في سبتمبر 2008م، بينما كانت انتخابات الرئاسة الأمريكية على أشدها، شارك خمسة من وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين، في لقاء مهم استغرق 90 دقيقة في جامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأمريكية[1]، الوزراء الخمسة هم كولن باول وزير الخارجية السابق في عهد جورج بوش (جمهوري)، مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس بيل كلينتون (ديمقراطي)، وارين كرستوفر وزير الخارجية في الفترة الأولى لعهد بيل كلينتون (ديمقراطي)، جيمس بيكر وزير الخارجية في عهد جورج بوش الأب (جمهوري)، هنري كيسنجر وزير الخارجية في عهد ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد (جمهوري).

في حديثهم المهم، دعا الوزراء الخمسة الرئيس الأمريكي المقبل - لم يكونوا يعرفون بعد أنه باراك أوباما - إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران، حتى لا يذهبوا بعيداً في خصومتهم مع الغرب وأمريكا تحديداً، وقال الوزراء إن أفضل وسيلة للتعامل مع الطموحات النووية الإيرانية هي التفاوض، كما انتقد الوزراء قيام إدارة الرئيس جورج بوش الابن بوقف الاتصالات منخفضة المستوى مع إيران خاصة أثناء رئاسة أحمدي نجاد، وقال كيسنجر إنه يحبذ التفاوض مع إيران لكن على واشنطن توضيح أهدافها منذ البداية، واقترحت أولبرايت أن يتم التفاوض بين البلدين على مستوى وزراء الخارجية مباشرة، كما أكد وارن كريستوفر على أن الخيارات العسكرية مستبعدة جداً، وقال: «يجب أن نقول ذلك للإسرائيليين».

التأمل في الانتماء السياسي للوزراء الخمسة يكشف عن وجود ثلاثة جمهوريين تقلدوا وزارة الخارجية في عهد رؤساء - جمهوريين بالطبع - منذ السبعينات، ريتشارد نيكسون، ثم بوش الأب (1989، 1993م) ثم بوش الابن (2001، 2009م).

إذن نحن نتحدث عن وزراء جمهوريين عاصروا إيران منذ حكم الشاه مروراً بالخميني، ثم خامنئي.

هذا البيان المشترك يعطي دلالة مهمة حول «ما هو حجم العداء الأمريكي لإيران» على مدى العقود الماضية.

بالطبع توجد مؤشرات وشواهد لا حصر لها تكشف عن طبيعة العلاقة المعقدة بين البلدين، لكن هذا البيان المشترك لوزراء الخارجية يعطي خلاصة التجربة الدبلوماسية الأمريكية للتعامل مع هذه الدولة في ظل أنظمة مختلفة حكمت طهران. أي إننا بصدد إستراتيجية شبه ثابتة، تعترف بوجود مواطن اختلاف لا حصر لها بين طهران وواشنطن، لكنها في الوقت ذاته، تقر بأهمية تخفيض مستوى ردود الأفعال الأمريكية لتبقى عند التعاطي الدبلوماسي والتفاوض المباشر.

من جهة أخرى، نحتاج للنظر فيما فعلته - ولا تزال - إيران في المنطقة، ثم نقارن بين ردود الأفعال الأمريكية تجاه السلوك الإيراني، وردود أفعالها تجاه سلوك دول أخرى، لم تفعل ولا 1% مما تفعله إيران.

إيران منذ الثمانينات تتبنى إستراتيجية معادية لدول المنطقة، خاصة في الخليج، فهي تتواصل مع جماعات متمردة، وأنشأت معسكرات تدريبية عسكرية لهم في إيران، وقدمت التمويل والدعم بكافة السبل.

كما أنها أسست حزب الله اللبناني الذي بات سبباً رئيساً لتمدد النزاعات الطائفية، ومنصة لتوزيع الطائفية عبر دول المنطقة.
أسس الحرس الثوري الإيراني ذراعه الطويلة «فيلق القدس» بقيادة الجنرال قاسم سليماني، ليدشن مرحلة التدخل العسكري المباشر في المنطقة، سواء في العراق أو سوريا أو غيرها.

وبعد اندلاع الثورة السورية أسست إيران عدداً من المليشيات من جنسيات مختلفة، ثم نقلتها إلى سوريا مباشرة، كما لعبت دوراً بارزاً في تأسيس مليشيا الحشد الشعبي في العراق.

 كما تمددت الذراع الإيرانية لتثير القلاقل في البحرين، ولتساهم في دعم مليشيا الحوثي في اليمن.

والشواهد على وجود علاقة قديمة ومستمرة بين إيران وتنظيمات متطرفة مثل القاعدة لا يمكن إنكارها.

باختصار، إن طهران تؤسس المليشيات من جنسيات متعددة وتدربها وترسلها إلى دول أخرى، كما ترسل خبراءها العسكريين ليعملوا بصورة مباشرة، وتقدم المال والسلاح لجهات متعددة في عدد كبير من الدول، كما أنها تدعم العنف والإرهاب بصورة واضحة ومثبتة.

وقد أدت هذه التدخلات الإيرانية المستمرة منذ عقود إلى حروب وصراعات راح ضحيتها مئات الألوف من القتلى والمصابين واللاجئين.. فما هو رد الفعل الأمريكي والغربي على ذلك؟! كان الرد مجرد عقوبات اقتصادية، لم تمنع من تعاون عسكري عميق ومستمر في العراق وسوريا، ثم رُفِعت العقوبات باتفاق يجمد طموح إيران عشر سنوات فقط، وبعدها لكل حدث حديث.

قارن ذلك برد الفعل الأمريكي والغربي تجاه دولة مثل السودان مثلاً!

عقوبات لا تتوقف، وتجميد للعلاقات، وأخيراً قبل سنوات قرار من الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني نفسه.  تخيل لو أن السودان يفعل ما تفعله طهران منذ عقود، كيف سيكون الرد الغربي حينذاك!

بالمنطق السياسي فإن ما يحدث لا يشي بعداوة أو خصومة، وإنما يكشف عن تلاقي في المصالح، وتغافل عن الكوارث. ففي عام 1986م، بينما الحرب العراقية الإيرانية تمر بمرحلة بالغة السخونة، والثورة الخمينية في أشد مراحلها تطرفاً، كانت إيران تشعر بقلق بالغ من التقدم العراقي والقصف الصاروخي الذي تتعرض له مدنها الكبرى، فــنسقت سراً لتحسين علاقاتها مع أمريكا والكيان الصهيوني من أجل الحصول على صواريخ تاو لموازنة الوضع العسكري مع العراق.

رحبت إدارة الرئيس ريجان، وهرع الكيان الصهيوني في محاولة لتحسين علاقات إيران مع الغرب، ودارت مباحثات ومناقشات استغرقت أشهراً، وكانت نتيجتها حصول طهران على عتاد وأسلحة، فيما عُرِف لاحقاً بفضيحة «إيران كونترا».

في ذلك الوقت كانت إيران تدرب مليشيات عسكرية على أراضيها لإثارة القلاقل في الدول العربية القريبة منها[2].

لم ينظر الكيان الصهيوني إلى إيران منذ عقود على أنها عدو صفري لا يمكن التقارب معه، فبالإضافة لمحاولات التقارب أثناء حكم الخميني، داعبت تل أبيب آمال عريضة بعد موته لكي تقفز العلاقات المشتركة مع إيران قفزات إيجابية على حساب العرب، فقال آفي بارنز المتحدث باسم الحكومة الصهيونية ذلك الوقت إن الكيان الصهيوني يريد من إيران ما بعد الخميني تجديد روابط الصداقة السابقة التي قطعتها الثورة، كما صرح أحد مستشاري إسحاق رابين - رئيس الحكومة وقتها - يوسي ألفير، أن «العدو الحقيقي لإسرائيل هو العراق والدول العربية الأخرى، في حين يوجد لدى إيران كافة الأسباب التي تجعلها صديقة لإسرائيل»[3].

هل تغير شيء بعد مرور ثلاثين عاماً؟ هل توقف المشروع الإيراني أو تجمد؟ هل تحول الغرب إلى عدو مطلق لإيران؟

كان مشهد مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي، فيدريكا موجيريني، وهي ترتدي غطاءً للرأس لتحضر مراسم تأدية اليمين للرئيس الإيراني حسن روحاني بين أعضاء مجلس النواب مشهداً مستفزاً، خاصة أن النواب الإيرانيين يتسابقون لالتقاط صور (سيلفي) معها، في مشهد أضفى مزيداً من الود والحميمية على العلاقات الإيرانية الأوربية.

لم يقتصر الحضور الغربي على موجيريني فقط، فقد شارك في المراسم وزير الدولة الفرنسي المختص بأوربا والشؤون الخارجية جان بابتيست لوموين - الذي لا شك كان مبتهجاً بتوقيع توتال الفرنسية قبل شهر واحد عقداً قيمته 4,8 مليار دولار مع طهران لتطوير حقل غاز ضخم - ووزير الدولة في وزارة الخارجية الألمانية مايكل روث، ووزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أليستر بيرت[4].

الطريف أن روحاني في كلمته بعد تأدية اليمين وجه انتقادات حادة للرئيس الأمريكي، وأمام الحضور الأوربي رفيع المستوى.

نعم، إيران الخمينية - بشكل ما - تُعد عدواً للغرب، لكنه عدوٌ يحتاجونه، ويحافظون على بقائه متماسكاً بالقدر الذي يحقق مصالحهم، إنها ليست عداوة صفرية، بل عداوة تسعى لتقليم الأظافر، أو تخفيف الطموحات، أو تهدئة الاندفاعات.

ما سوى ذلك، فالباب مفتوح على مصراعيه، وطهران بمثابة أداة لتمرير السياسات الغربية، وليست هدفاً لها.

هذا المسلك الغربي الأمريكي مع إيران، يفاجئ أحياناً القادة الإيرانيين أنفسهم، فبعد هجمات سبتمبر والغزو الأمريكي لأفغانستان ثم العراق، أصبحت إيران تخشى من تمدد الطموح الأمريكي إلى بلادهم، فسعوا إلى تخفيف اللهجة وتقديم كافة سبل التعاون مع واشنطن في البلدين، كما قدمت عرضاً - لا يُرفض - لإدارة الرئيس جورج بوش، عن طريق دولة أوربية وسيطة، هذا العرض تضمن ما يلي: الاستعداد للتفاوض حول البرنامج النووي، ووقف الدعم الذي تقدمه إيران لأية جماعات في المنطقة، وإعادة النظر في العلاقة مع حزب الله اللبناني، والتباحث حول دور إيران في المنطقة.

بمعنى آخر، وضعت طهران كل أوراقها على الطاولة، لتصبح موضوعاً للتفاوض، وذلك لمجرد توقعها عملاً أمريكياً مستقبلياً يستهدفها.

لكن إدارة بوش فاجأت الإيرانيين - أو بالأحرى طمأنتهم - بعدم اهتمامها بالعرض، والحرص على أن تبقى العلاقة في مستواها المنخفض، دون تهديد أو وعيد.

تعلمت طهران من هذا الموقف، واستوعبت الدرس جيداً، لذلك بينما تتصاعد لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضد إيران، أطلقت طهران صاروخاً يحمل قمراً صناعياً، كما صوت مجلس الشورى الإيراني بالموافقة على قرار بزيادة المخصصات الموجهة للبرنامج الصاروخي الإيراني وعمليات الحرس الثوري بالخارج، إلى ما يزيد عن نصف مليار دولار.

كما تحدث روحاني بثقة أمام ممثلي الدبلوماسية الأوربية، قائلاً: «من يريدون تمزيق الاتفاق النووي عليهم أن يعرفوا أنهم سيمزقون بذلك حياتهم السياسية».

إيران اليوم تصطف مع روسيا، الدولة العظمى المناوئة لأمريكا، وهي تدرك صلابة موقفها، وللمرة الأولى ربما تجد واشنطن نفسها بمفردها في مواجهة إيران، فالاتفاق النووي ليس ثنائياً بل متعدد، يضم دولاً دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقد صرحت موجيريني بوضوح أن الدول الأوربية عازمة على المحافظة على الاتفاق، بمعنى أن انسحاب أمريكا - لو حدث - لن يُسقط الاتفاق أو ينهيه، لذلك جاء تأكيد روحاني في مراسم تأدية اليمين أمام الأوربيين في رسالة واضحة، قائلاً: «إيران لن تكون أول من ينسحب من الاتفاق النووي لكنها لن تبقى صامتة على الانتهاكات الأمريكية المتكررة للاتفاق».

إيران لن تتوقف عن طائفيتها، ولن تتراجع عن مشروعها المعادي لدول المنطقة، ولن تتخلى عن أذرعها المثيرة للفوضى والخراب والعنف في أرجاء الإقليم.

أيضاً لا يُتوقع أن تبذل الدول الغربية جهداً حقيقياً لوقف التمدد الإيراني، ربما يضغطون لتعطيله أو تجميده، لكن سيظل قائماً، وأقصى ما تفعله هذه الدول وضع خطوط حمراء على استحياء، حتى لا تتجاوزها طهران، وربما تضغط لحلحلة الأمور هنا أو هناك.

إن الوضع في المنطقة حالياً يبدو معقداً ومتداخلاً إلى درجة كبيرة، والتعامل مع الصراعات بمنطق أحادي لا يصلح، وكذلك فإن التغاضي - ولو مؤقتاً - عن المشروع الإيراني خطر للغاية، فالعداء الإيراني للمحيط العربي السني  عداءٌ لا يعرف النوم.

 


 


[1] الشرق الأوسط 17 سبتمبر 2008م.

[2] انظر كتاب «حلف المصالح المشتركة.. التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، تأليف تريتا بارسي.

[3] المرجع السابق.

[4] رويترز، 5 أغسطس 2017م.