الشيعة في كتب اللغة تعني الأتباع والأنصار، والتشيع معناه: المتابعة والمناصرة، لكن كتب اللغة قد تتعرض أحياناً إلى ذكر التعريف الاصطلاحي للتشيع بما لا يتفق مع الواقع، فنجد مثلاً الأزهري صاحب الصحاح (ت 370هـ) يعرف الشيعة بحسب ما شاع واشتهر عنهم في زمنه، فيقول: «الشيعة: قوم يهوون هوى عترة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويوالونهم»[1]. وهذا لا يصدق على طائفة الإثنى عشرية التي يطلق عليها لقب الشيعة في عصرنا فهم لا يوالون آل البيت، بل يعادونهم، ويكفرون جملة منهم.

ويقول ابن منظور (ت 711ه‍) صاحب لسان العرب: «قد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته»[2].

ولكن في عصرنا غلب هذا الاسم على الروافض، بل على غلاة الروافض الذين تبرأ منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحرق غلاتهم بالنار، وتوعد من فضله على أبي بكر وعمر بالجلد.

وقال الزبيدي (ت 1205ه‍): «قد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته - رضي الله عنهم أجمعين - حتى صار اسماً لهم خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة، عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا، أي عندهم. أصل ذلك من المشايعة، وهي المطاوعة والمتابعة، قال الحافظ: وهم أمةٌ لا يُحصَون، مبتدعة، وغلاتهم الإمامية المنتظرية، يسبون الشيخين، وغلاة غلاتهم ضلَّالٌ يكفرون الشيخين، ومنهم من يرتقي إلى الزندقة - أعاذنا الله منها -»[3].

ومراده بالمنتظرية: من ينتظرون منذ أكثر من ألف ومئة وسبعين سنة عودة من يدعون أنه ابن للحسن العسكري المتوفى سنة 260هـ، وأنه اختفى بعد ولادته في سرداب سامراء، فهم ينتظرون خروجه من سردابه، والحقيقة أنه معدوم لا وجود له إلا في خيالاتهم وأساطيرهم، وأصحاب هذه العقيدة هم الإثنى عشرية الذين إذا أطلق لقب الشيعة اليوم لا ينصرف إلا إليهم.

لفظ الشيعة في القرآن ومعناه:

مادة شيع وردت في كتاب الله العظيم في اثني عشر موضعاً[4]، وقد أجمل ابن الجوزي معانيها بقوله: «ذكر أهل التفسير أن الشيع في القرآن على أربعة أوجه:

أحدها: الفرق، ومنه قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الأنعام: 159].

الثاني: الأهل والنسب، ومنه قوله تعالى: {هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15].

الثالث: أهل الملة، ومنه قوله تعالى: {وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ} [الصافات: 83].

والرابع: الأهواء المختلفة، قال تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65].

ويشير ابن القيم - رحمه الله - في نص مهم له إلى أن لفظ الشيعة والأشياع غالباً ما يستعمل في الذم، ويقول: ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69]، وكقولـه: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الأنعام: 159]، وقوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} [سبأ: 54].

ويعلل ابن القيم لذلك بقوله: «وذلك - والله أعلم - لما في لفظ الشيعة من الشياع، والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم[5].

لفظ الشيعة في السنة:

ورد لفظ الشيعة في السنة المطهرة بمعنى الأتباع، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في الرجل[6] الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لم أرك عدلت...»، قال فيه صلى الله عليه وسلم: «سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه...» الحديث[7]، وكذلك في الحديث الذي أخرجه أبو داود في المكذبين بالقدر، وفيه: «وهم شيعة الدجال»[8].

وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة، لأن اسم الرافضة لم يعرف إلا في القرن الثاني[9].

لفظ الشيعة في التاريخ الإسلامي:

ورد لفظ الشيعة في الأحداث التاريخية في صدر الإسلام بالمعنى اللغوي، وهو المناصرة والمتابعة، حيث جاء في وثيقة التحكيم بين الخليفة علي، ومعاوية - رضي الله عنهما - ما نصه: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وشيعتهما.. (ومنها): وأن علياً وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص.. (ومنها): فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه. (ومنها): وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلاً يرضون عدله»[10]. فأطلق لفظ (الشيعة) هنا على أتباع علي ومعاوية - رضي الله عنهما -، مما يدل على أن لقب الشيعة لم يكن مختصّاً بأتباع عليٍّ في ذلك الوقت.

وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية قول حكيم بن أفلح - رضي الله عنه -: «لأني نهيتها [يعني عائشة] أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً»[11]. وأخذ منه دلالة تاريخية على عدم اختصاص عليٍّ باسم الشيعة في ذلك الوقت[12].

تعريف الشيعة لدى الشيعة:

أ- تعريف الشيعة في كتب الإمامية الإثنى عشرية:

يعرف شيخ الشيعة القمي الشيعة بقوله: «الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمَّون شيعة علي، في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته»[13]، ويوافقه على هذا التعريف شيخهم النوبختي حتى في الألفاظ نفسها[14].

وهذا التعريف مبني على دعوى كاذبة لا سند لها؛ وهي زعمهم وجود شيعة علي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي دعوى خارجة عن المعقول والمنقول؛ لأن من الثابت يقيناً، ومن الأمور المتفق عليها أنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيع وأحزاب؛ لأن الجميع شيعة له صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه يقول: {إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران: ٩١]، لا التشيع ولا غيره، والصحابة كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم عصبة واحدة، وجماعة واحدة، وشيعة واحدة تشيعهم وولاؤهم لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

بل لم يكن للشيعة وجود في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فكيف يكون لهم وجود في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما شيخ الرافضة المفيد، فيرى أن لفظ الشيعة يطلق على «أتباع أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول - صلوات الله عليه وآله - بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء»[15].

فيقصر مفهوم التشيع على من يؤمن بإمامة علي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم «بلا فصل» كما يعبر، وينفي وينكر شرعية خلافة وإمامة الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم جميعاً، وهو يقرر أن هذا الوصف (التشيع) خاص بطائفته الإثنى عشرية ومن دان بمعتقدها، ولذا يخرج جميع فرق الزيدية من فرق الشيعة سوى طائفة واحدة شاركته في مذهبه القائم على الطعن في الصحابة وتكفيرهم، وهي فرقة الجارودية[16].

ثم هو يضيف إلى تعريف سلفه القمي والنوبختي مسألة إنكار إمامة الخلفاء الثلاثة، كما أنه يحاول أيضاً في تعريفه التخلُّص من واقع تاريخي ثابت لا يملكون إنكاره، وهو أن علياً رضي الله عنه بايع الخلفاء الثلاثة ورضي بخلافتهم، ولم يخالفهم أو يختلف معهم في شيء، بل كان لهم عوناً ووزيراً ومشيراً، وكانوا جميعاً يداً واحدة، وكلمتهم واحدة، وقولهم واحد. فحاول التخلص من هذه الحقيقة الثابتة التي لا يملكون إنكارها؛ بحملها على عقيدة باطلة عندهم يسمونها التقية، بل ربما كان هذا الواقع وأمثاله هو سبب اختراعهم لهذه العقيدة التي جعلوها تسعة أعشار دينهم، بل الدين كله، فقال: «غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء»[17]. فهو يشير هنا إلى اتباعه لهم على وجه النفاق لا على سبيل الاقتداء والاتباع، وإلا فهو الخليفة الشرعي بزعمهم، ولذلك قال بوجوب الاعتقاد بإمامته بلا فصل، وقد بيَّن ذلك وأكَّده في كتاب آخر له حيث قال: «وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر ممنوعاً من التصرف في أحكامها مستعملاً للتقية والمداراة، ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين، ومضطهداً بفتن الضالين، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها خائفاً ومحبوساً هارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين إلى أن قبضه الله جل اسمه إليه، وأسكنه جنات النعيم»[18].

فوصف التشيع لا يصدق - في نظر المفيد - إلا على من اعتقد أن خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ممتدة من حين التحاق الرسول بالرفيق الأعلى إلى أن توفي علي - رضي الله عنه -[19]، ولا صحة لخلافة الخلفاء الثلاثة، كما لا يصدق - بحسب تعريفه - وصف التشيع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ثلاثة من الصحابة، وباقي الصحابة هم - في نظره وأصحاب نحلته - كفار كالمشركين الذين عاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، والحكومة كافرة، وعلي يعيش بينهم متستراً بالتقية والنفاق، فأي إساءة إلى علي رضي الله عنه وإلى صحابة رسول الله رضوان الله عليهم وإلى الإسلام أبلغ من هذا؟!

ثم إنه نص أيضاً في تعريفه على إخراج جميع فرق التشيع المعتدل، فذكر أنه يدخل في هذا التعريف الإمامية والجارودية الزيدية، وأما باقي فرق الشيعة غير الغالية فلا يصدق عليهم وصف التشيع بحسب اعتقاده، فلا شيعة عندهم إلا الغلاة.

أما شيخ الطائفة الطوسي فإنه «يربط وصف التشيع بالاعتقاد بكون علي إماماً للمسلمين بوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم وبإرادة من الله»[20]. فالطوسي هنا يجعل الاعتقاد بالنص هو أساس التشيع، وهذه هي عقيدة الوصية نفسها التي اخترعتها السبئية، كما قرر ذلك علماء المقالات، واعترفت به مصادر الشيعة.

ثم إن الطوسي يخرج السليمانية[21] الزيدية من فرق الشيعة؛ لأنهم لا يقولون بالنص بل يقولون: إن الإمامة شورى، وإنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنها قد تصلح في المفضول، ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر[22]، وهكذا يخرجون جميع فرق الزيدية المعتدلة، وليس ذلك فحسب بل اعتبروهم نواصب[23].

ولم يكتفوا بذلك، فقد جاء في رجال الكشي أن الزيدية شر من النواصب[24]، ويجري هذا الحكم من الإثنى عشرية على كل فرق الزيدية التي تقول برأي السليمانية كالصالحية والبترية من باب أولى.

ويذهب بعض شيوخهم المعاصرين إلى ما ذهب إليه الطوسي، فيقصر وصف التشيع على من يؤمن بالنص على خلافة علي، فيقول إن لفظ الشيعة: «عَلَم على من يؤمن بأن علياً هو الخليفة بنص النبي»[25].

وقد حاول شيوخهم تأكيد أساس هذا الاعتقاد بنسبته كذباً لأهل البيت، ولعلَّ أول من أرسى هذا التوجُّه وحشد له مجموعة من رواياتهم هو شيخهم الكليني في كتابه الكافي؛ كتاب الروافض المقدس، الذي قالوا عنه إن مهديهم المنتظر قال إنه كافٍ لشيعتهم.

فقد عقد صاحب كتاب الكافي ثلاثة عشر باباً في مسألة النص على الأئمة ضمَّنها مئة وتسعة أحاديث[26]، ونرى في العصر الحاضر أحد الروافض يؤلف كتاباً في ستة عشر مجلداً في حديث من أحاديثهم التي يستدلون بها على ثبوت النص على علي وهو حديث (الغدير)، ويسمي كتابه باسم الغدير[27].

ب- تعريف الشيعة في المصادر الأخرى:

1- تعريف الأشعري للشيعة:

لعل من أقدم من عرف الشيعة من أصحاب المقالات والفرق [من غير الشيعة] الإمام الأشعري حيث قال: «إنما قيل لهم: الشيعة، لأنهم شايعوا علياً - رضوان الله عليه - ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم»[28].

وهذا التعريف يقوم على أصلين:

الأول: مشايعة علي، بمعنى اتباعه.

والثاني: تقديمه على سائر الصحابة.

أما الأول فإن علياً من الخلفاء الراشدين المأمور بالاقتداء بهم، واتباعه يقتضي اتباع إخوانه الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة أجمعين، فذلك هديه وسنته. ومن فرق بالتشيع والاتباع بينه وبين إخوانه الخلفاء الراشدين؛ فقد خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»[29].

أما الثاني: تقديمه على سائر الصحابة، فهذا أيضاً يضاد التشيع له واتباعه تماماً؛ لأنه قد تواتر عنه رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر»[30]. وتوعد من خالف ذلك فقال: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري»[31].

ومع ذلك فإن هذه المرحلة تجاوزها الرافضة؛ لأنهم يرون أنَّ من هذه عقيدته فليس بشيعيٍّ، إذ شرط التشيع عندهم الإيمان بالوصية السبئية، ثم أضافوا إليها أيضاً ما ترتب عليها من معتقدات[32].

ويمكن القول إن الأشعري لا يعد من الشيعة إلا الشيعة التفضيلية الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر وسائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سواهم فهم رافضة وليسوا بشيعة.

2- تعريف ابن حزم للشيعة:

يحدد ابن حزم في تعريفه للشيعة ما يختص به الشيعة فقط، دون ما يشتركون فيه مع غيرهم، ويرى أن هذا هو الفاصل بينهم وبين ما سواهم.

ولذا يرى بعض المعاصرين من الرافضة أنه أدق التعاريف للشيعة. يقول ابن حزم: «من وافق الشيعة في أن علياً رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً»[33].

فابن حزم يرى أن التشيع يقوم على ثلاثة أسس:

الأول: القول بأفضلية علي.

الثاني: القول بأحقيته بالإمامة.

الثالث: القول باختصاص الإمامة به وولده من بعده.

وعلى ذلك يدور وصف التشيع وجوداً وعدماً.

3- تعريف الشهرستاني للشيعة:

ويقدم الشهرستاني تعريفاً للشيعة، يجمع من خلاله جل العقائد الأساسية عند الرافضة، حيث يقول: «الشيعة هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية، إما جلياً، وإما خفياً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم السلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله.

ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر. والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك»[34].

فأشار في هذا التعريف إلى خمس عقائد من عقائدهم وهي: النص أو الوصية، والعصمة، والتقية، والولاء والبراء، واستثنى بعض الزيدية من القول بكل هذه المعتقدات.

فقوله: «شايعوا علياً على الخصوص»؛ يعني: اتبعوه وشايعوه خاصة دون غيره من الخلفاء، وهذا مخالفة لأمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعده، والأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل ومخالفة لهدي لعلي رضي الله عنه الذي قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة»[35].

وقوله: «وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية»؛ يعني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصَّ عليه وأوصى له بالخلافة إما جلياً وإما خفياً، يعني إما بالإشارة؛ وهو ما يسمى بالنص الخفي، وإما بالعبارة؛ وهو النص الجلي، ودعوى الوصية من موروثات السبئية، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على علي ولم يوص له، ولو كان ذلك واقعاً لنُقِل نقلاً ظاهراً بيناً ولم يخف على أحد، ولو كان صدر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستجاب له الصحابة، كيف وقد استجابوا لأبي بكر في وصيته لعمر بالخلافة، فهل يتصور عاقل أن أبا بكر أكثر تأثيراً في الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الناس أكثر طاعة لأبي بكر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

اعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، فهي محصورة - بزعمهم - في عدد معين؛ إما سبعة كما هو اعتقاد السبعية، أو اثنا عشر كما هو اعتقاد الإثنى عشرية.

وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو تقية من عنده. وهذه عقيدة الرافضة إذ يعتقدون أن كل من تولى على المسلمين إلى أن تقوم الساعة فهو ظالم، وهذا هو المفهوم الخاص للظلم عند هذه الطائفة، والذي لا يوجد في قاموس أمة من الأمم سواهم.

كما يعتقدون أن بيعة علي رضي الله عنه للخلفاء، وكذلك بيعة الحسن والحسين، وعلي بن الحسن، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى الكاظم، وعلي الرضا.. وغيرهم إنما هو على سبيل التقية والنفاق، لا على سبيل الموافقة والاتباع.

وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين.

فالإمامة عندهم أصل الدين كالنبوة أو أعظم، وهي استمرار للنبوة، بل هي الدين كله. واختيار الإمام الذي يتولى على الناس، لا يرجع فيه إلى أهل الحل والعقد، أو إلى الانتخابات لاختيار الإمام، بل المرجع في ذلك إلى الله ورسوله، فكما يختار الله الرسل، كذلك يختار الأئمة الذين يتولون على الناس - بحسب اعتقادهم -.

التعريف المختار:

التعريف الحق للشيعة اليوم هو أنهم أتباع الكليني والمجلسي وأمثالهما، ولا يصح أن يقال: إنهم أتباع أهل البيت أصلاً. ووجه ذلك ما يلي:

أولا: أنهم يستقون دينهم ويتلقون عقيدتهم من كتاب الكافي للكليني، ولذا زعموا أن مهديهم المعصوم قال: الكافي كافٍ لشيعتنا.

ويتلقون - أيضاً - من كتاب البحار للمجلسي، الذي قال عنه شيخهم المعاصر البهبودي؛ إنه المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب. وبقية مصادرهم الثمانية التي يسمونها صحاح الإمامية، وأول هذه المصادر بل أوثقها وأصحها لديهم هو الكافي لمؤلفه الكليني الملقب عندهم بثقة الإسلام، والذي يقوم اعتقاده على القول بأن القرآن ناقص ومحرف، كما حكاه المترجمون له من بني ملته؛ لأنه قرر في مقدمة كتابه أنه لم يذكر فيه إلا ما صح عنده وما يعتقده، وقد حشا كتابه من أخبار هذه الأسطورة، ولذلك ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن من هذه عقيدته فليس من أهل القبلة[36]، كما أسس في كتابه لعقيدة المشركين، والقول بردة الصحابة أجمعين إلا ثلاثة، وغيرها من عقائد الكفر، وحاشا أهل البيت أن تنسب لهم هذه العقائد الكفرية، أو ينسب أتباعهم إلى هؤلاء الروافض الذين يتلقون دينهم من أئمة الضلال، وآخر مؤلفي صحاحهم الثمانية هو حسين النوري الطبرسي الذي يلقبه محب الدين الخطيب بــ«المجوسي اللعين»، وهو صاحب كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب».

ثانيا: أن من يدعون أنهم أئمتهم الاثنا عشر هم خمسة أقسام:

قسم صحابة: وهم علي والحسن والحسين، وقد رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهم أبرياء مما نسبه إليهم هؤلاء المعتدون، ولذلك فإن علياً رضي الله عنه عاقب أسلافهم من الغلاة حيث أمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية[37]. وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر فإن علياً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء وهو مؤسس نحلتهم، فقيل إنه قتله، قال ابن حجر: «عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن علياً حرقه بالنار»[38]، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه. وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فروى أنه قال: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري»[39].

قسم من كبار أئمة التابعين ومن أئمة الإسلام والسنة؛ كعلي بن الحسن، وابنه محمد بن علي بن الحسن، وابنه جعفر الصادق، وهم أبرياء من مفتريات هؤلاء الروافض وضلالهم، كما تشهد بذلك سيرتهم وما صح من أقوالهم.

قسم دون هؤلاء في العلم لكن لم يؤثر عنهم شيء من مقالات الروافض، وهم: موسى الكاظم، وابنه علي الرضا، وابنه محمد الجواد، وابنه علي الهادي.

الحسن العسكري لم يؤثر عنه - أيضاً - شيء من مقالات هؤلاء الروافض، لكنه ضعيف عند المحدثين كما ذكر ذلك ابن الجوزي في الموضوعات.

من يلقبونه بالمهدي ويزعمون أنه اختفى وهو رضيع، وينتظرون عودته، ويعتقدون أنه حاضر في الأمصار، غائب عن الأبصار، يرى الناس ولا يرونه، وهو لا وجود له ولا حقيقة، بل هو من خرافاتهم[40].


 


[1] تهذيب اللغة: 3/61.

[2] لسان العرب: مادة: (شيع).

[3] تاج العروس: 5/405.

[4] انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص 18.

[5] بدائع الفوائد: 1/155. وهذا في الغالب؛ لأنه ورد في القرآن: {وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ}.

[6] هو: ذو الخويصرة التميمي.. أصل الخوارج. (انظر: مسند أحمد: 12/4).

[7] مسند أحمد: 12/3-5، قال عبد الله بن الإمام أحمد: لهذا الحديث طرق في هذا المعنى صحاح. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المصدر السابق)، ورواه ابن أبي عاصم في السنة: 2/454، قال الألباني: إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات.

[8] سنن أبي داود 5/67، قال المنذري: في إسناده عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول (المنذري) مختصر أبي داود 6/61، ورواه أيضاً الإمام أحمد 5/407.

[9] منهاج السنة: 1/8.

[10] الدينوري/ الأخبار الطوال ص194-196، وانظر: تاريخ الطبري: 5/53 - 54، محمد حميد الله/ مجموعة الوثائق السياسية ص281-282.

[11] هذا جزء من حديث طويل في صحيح مسلم في باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض: 2/168-170.

[12] انظر: منهاج السنة 2/67 (تحقيق د. محمد رشاد سالم).

[13] المقالات والفرق ص15.

[14] فرق الشيعة ص20، 17.

[15] أوائل المقالات ص39.

[16] الجارودية: فرقة من فرق الزيدية، وتنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الكوفي. قال عنه أبو حاتم: كان رافضياً يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم... ومن مقالة الجارودية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره.

انظر في أبي الجارود والجارودية: رجال الكشي (ص151، 229، 230)، وهي ست روايات في ذمه تضمن بعضها كونه كذاباً كافراً، ومع ذلك فمفيدهم ينظمه في سلك التشيع؛ لأن التشيع في تعريفه هو هذا الغلو. وانظر: الطوسي/ الفهرست (ص192). الأردبيلي/ جامع الرواة (1/339). القمي/ الكنى والألقاب (1/30). وانظر: ابن حجر/ تهذيب التهذيب (3/386). وراجع: القمي/ المقالات والفرق (ص18). النوبختي/ فرق الشيعة (ص21). نشوان/ الحور العين (ص156). المقريزي/ الخطط (2/352). الشهرستاني/ الملل والنحل (1/159). الملطي/ التنبيه والرد (ص23). أحمد بن المرتضى/ المنية والأمل (ص20، 90). البغدادي/ الفرق بين الفرق (ص30). الرازي/ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (ص247). الأشعري/ مقالات الإسلاميين (1/140).

[17] المصدر نفسه.

[18] الإرشاد (ص12).

[19] ونجد شيخهم عبد الله شبر يؤكد في تعريفه للشيعة على هذا المعنى فيقول: «اعلم أن لفظ الشيعة يطلق على من قال بخلافة أمير المؤمنين - عليه السلام - بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل»، حق اليقين (1/195).

[20] تلخيص الشافي (2/56).

[21] السليمانية: فرقة من فرق الزيدية تنسب إلى سليمان بن جرير الزيدي، وهي تسمى بالسليمانية عند كثير من أصحاب الفرق. انظر: مقالات الإسلاميين (1/143). اعتقادات فرق المسلمين (ص78). الملل والنحل (1/159). التبصير في الدين (ص17). ومن أصحاب الفرق من يسميها بالجريرية. انظر: الحور العين (ص156). الخطط/ المقريزي (2/325). وقد نص صاحب الفَرْق بين الفِرق أنها تسمى بـ «السليمانية أو الجريرية». انظر: الفرق بين الفرق (ص32). ويسميها صاحب المنية والأمل أحياناً بالسليمانية (ص90). وأحياناً بالجريرية (ص90).

[22] مقالات الإسلاميين للأشعري (1/143).

[23] انظر: التهذيب للطوسي (1/364). الوسائل للحر العاملي (4/288).

[24] انظر: رجال الكشي (ص459).

[25] الشيعة في الميزان، لمحمد جواد مغنية (ص15).

[26] انظر: أصول الكافي (1/286-328).

[27] كتاب الغدير، لشيخهم المعاصر عبد الحسين الأميني النجفي، وهو مليء بالأكاذيب والطامات والكفر البواح.

[28] مقالات الإسلاميين (1/65).

[29] رواه أبو داود (4/200)، برقم (4607). والترمذي (5/44)، برقم (2676).وابن ماجه (1/15)، برقم (42). صححه الألباني في مشكاة المصابيح (1/58)، برقم (165).

[30] انظر من الروايات في هذا المعنى: «صحيح البخاري» (مع فتح الباري) (7/20). مسند الإمام أحمد، تحقيق: أحمد شاكر، رقم 833، 834، 835، 836، 837، 871، 878، 879، 880، 1054 جـ2 ص 148، 149، 161، 164، 233.

[31] منهاج السنة (1/219-220).

[32] فإنهم لما قرروا هذه العقيدة الباطلة، انبثق منها تكفير الصحابة؛ لأنهم - بزعمهم - لم يتبعوا هذه الوصية، كما أنهم أنكروا خلافة الخلفاء الراشدين، بل وترتب على ذلك ما هو أعظم؛ حيث إنهم لما لم يجدوا لهذه الوصية ذكراً في القرآن العظيم، وهي أصل الدين عندهم؛ فقالوا: بنقص القرآن وتحريفه، ولكن هذه الدعوى أخرجتهم من الإسلام، فأسروها في أنفسهم وأخفوها إلا عن خاصتهم، ثم ادعوا تنزل كتب إلهية على الأئمة، كما قالوا بتأويل القرآن وفق منهج باطني وغيرها من معتقداتهم بالتقية، ولما لم يجدوا تفسيراً لموافقة علي رضي الله عنه لإخوانه الخلفاء قبله ومحبته لهم ومبايعته لكل واحد منهم وجهاده معهم واقتدائه بهم قالوا بالتقية، وهي تعني النفاق والخداع.

[33] الفصل في الملل والنحل (2/107).

[34] الملل والنحل (6/146).

[35] صحيح البخاري (مع فتح الباري) (7/71).

[36] الإمام الصادق: ص440.

[37] انظر: منهاج السنة (1/219)، فتح الباري (2/270)، التنبيه والرد (ص18)، التبصير في الدين (ص70).

[38] لسان الميزان: (3/ 289).

[39] منهاج السنة: (1/219-220).

[40] انظر: تفصيل ذلك في: أصول مذهب الشيعة (2/ 823) وما بعدها.