لا تزال الأمة الإسلامية بحاجةٍ إلى الرواحل المتميزة، المنتجة، ذات الكفاءة العالية والأداء المتقن؛ لأنها الأَولى بحمل مسؤولية راية الإصلاح الدعوي والتربوي لأوضاع الأمة المتردِّية. ومِنْ ثَمّ فهي تفرض نفسها على الآخرين بتميُّزها وإنتاجها، ونفاسة معدنها، ونُدرتها ونَجابتها. ويتصور أنها هي الـمُعَوَّل عليه دائماً في إنجاح الأعمال وإتمامها - وهي كذلك -؛ لاسيما وأنها نادرة الوجود، قليلة الحضور في المشهد الواقعي. وهي بحاجة إلى صيّاد ماهر يكتشفها، ويرعاها، ويُحسن الاستفادة منها. «ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يُلْقُون شَبَك الاجتهاد لصيد طالبٍ ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم. ولو لم يكن للعالم إلا طالبٌ واحدٌ ينتفع الناس بعلمه وهديه وإرشاده لكفاهُ ذلك الطالب عند الله تعالى؛ فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحدٍ فينتفع به إلا كان له نصيبٌ من الأجر»[1].

ومن ظفر بإحدى هذه الرواحل فقد ظفر بكنزٍ ثمينٍ؛ لِـمَن عرف أهميتها ودورها المنشود في الإصلاح. والمغبونُ من يُفرِّط فيها بعد الظفر بها.

ومن تأمل بعضَ أحاديث الرواحل يجد هذا المعنى واضحاً جلياً؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِئَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً»[2].

قال ابن قتيبة - رحمه الله -: الراحلةُ: النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره؛ فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبلٍ عُرِفت.

وقال الأزهري رحمه الله: الراحلة عند العرب: الجمل النجيب والناقة النجيبة. وقال النووي - رحمه الله -: قالوا: الراحلة هي: البعير الكامل الأوصاف، الحسَن المنظر، القويُّ على الأحمال والأسفار. سُمِّيتْ راحلةً لأنها تُرَحَّل؛ أي: يُجعل عليها الرَّحْل. فهي فاعلة بمعنى مفعولة؛ كـ«عيشة راضيةٍ»؛ أي: مرضية. ونظائره. والمعنى: المرضيُّ الأحوال من الناس الكاملُ الأوصاف قليل فيهم جداً؛ كقلة الراحلة في الإبل.

وقال الجزري رحمه الله: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال. والذَّكَر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة. وهي: التي يختارها الرجل لمركبه ورحْله؛ على النجابة، وتمام الخلق، وحُسن المنظر. فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت.

وقال القارئ رحمه الله: فاللام للجنس (لا يجد الرجل فيها)؛ أي: في مئة من الإبل (راحلة)؛ أي: ناقةٌ شابّةٌ قويّةٌ مرتاضةٌ تصلح للركوب. فكذلك لا تجد في مئة من الناس من يصلح للصحبة وحمل المودة وركوب المحبة؛ فيعاون صاحبه، ويلين له جانبه. وفي رواية عند البخاري من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِئَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً»[3]. و«راحلة» الجمل النجيب الذي يصلح لسير الأسفار ولحمل الأثقال. ومعنى الحديث: يأتي زمان يكون الناس فيه كثيرين ولكن المرضيَّ منهم والذي يلتزم شرع الله قليلٌ؛ شأنَ الإبل الكثيرة التي تبلغ المئة ولا تكاد توجد منها واحدة تصلح للركوب والانتفاع بها. أو المراد: أن الناس دائماً شأنهم هكذا الصالح فيهم قليل[4].

وقد أشار السعدي رحمه الله في تعليقه على حديث الرواحل إلى قلة أهل الكمال والفضل، وحاجة الأمة إلى تأهيل الأكفاء الأمناء. وذكَر بعض الأمثلة المعاصرة في ذلك، فقال: «هذا الحديث مشتمل على خبرٍ صادقٍ، وإرشادٍ نافعٍ: أما الخبر: فإنه صلى الله عليه وسلم أخبَرَ أن النقص شاملٌ لأكثر الناس، وأن الكاملَ أو مقاربَ الكمال فيهم قليل؛ كالإبل المئة؛ تستكثرها؛ فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب، والذهاب والإياب، لم تكد تجدها. وهكذا الناس كثيرٌ؛ فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة، أو الولايات الكبار أو الصغار، أو للوظائف المهمة، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياماً صالحاً. وهذا هو الواقع؛ فإن الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل سببٌ للنقائص، وهي مانعة من الكمال والتكميل.

وأما الإرشاد: فإن مضمون هذا الخبر إرشادٌ منه صلى الله عليه وسلم  إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات، والأمور الكلية العامة النفع. فالوظائف الدينية والدنيوية، والأعمال الكلية، لا بد للناس منها. ولا تتم مصلحتهم إلا بها، وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء. وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف بحسب الاستطاعة. قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16][5].

ولعلنا نُجْمِل صفاتِ الرواحل ونلخِّصها بأنها: نجيبة، مختارة، كاملة الأوصافِ، تُعرف لتميُّزها، حسنةُ المنظرِ، قويةٌ على الأحمال والأثقال، نادرةُ الوجودِ، متممّة الخلْق، صالحةٌ، يُنتفعُ بها، شابّةٌ... إلى غيرها من الصفات الحسنة.

حسناً؛ لنقترب من دائرة التأثير وننأى عن دائرة الاهتمام قليلاً، ولْنُحدِّد ما نعنيه من الرواحل في هذه المقالة:

الرواحلُ هم: الأحداثُ الأكفاءُ الأمناءُ، أصحابُ الأعمار الشابة، والسواعد الفتية، والنفوس المتوقدة، والهمم العالية، والإرادة القوية، والطموح الذي يتعدى الزمن. هم عصائبُ الرأس، وحزائمُ البطن، ومَساندُ الظهر.. الصف الثاني، وما أدراك ما الصف الثاني! يُـمْنَى المربين والدعاة، أهل الثقة والإنجاز، من يُغلقون الملفات العالقة ويحسمون المواقف المتأزمة؛ كأنهم بسبقهم ونشاطهم وحيويتهم خليةُ نَحلٍ متحركة.

إلا إنّ تميُّزَهُم وندرتَهم وتحمُّلَهم للأعباء وإنجازَهم للمهام، وسبْقَهم في ذلك كله ولَّد صورة ذهنية نمطيةً سلبيةً لدى بعض المربين العاملين في الحقل التربوي والدعوي؛ ألا وهي: الإفراط في التفويض؛ حيث حمّلوهم ما لا يحتملون، وكلفوهم ما لا يطيقون، وأثقلوا  كاهلَهم بالأحمال والمسؤوليات التربوية والدعوية التي قد تقصِمُ ظهورهم وتُسقطهم أو تشوِّهَهم؛ لاسيما مع قلة الخبرة، وضعف التجربة، وعدم متابعة مربّيهم، وتجاهُل تحفيزهم ومؤازرتهم.

فلا تسأل عن الأمراض التي تعتري قلوبهم؛ مِنْ غُرور، وعُجْبٍ، وغير ذلك. وكذا التوقُّف عن الأخذ والتلقِّي؛ فليس هناك وقتٌ أو مجال لذلك. ومِنْ ثَمّ فهم بعيدون عن الارتقاء والتطور الذاتي؛ بل ربما نفذ رصيدهم يوماً من الأيام، فيتوقفون عن العطاء، وينقطعون عن الأعمال، ويعتذرون. وفاقد الشيء لا يعطيه. هذا فضلاً عن إصابتهم بالملل والسآمة بسبب كثرة المهام والتكاليف، وعدم إتقان الأعمال والمسؤوليات التي كُلفوا بها؛ لكثرتها. وكذلك وقوعهم في التفريط؛ بسبب تكليفهم فوق طاقتهم. وأيضاً فقدان روح الجِدّة والإبداع والتطور في أعمالهم؛ لأنهم يريدون الإنجاز فقط؛ لكثرة الأعمال والمسؤوليات، وليس عندهم وقت للتفكير التطويري والإبداع العملي، عدا التفريط في الحقوق الواجبة للوالدين، والأسرة، والقرابة، والجيرة، ومن هم أولى بالمعروف من غيرهم.

أيّها المربون الكرام، رفقاً بالرواحل، ولْنَسْتَبْقِ الظهر، ولا نكن كالمنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع. هؤلاء الرواحل هم في الحقيقة رأس المال، ومن الغَبْن أن نفرّط في رأس المال من أجل ربحٍ متوقَّعٍ غير مضمون. فدونكم وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»[6].

فالرفق «يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب ما لا يتأتى بغيره»[7]. فمن رام للمتربين البناء الصحيح المحْكَم فعليه بالرفق بهم؛ من حيث التكليف، وتفويض الأعمال. ولا يسوغ للمربين الإثقال عليهم بحجة تميُّزهم وتدريبهم على تحمل المسؤوليات؛ فيمكن تحقيق هذه المطالب برفق؛ وذلك باستحضار خصائص التربية أثناء تربيتهم؛ كالتراكُمية، والمرحلية، والتدرُّجية في التكليف.

وحتى لا يقع المربون في هذا العطب، وحتى يتفادوا هذا الزلل، ولا يقعوا في الهدر التربوي، وتسرُّب الطاقات الفعّالة المنتجة؛ لا بد أن يدرك المربون الضابطَ الذي يقيهم من ذلك بإذن الله؛ وهو: ألا يُوقِعُوا المتربين (الصف الثاني) في الحَرَجِ؛ بأنْ يُرهقوهم بالتكليفات، والمهام، والمسؤوليات.

ونعني بالحرج: كلّ ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال؛ حالاً (إذا كان الفعل مؤدياً إليه بمرة واحدة)، أو مآلاً (إذا جاء نتيجة المداومة). ويخرج ما كان فيه مشقة معتادة غير زائدة؛ فليست من الحرج.

والمشقة الزائدة هي: التي تشوِّش على النفوس في تصرُّفها، ويقلقها هذا العمل بما فيه من هذه المشقة. ولو أردنا ضبْط ذلك فيمكن بالنظر في العمل وما يؤدي إليه أداؤه أو الدوام عليه؛ من الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو وقوع خللٍ في صاحبه في نفسه أو ماله، أو حالٍ من أحواله. فإن لم يكن فيه شيء من ذلك - في الغالب - فلا يُعدُّ في العادة مشقةً؛ وإن سمي كلفةً. فيُلاحَظ وجود أحد أمرين: الانقطاع عن العمل، أو وقوع الخلل. ولتوضيح الأمر، وتبسيطه، وتوضيحه يُقال:

1- الأمر الأول: الانقطاع عن العمل:

ويتحقق الانقطاع عن العمل بأحد مظهرين:

أ- السآمة والملل: وقد أشار إلى ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ»[8]. وعَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»[9]. فإذا كان هذا الحديث في اقتصاد الموعظة لئلّا تملّها النفوس، مع أنّ من يسمعها لا يبذل جهداً بدنيًّا؛ فكيف بالأعمال التي تتطلّب جهداً ومشقّةً، وربما مشقة زائدة عن المعتاد!

كما ينبغي على المربين أن يستحضروا إبّان تكليف المتربين بالأعمال مدى إقبالهم وإدبارهم، ونشاطهم وكسلهم. فمِن أهل العلم مَن قال في معنى التخوُّل في الموعظة: أنه «يطلُبُ حالاتهم وأوقات نشاطهم»[10]. ومنهم من قال: «يتفقّد أحوالهم التي يحصل لهم فيها النشاط للموعظة؛ فيعظهم فيها ولا يُكثر عليهم؛ لئلا يملُّوا»[11].

كما يُستدَلُّ لهذا المعنى أيضاً بأحاديث النهي عن الوصال في الصيام؛ فقد نهى صلى الله عليه وسلم أصحابَه عن الوصال، فلما أَبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصَلَ بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ»؛ كالمنكِّل لهم حين أَبَوا أن ينتهوا[12]. وقال: «لَوْ مُدَّ بِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالاً يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ»[13].

قال النووي رحمه الله: «وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال؛ وهي: الملل من العبادة، والتعرُّض للتقصير في بعض وظائف الدين»[14]. وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص حين كَبُر: فليتني قَبِلتُ رخصة رسول الله[15].

قال ابن حجر رحمه الله في فوائد حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه إن فيه: «بيان رِفْقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته، وشفقتِه عليهم، وإرشادِه إياهم إلى ما يصلحهم، وحثِّه إياهم على ما يطيقون الدوامَ عليه، ونهيِهم عن التعمق في العبادة؛ لما يُخشى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى التَّرْك، أو ترك البعض. وقد ذمَّ الله تعالى قوماً لازَموا العبادة، ثم فرَّطوا فيها»[16].

ب- الانقطاع بسبب تزاحم الحُقوق. فإنّه إذا أوْغَل في عمل شاقٍّ مشقة زائدة فربَّـما قطعه عن غيره؛ لاسيما حقوق الغير التي تتعلق به؛ فتكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعاً لما كلفه الله به؛ مثل: بِرِّ الوالدين، وصِلَة الأرحام، ورعاية الأسرة، وتربية الأبناء. فيقصِّر فيها، فيكون بذلك مَلوماً لا معذوراً. إذْ إنّ المطلوب منه القيام بجميعها على وجهٍ لا يُخلُّ بواحدٍ منها، ولا بحالٍ من أحواله فيها.

وعندما آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا؟ فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ: كُلْ؟ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ. فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ سَلْمَانُ»[17].

2- الأمر الثاني: وقوع الخَلل:

العَمل الخارج عن المعتاد الذي فيه مشقة زائدة قد يؤدّي إلى وقوع خلل في المكلَّف، وهذا الخلل قد يكون في النفس - سواء بأمراضٍ بدنيةٍ، أو نفسيةٍ -، أو في المال؛ فالمال قرين النفس. فإذا علم المكلَّف أو ظن أنّه يَدخل عليه فسادٌ - في جسمه، أو نفسه، أو ماله، أو عقله، أو عادته - يتحرَّجُ به ويُعْنِتُه، ويكره بسببه العمل؛ فهذا أمرٌ ليس له. وكذلك: إنْ لم يعلم بذلك، ولا ظَنَّه، ولكنه لما دخل في العمل دخل عليه ذلك؛ فحكمه الإمساك عمّا دخل عليه المشوّش.

وفي مثل هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ»[18]. قال النووي رحمه الله: «معناه: إذا شقّ عليكم وخِفتم الضرر»[19].

وفي مثله كذلك: نَهْيُه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان. قال صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»[20]. قال النووي رحمه الله: «لما فيه من اشتغال القلب به، وذَهاب كمال الخشوع»[21]. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»[22]. «وهذا نفْيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا ينبغي له ذلك. وذلك لأن الغضب يُفسد الفكر ويُغير الحال»[23]. فلا يُؤْمَن عليه في الحكم.

إلى غير ذلك مما نهى عنه صلى الله عليه وسلم بسبب عدم استيفاء العمل المأذون على كماله؛ فإنّ قصْدَ الشارع المحافظة على العمل والمداومة عليه؛ ليكون خالصاً من الشوائب والمكدرات والعقبات. والإبقاء عليه حتى يكون في ترفُّهٍ وسَعةٍ حالَ دخوله في رِبْقة التكليف.

فحاصل ما تقدم: أن المكلف إذا كان يحصل له بسبب إدخال نفسه أو إدخال غيره له في العمل هذه المشقة الزائدة على المعتاد؛ فتؤثر فيه أو في غيره فساداً، أو تحدث له ضجراً أو مللاً وقعوداً عن النشاط؛ فينقطع في الطريق، ويُبغَّض العمل إلى نفسه، كما هو الغالب في المكلفين، مع إخراج القلة من الناس الذين تواكبهم الإعانة الربانية، وهؤلاء لا يقاس عليهم. فمثل هذا لا ينبغي أن يرتكب من الأعمال ما فيه ذلك؛ بل يترخَّص فيه بحسب ما شُرع له[24].

وعليه، يجب التوازن في تكليف الرواحل من المتربين من الصف الثاني؛ وذلك باستحضار ضابط الحرج وما ذكرناه من متعلقاته وضوابطه. كما يجب في المقابل ألّا نُهمِلَهم، ونهمّشَهم بحيث لا يُعطَون الدورَ التربوي الذي يستحقونه، والمسؤوليات التي ينبغي أن تُناط بهم؛ ليعيشوا التجربة، وتُصقل خبراتهم، وتتراكم لديهم المعرفة، فيحملون بعد ذلك الراية وهم أهلٌ لها.

 


 

 


[1] تذكرة السامع والمتكلم ص63.

[2]  صحيح مسلم 232.

[3] صحيح البخاري 6498.

[4] انظر فتح الباري ج11 ص335، وشرح النووي على مسلم ج16 ص101، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ج8 ص140.

[5] بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار، عبد الرحمن السعدي، ص219.

[6] صحيح مسلم 2594.

[7] شرح النووي على مسلم ج16 ص145.

[8] صحيح البخاري 5861.

[9] صحيح مسلم 2821.

[10] شرح النووي على مسلم ج17 ص163.

[11] فتح الباري  ج11 ص228.

[12] صحيح مسلم 57.

[13] صحيح البخاري 7241.

[14] شرح النووي على مسلم ج7،ص212.

[15] صحيح البخاري 5052.

[16] فتح الباري ج4 ص220.

[17] صحيح البخاري 1968، ومسلم 6139.

[18] صحيح مسلم 92.

[19] شرح النووي على مسلم ج7 ص233.

[20] صحيح مسلم 67.

[21] شرح النووي على مسلم ج5 ص46.

[22] سنن ابن ماجه 2316.

[23] حاشية السندي على سنن ابن ماجه ج2 ص50.

[24] انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته، د. صالح بن حميد ص33، 47.