الجزر، التي تملك الإمارات وثائق قانونية تثبت ملكيتها.

أما الوضع في سوريا فهو فريد من نوعه، إذ تدخلت إيران تدخلاً عسكرياً سافراً من أجل إبقاء النظام النصيري وقمع الثورة الشعبية العارمة التي أرادت الإطاحة بالنظام العسكري القمعي. وقد شملت الانتهاكات الإيرانية إمداد الحكومة السورية بالأسلحة والصواريخ والقنابل التي تم قصف المدنيين الأبرياء بها في مختلف أنحاء سوريا. كما شملت الانتهاكات الإيرانية جلب المليشيات الشيعية الإيرانية والعراقية واللبنانية وغيرها، التي تم توثيق ارتكابها «جرائم ضد الإنسانية» و«جرائم حرب» و«جرائم إبادة» في مختلف أرجاء سوريا.

وللحق، فإن إيران تتحمل بشكل مباشر المسؤولية الكبرى من الدمار الذي وقع في سوريا. وإذا ما اكتملت الثورة السورية فإنه بإمكان الحكومة الجديدة أن تتقدم بدعوى ضد إيران في محكمة العدل الدولية من أجل تغريمها عن كل دمار وقع في البلاد.

وبنفس الطريقة السورية، قامت القوات العراقية المدعومة إيرانياً بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» و«جرائم حرب» و«جرائم إبادة» ضد أهل السنة العراقيين، وعلى وجه الخصوص، ما حصل في الموصل مؤخراً بحجة إخراج أتباع ما يسمى «الدولة الإسلامية». ولعله من المطلوب حقوقياً اليوم، تحريك مجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة لإرسال بعثة تقصي الحقائق لجرائم الحكومة العراقية ضد السنة.

ليس الوضع في اليمن أقل سوءاً. إذ أسفر التدخل العسكري الإيراني في اليمن عن دعم الحوثيين مادياً وعسكرياً وسياسياً، الأمر الذي أدى إلى ارتكاب مليشيات الحوثيين جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في عدد من المدن والمحافظات اليمنية. في الوقت ذاته قد تم توثيق عدد من الصواريخ الإيرانية التي أطلقها الحوثيون على الأراضي السعودية، وفي هذا ما يكفي لإثبات العبث الإيراني في الداخل اليمني.

في لبنان أيضاً، تمكنت عصابة «حزب الله» المدعومة إيرانياً من السيطرة السياسية والعسكرية على المشهد اللبناني. وقامت مليشيا «حزب الله» بارتكاب جرائم حرب في مناطق عديدة، لعل آخرها ما وثقته المنظمات الحقوقية الدولية في عرسال مؤخراً.

على الصعيد الإيراني الداخلي، تحظى إيران باهتمام منظمات حقوق الإنسان حيال الانتهاكات القانونية الخطيرة التي ترتكبها السلطات الإيرانية تجاه مواطنيها خصوصاً في الأحواز، الذين يحرمون من حقوقهم الفطرية.

في الوقت ذاته، تتواصل الإعدامات في إيران بشكل يومي، وتتصدر إيران قائمة دول العالم في الإعدامات، لا يتقدم عليها في ذلك سوى الصين. الأمر الذي يثير قلق منظمات حقوق الإنسان، خصوصاً أن الإعدامات التي تجري في إيران تتم لأسباب سياسية وليست قانونية. ولعل أحد أهم طرق دعم الأحوازيين في قضاياهم العادلة هو تقديم العون المادي للمتضررين منهم في المحاكم الأوربية الوطنية من باب «الاختصاص العالمي» المذكور في المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949م، وهي مادة مشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع 1949م.

جانب آخر أسود من صفحات إيران الحقوقية الدولية يتعلق بتهمة جادة تكررت في برقيات السفارات الأمريكية المسربة المعروفة باسم «وثائق ويكيليكس». حيث أشارت تلك الوثائق إلى تورط إيران في تهريب وترويج عدد من أصناف المخدرات في العالم. وبحسب وثائق ويكيليكس فإن إيران تعد المصدر الأول للهروين في العالم، كما أنها أكبر مشترٍ للأفيون الأفغاني. وقد أشارت برقية سفارة الولايات المتحدة في أذربيجان بتاريخ 12/6/2009م، إلى أنها حصلت على معلومات من محققي الأمم المتحدة تفيد بأن إيران تصدر الهروين إلى أوربا وبقية العالم عن طريق أذربيجان. وما أحوجنا إلى استغلال المنابر الإعلامية لنشر هذه المعلومة على أكبر قدر ممكن لفضح حقيقة إيران التي تدعي المظهر الديني.

خاتمة القول، إن إيران الثورة بدأت طريقها الثوري بتحدٍ للقوانين والأعراف الدولية ولا تزال كذلك. إلا إن الحكمة التي تعلمتها القيادة الإيرانية هي أن انتهاك القوانين والأعراف الدولية فيما فيه تحدٍ للدول الغربية أمر غير مجدٍ، أما انتهاك القوانين والأعراف الدولية تجاه الدول العربية والمسلمة فقد يكون أمراً مقبولاً.