العنوان: الإبادة الثقافية.

المؤلف: لورنس دافيدسون.

الناشر: العبيكان للنشر.

تاريخ النشر: 1438هـ.

«أن يعمد مجتمع ما قاصداً إلى إضعاف وتدمير القيم والممارسات الثقافية العائدة لمجموعات لا تنتمي إليه».. قدَّم لورنس دافيدسون، أستاذ التاريخ في جامعة ويست شيستر بالولايات المتحدة الأمريكية، هذا التعريف الأولي لمفهوم الإبادة الثقافية التي انشغل بتحليلها في هذا الكتيب. ويرتبط هذا المفهوم تاريخياً بنشوء الدولة الحديثة، وظهور القوميات، التي سعت إلى الإبادة الجسدية لكل من هو مختلف عنها داخل الحدود الجغرافية المصطنعة في معظم الأحيان، وإذا تعذرت الإبادة الجسدية لجأت الدول للإبادة الثقافية، وغالباً ما يترافق نوعا الإبادة في سبيل تحقيق النقاء القومي المقدس.

رتّب المؤلف كتابه على خمسة فصول وخاتمة، وقد خصص الفصل الأول لتحليل الأسس النظرية (النفسية والاجتماعية) للإبادة الثقافية، والإجابة على سؤال: لماذا تذعن المجتمعات للإبادة الثقافية للآخرين؟ قدّم هذا الفصل ظاهرة «النزعة المحلية الطبيعية» للإجابة على هذا السؤال، والمقصود بها أن أولوية معظم الناس تتمحور حول حياتهم اليومية، وبيئتهم المباشرة، وهذا التركيز الطبيعي على البيئة والمحيط المحلي عند الإنسان العادي ينمي في الفرد الانخراط في التوجه الجماعي مع من هم حوله، والشك في المجهول والغريب. وفي إطار هذه النزعة المحلية نكتسب نظرتنا للعالم الخارجي وسكانه، وتتسم هذه النظرة بالنمطية والاختزال، لأننا كلما ابتعدنا عن بيئتنا المحلية ازداد اعتمادنا على معلومات محدودة، ومن مصادر لا نعرف عنها إلا القليل، ولأن مساحة جهلنا واسعة جداً في ما يخص العالم البعيد فإننا نعوض ذلك بإخضاع ما لا نعرفه إلى ما نعرفه ضمن سياقنا الثقافي المحدد سلفاً. ثم يتم تدعيم هذه الصور الثقافية عبر الإعلام والخبراء ورموز الحكومة، باستخدام العواطف الثابتة (الكره، الخوف، الحب)، والتي تسهل من التوافق المجتمعي حيال الصور النمطية والأفكار الشائعة.

وتزداد الأنماط الجماعية قوة إضافية بسبب «أن معظم الناس يكوّنون آراءهم بما يتوافق مع من حولهم. ويرغب الناس بالتوافق مع المجتمع، ومشاركة وجهات النظر التي تعد مظهراً مهماً لهذا الالتزام، وحالما توضع وجهة النظر موضع التنفيذ والممارسة، يتولد ميل فطري إلى تعزيزها من خلال البحث عن المعلومات التي تدعمها، وتتجاهل أو تقلل من قيمة تلك التي لا تدعمها. وبالنتيجة فإن الحكومة ووسائل الإعلام التي تدير هذه الأنماط يمكن أن تحرك الجماهير على أساس افتراضات مغروسة بقوة، تعتمد - بدورها - غالباً على الافتراضات الراسخة التي تقوم على الأنماط، والكلمات المهمة في نظر الناس، والتأكيدات غير الخاضعة للتحليل» كما يقول دافيدسون. وكل ذلك يساعد في تدعيم المواقف الشعبية والرسمية لسياسات الإبادة.

وفي الفصل الثاني يبدأ المؤلف في عرض وتحليل التطبيقات التاريخية لمفهوم «الإبادة الثقافية»، ويخصص هذا الفصل للحديث عن الإبادة الثقافية للسكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية (الهنود الحمر)، ويشير إلى فشل المحاولات الأولى للغازي الإنجليزي في تنفيذ الإبادة الجسدية للهنود، وكيف طوّر الرجال والنساء البيض معتقداً جماعياً عن الهنود وأنهم متوحشون، ومتخلفون، وفاسدون بالفطرة، بل - كما يشير منير العكش في كتابه «أمريكا والإبادات الثقافية» - قذرون، برغم أن الأوربيين كانوا يسخرون من عادة الاغتسال اليومي لدى الهنود. ويذكر دافيدسون أن المعتقد الجماعي للمستعمرين يعزز من الإبادة الجسدية إلا إن ذلك لم يحدث إلا بصورة جزئية، وذلك بسبب وجود مساحات شاسعة من الأراضي خارج الحدود يمكن نقل السكان الأصليين إليها، فظهرت سياسة المحميات. وأيضاً بسبب وجود أقلية رأت منذ بداية الاستيطان الاستعماري أنه يمكن علاج «المشكلة الهندية» من خلال التنصير.

وقد شرع المحتل لاحقاً في العمل على التعليم القسري لأبناء الهنود، ونشر النصرانية بينهم. وقد تولى هذه المهمة «مكتب الشؤون الهندية» الذي تأسس عام 1806م. وفي المدرسة - كما ينقل العكش - يجبر الهنود على جز شعورهم وهي عزيزة عندهم بل من ثقافتهم المعاقبة بحلق الرأس، وهذه أول خطوة إذلال، ثم يجبر الطفل على تغيير اسمه إلى اسم إنجليزي، ويحرم من الحديث بلغته الأم، ويعاقب على المخالفة بوحشية.

وفي الفصل الثالث ينتقل المؤلف للحديث عن الإبادة الثقافية (والجسدية أيضاً) ليهود روسيا في القرن التاسع عشر، وتبدو هذه الحالة وكأنها تجلٍ لصراع ديني بين الأرثوذكسية الروسية واليهود، وتحدث المؤلف عن المعتقدات الروسية المعادية للسامية (اليهود) والتي دعمت السياسات القيصرية في تنفيذ الإبادة الثقافية، وقد شجعت هذه السياسات اليهود على إلحاق أولادهم بالمدارس الروسية، كما منعت الأموال عن المدارس اليهودية، وطالبت اليهود باستخدام اللغة الروسية أو الألمانية أو البولندية فقط في التعامل مع الدولة. ثم اتخذت الإجراءات خطاً جذرياً مع تسلم نيكولاس الأول الحكم، فقد أصدر مرسوماً في العام 1827م ينص على وجوب تجنيد الصبيان اليهود ابتداء من سن الثانية عشرة في الجيش الروسي، وإلزامهم بالبقاء هناك مدة 25 سنة. ثم ألغيت هذه المراسيم لاحقاً. وجددت مراسيم أخرى تقيد من حركة اليهود، وتجارتهم، وتمنعهم من الزواج من المسيحيين. وحين اندلعت الاضطرابات في 1905م اتهم اليهود بأن لهم دوراً بارزاً في المؤامرات الثورية، وكان جهاز الأمن القيصري قد نشر بروتكولات حكماء صهيون في عام 1903م، وساهمت هذه السياسات الدعائية في وقوع المذابح ضد اليهود.

ويتحول اليهود من ضحايا تثير الشفقة إلى قتلة ومنفذين لسياسات الإبادة الثقافية في فلسطين ضد العرب، وهذا هو موضوع الفصل الرابع. ويشير المؤلف هنا إلى سياسات الترحيل التي مارستها القوى اليهودية في العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم ضد عرب فلسطين، ويقول: «إن كلمة (ترحيل) أصبحت هي المصطلح المهذب للإبادة الثقافية والتطهير العرقي». ولتنفيذ التهجير القسري شرع اليهود في تنفيذ مجازر بشعة بغرض نشر الذعر بين السكان الأصليين، وتدريجياً نجحت عمليات القتل والترهيب في إخلاء وتدمير 419 قرية ومدينة فلسطينية، وأصبح غالبية الفلسطينيين لاجئين. وترافق مع هذه الإبادة الجسدية إبادة ثقافية، فقد شرع الصهاينة في التهويد الثقافي، ومارست اللجنة التابعة للصندوق القومي اليهودي JNF محواً منظماً للتاريخ العربي من التقارير والخرائط وكتب التاريخ الرسمية في الكيان الصهيوني. وخلال الخمسينات سمحت الحكومة اليهودية للجنود بنهب المواقع المقدسة الإسلامية والمسيحية، والمتاحف، والآثار، والسجلات. وفي آخر هذا الفصل يقارن المؤلف بين معاملة اليهود في روسيا القيصرية ومعاملتهم للفلسطينيين، ويشير لنقاط التشابه، فمعتقدات الروس الجماعية حيال اليهود تشبه معتقدات اليهود عن الفلسطينيين، وسياسات الروس الإقصائية في المجالات الاقتصادية تتشابه مع الإقصاء اليهودي للفلسطينيين، وعزل الروس لليهود في غيتوات، يشبه ما يفعله الصهاينة الآن، وغير ذلك. وأشار المؤلف أيضاً لنقاط التباين بين التجربتين، فخلال القرن التاسع عشر جرت محاولات متكررة لدمج اليهود في الدولة الروسية، أو تحويلهم إلى روس أرثوذكس، في حين أن الحكومة الصهيونية لا تسعى إلى دمج الفلسطينيين أو تحويلهم. ويعلل أخيراً سياسات الكيان الصهيوني في الإبادة الثقافية بأنها متلازمة شاذة للشعور بالاضطهاد، ونفسية الضحية السرمدية التي يغرق فيها اليهود.

ويعقد المؤلف الفصل الخامس لنقاش حالة سكان التبت والصين، وكانت منطقة التبت تاريخياً مستقلة عن الصين، وجرت محاولات عدة لإخضاعها للحكومة الصينية. وفي العام 1950م غزا الجيش الشعبي الصيني التبت واحتلها، وعقدت الحكومة الصينية اتفاقاً مع الزعيم التبتي الدالالي لاما، ولكن في العام 1959م انتفضت التبت ضد الحكم الصيني وهرب الدالالي لاما للهند ومعه آلاف من أتباعه، وأعاد الجيش الصيني إخضاع المنطقة، وشرع الحزب الشيوعي الصيني في سياسات إبادة ثقافية منظمة، وفرض المساواة، وأغلق 97% من الأديرة، ووزع ممتلكاتها، وقد حققت هذه السياسات بعض النجاح. وفي أواخر الثمانينات نفيت جميع القيادات الدينية التبتية، وأصبح من غير الممكن تعيين شخصيات قيادية جديدة من دون موافقة الحزب الشيوعي، وبرغم إعادة بناء بعض الأديرة البوذية وتشجيع الفنون المحلية، إلا إنه لم يسمح بأي إشارة للقومية التبتية أو الدالالي لاما، كما أصبح معظم السكان يفضلون تدريس أولادهم اللغة الصينية لأسباب اقتصادية. ومع ذلك فلم تكتمل جهود الحكومة الصينية في الإدماج والإبادة، ففي 10 مارس 2008م خرج الرهبان والراهبات في مظاهرات سلمية لإحياء ذكرى الثورة التبتية عام 1959م، وقد ووجهت بقسوة، واستأنفت سياسات جديدة للإبادة الثقافية، فمنع على إثرها بعض العادات والتقاليد كسباق الخيل، والعطلات المحلية واللباس التقليدي.

وفي الفصل الختامي يشرح المؤلف كيف ساعدت النزعة المحلية، والبيئات الإعلامية المغلقة، والمعتقدات الجماعية على تقديم الدعم الرسمي والشعبي للإبادات الثقافية في النماذج المذكورة. ويشير في آخر الفصل للوضع القانوني المبهم للإبادة الثقافية، ويلاحظ أن اتفاقية الأمم المتحدة عام 1948م لمنع الإبادة الجماعية لم تتضمن النص على الإبادة الثقافية. وفي ميثاق حقوق السكان الأصليين بالأمم المتحدة 1994م منع واضح للإبادة الثقافية، ولكن الأمر الذي يستحق الملاحظة - كما يشير العكش - دور الولايات المتحدة وضغوطها الهائلة للحيلولة دون الإشارة إلى «الإبادة الثقافية» في ميثاق جنيف.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى تصرف المترجم غير الرشيد باختصار مقدمة الكتاب بدون الإشارة إلى ذلك أو تبريره، لاسيما مع صغر حجم الكتاب، كما أنبّه إلى تعليق مراجع الكتاب على المحرقة النازية لليهود «الهولوكست» ومحاولته للتشكيك في وقوعها، وهذه مغالطة تاريخية فجة لا داعي لها.