تؤثر الصراعات المتتابعة في بلدان العالم الإسلامي وأحداث العنف في مختلف دول العالم على صورة الشباب المسلم في وسائل الإعلام العالمية والعربية على حد سواء، في ظل التوظيف السياسي والديني لها من جانب بعض الدول والمنظمات.. غير أن هذه الصورة تحجب وراءها نظرة إيجابية خارجية غير معلنة تجاه الشباب المسلم. فبرغم النظرة السلبية التي تصدرها وسائل الإعلام في المجتمعات الغربية حيال الشباب المسلم، وتتبناها مجتمعات مسلمة أيضاً، إلا إن التطورات السياسية المتلاحقة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي أظهرت استيعاب كيانات ودول أخرى لقدرات الشباب المسلم على مختلف الأصعدة.

في الوقت الذي كانت فيه ثورات الربيع العربي في عيون الشعوب حلماً لتغيير الأنظمة من أجل شعارات الكرامة والحرية، كان الكيان الصهيوني يدرك هذا التطور في العقلية الشابة المسلمة، وطلب من واشنطن في مارس من عام 2011م مضاعفة المساعدات العسكرية الأمريكية لمواجهة المتغيرات الجديدة التي أحدثها الشباب في البلدان العربية.

وأعلن حينها وزير دفاع الكيان الصهيوني إيهود باراك في مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال» عن طلب الكيان الصهيوني مساعدة عسكرية إضافية بقيمة 20 مليار دولار من الولايات المتحدة للحفاظ على تقدم الكيان النوعي على الدول العربية المجاورة له.

وقال باراك - بحسب مقتطفات من هذه المقابلة نشرها مكتبه - إن مسألة التفوق العسكري النوعي للكيان الصهيوني أصبحت أساسية بالنسبة له وبالنسبة للأمريكان أيضاً.

وظهرت أيضاً على لسان وزير الدفاع الصهيوني مخاوف من تأثير هذه التطورات على الأجيال القادمة للكيان الصهيوني، حيث قال في المقابلة نفسها: «قد يكون من الحكمة للولايات المتحدة أن تستثمر 20 مليار دولار إضافية بهدف تحسين أمن إسرائيل للجيل المقبل».

ولعل تلك التصريحات تعكس نظرة الخوف لدى المسؤولين في الكيان الصهيوني، والتي لم تتوقف منذ ذلك الحين، بل زادت حدتها مؤخراً عندما حدثت اقتحامات صهيونية للمسجد الأقصى، وما تلاها من انتفاضة السكاكين التي أعلن عنها الشباب الفلسطيني في القدس المحتلة.

تلك الانتفاضة عكست أيضاً أمرين مهمين، أولهما: أن هناك نظرة خاطئة في المجتمعات العربية تعتبر أن الشباب الفلسطيني الذي نشأ في أراضي 48 المحتلة نسي قضيته واندمج في المجتمع الصهيوني من واقع مظهرهم الغربي، أما الأمر الثاني: فهو نظرة الخوف التي صاحبت قرارات الكيان الصهيوني نفسه وتراجعه الملحوظ أمام الشباب الفلسطيني الذي قام بعمليات فدائية ضحوا خلالها بأرواحهم دفاعاً عن المسجد الأقصى.

وما بين الخوف الذي اعترى الكيان الصهيوني من ثورات الربيع العربي في عام 2011م، وانتفاضة المسجد الأقصى في عام 2015م، كانت الحرب الصهيونية على غزة مثالاً حياً على تفوق جيل الشباب المسلم على شباب الصهاينة، وكانت مشاهد هروب الجنود الصهاينة وبكاؤهم أمام الصواريخ المتساقطة من غزة رسالة تؤكد أن الجيل الثالث في الكيان الصهيوني هو الأضعف أمام شبابنا. فقد أثبتت تلك المواجهة أن روح المقاومة والصمود لدى أجيالنا تشتد وتقوى، خاصة بعد أن أسقطت المقاومة الفلسطينية أسطورة القبة الحديدية بصواريخ محلية، وبعد أن قضى شباب شهراً كاملاً في نفق مظلم ليضربوا قلب الكيان الصهيوني، ويجبروه أيضاً على التراجع عن رغبته في احتلال قطاع غزة من جديد.

أما في سوريا، فقد أدرك الكيان الصهيوني خطورة ثورة الشباب السوري وانتفاضتهم لإسقاط نظام بشار الأسد، واستخدم مكائد عدة لإبقاء نظام بشار الذي لم يطلق رصاصة لتحرير الجولان، حيث ظل دور الكيان الصهيوني حاضراً في صمت الغرب على نظام بشار منذ خمسة أعوام، برغم إقصائه لنظام معمر القذافي في ليبيا في نحو شهرين فقط، كما ظهر أيضاً التواطؤ الغربي مع نظام بشار في شن الحرب بعيداً عنه واستخدام داعش هدفاً مشتركاً للحرب على الإرهاب بدلاً من إقصائه، وذلك بالتنسيق مع روسيا  للحفاظ على أمن الكيان الصهيوني.

قرارات وتحركات الكيان الصهيوني وحلفائه تؤكد إدراكه لواقع الشباب المسلم في البلدان المجاورة، وما يحمله من حماس وإصرار على المواجهة وعدم الاستسلام لأفكار الخضوع والاستكانة التي نشرتها وسائل الإعلام الغربية وبعض وسائل الإعلام العربية لصالح هيمنة الكيان الصهيوني.

لكن الحواجز والجدران التي أسسها هذا الكيان ليحارب من ورائها ويصبح أكثر نفيراً، سقطت في عيون الشباب المسلم الصاعد، وانكشفت كذلك في عيونهم، ليكون الشباب المسلم قد نجح بالفعل في تغيير نظرة التفوق المعتادة من جانب هذا الكيان المحتل، وكذلك نظرة الاستكانة من جانب الشعوب الإسلامية تجاه هذا المحتل.

 ثروة بشرية من اللاجئين المؤهلين تدعم اقتصاد ألمانيا:

وفي سياق آخر، تظهر نظرة إيجابية للشباب المسلم في المجتمعات الغربية برغم الاتهامات المتلاحقة له بالتورط في عمليات إرهابية؛ فقد صاحبت أزمة اللاجئين السوريين إلى البلدان الأوربية دراسات اقتصادية أكدت أنهم يمثلون ثروة بشرية مهمة وليسوا عبئاً ثقيلاً على البلدان الغربية كما تروج بعض وسائل الإعلام.

وأفاد تقرير للتلفزيون الألماني في سبتمبر 2015م، أنه خلال الأزمة السورية لجأ إلى ألمانيا 5 آلاف طبيب سوري، وما يقارب هذا العدد من المهندسين أيضاً، بما يوفر على ألمانيا نحو 8 مليارات دولار لإعداد وتأهيل أطباء ومهندسين، وهو رقم يزيد على تكاليف استيعاب اللاجئين السوريين وغير السوريين الذي خصصت له الحكومة الألمانية ستة مليارات دولار، فضلاً عن أن القسم الأكبر من هؤلاء الأطباء والمهندسين السوريين اندمج بالفعل في سوق العمل، وساهم في جلب بضعة مليارات أخرى إلى الناتج المحلي الإجمالي الألماني.

في السياق ذاته، يقول ينس فايدمان رئيس البنك المركزي الألماني لوكالة الأنباء الألمانية «د.ب.أ» إن «ألمانيا تواجه تحديات ديمغرافية خطيرة تتمثل في تزايد شيخوخة المجتمع وانخفاض نسبة المواليد وزيادة التنافسية مع الاقتصاديات الصاعدة»، ونظراً لهذه التحديات فإن ألمانيا بحاجة إلى المزيد من العمال الأجانب للحفاظ على ازدهارها».

 الجيل الثاني في أوربا يتصدى لحملات التشويه ويقدم رسالة إيجابية عن المسلمين:

في هذا الإطار، تبدو أيضاً النظرة الإيجابية من السلطات الألمانية للشباب القادم من البلدان الإسلامية مستمدة من المساهمة الكبيرة للمهاجرين من تركيا والمغرب في الطفرة الاقتصادية الهائلة التي شهدتها البلاد في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

إلى ذلك، يحظى الجيل الثاني من المسلمين في أوربا بنظرة تقدير بعيداً عن الاتهامات التي تخرج من فترة لأخرى من جانب الأحزاب اليمينية وبعض وسائل الإعلام، حيث استغلت بعض الجهات الأحداث الدامية الأخيرة التي حصلت في فرنسا، وأعادت توجيه الأنظار إلى مشاكل دمج الجيل الثاني من المسلمين في المجتمعات الأوربية، بطريقة اتسمت بالتهويل من الخلفية الدينية والثقافية للمسلمين.

لكن في المقابل، بدت المجتمعات الغربية في البلدان المتقدمة مثل ألمانيا وفرنسا أقل تأثراً بتلك الحملات، على ضوء أن الشباب المسلم من الجيل الثاني ولدوا وعاشوا في المجتمعات وليسوا مهاجرين، كما أن هؤلاء الشباب قدموا نماذج حية ليس فقط للتعايش والاندماج، وإنما في الوصول إلى مناصب مهمة ومواقع علمية رفيعة.

كما كان اندماج الجيل الثاني من المسلمين في أوربا أحد العوامل المهمة للتصدي لحملات التشويه التي تمارس ضد المسلمين، ليس فقط من خلال تسامحهم وأخلاقهم في المعاملات، وإنما أيضاً من خلال قدرتهم على إيصال رسالة مضادة لحملات التشويه بنفس طريقة تفكير البلدان التي يعيشون فيها، وهو أمر ربما كانت له انعكاسات إيجابية على نظرة الشعوب الأوربية لقضايا العالم الإسلامي، لاسيما القضية الفلسطينية التي نالت دعماً شعبياً متزايداً في أوربا خلال الأعوام الماضية.