لم يتهرب العثمانيون من واجبهم تجاه الأندلس، التي كان المسلمون بها يواجهون حرب إبادة جماعية من قبل النصارى الكاثوليك، الذين تكالبوا عليهم، وبخاصة بعد فتح القسطنطينية عام 1453م.

وعلاوة على تدخل الأسطول العثماني في عهد السلطان بايزيد الثاني (1481-1512م) لحماية المسلمين الفارين من جحيم الاضطهاد الصليبي في إسبانيا، وإجلائهم إلى شمال إفريقيا؛ كانت هناك خطط وضعها بعض السلاطين فيما بعد لاستعادة الأندلس، ولكن بعضها لم ينفذ، وبعضها نفذ جزئياً فقط، وذلك لأسباب خارجة عن إرادة هؤلاء السلاطين، كما سنرى، وكما سيقرر ذلك الدارسون والمؤرخون المنصفون، وفيما يلي أهم تلك الخطط ومصيرها:

خطة السلطان سليم الأول:

كان اهتمام السلاطين العثمانيين كله موجهاً إلى أوربا، وكانوا يواصلون التوغل في أوربا الشرقية «ببأسٍ شديد وقوةٍ لا تردع»، في القرنين الأولين من عمر هذه الدولة، وهما القرنان الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين. وقد كان السلطان سليم الأول (1512-1520م) يفكر منذ بداية حكمه في استعادة الأندلس من أيدي نصارى أوربا، وتكوين دولة إسلامية في الأندلس مرة ثانية، حيث كان الحكم الإسلامي لغرناطة قد انقرض على أيدي النصارى الإسبان عام 1492م، أي قبل 18 سنة فقط من وصوله إلى الحكم[1]، وانطوت سلطة مسلمي الأندلس، ولقي مسلمو الأندلس جميعاً مصرعهم أو شردوا في شمال إفريقيا، ومن بقي منهم أجبر على ترك الإسلام واللغة العربية، وكل ما يرمز لهما، حتى الاسم بل حتى الثياب، وأغرق سقوط الأندلس كل مسلمي العالم في مأتمٍ وحداد. وكانت خطة السلطان سليم الأول تقضي بأن يستولي على فينسيا (البندقية)، وجنوا، أقوى دولتين بحريتين في أوربا حينذاك، ثم يجرد الجيش من هناك إلى الأندلس (إسبانيا). وسعياً وراء هذا الهدف الكبير والخطير والطموح، أصدر السلطان سليم الأول أوامره للقوات البحرية العثمانية الصاعدة بأن تصنع مئة سفينة حربية، وأن تجهزها بأحدث العتاد والمعدات العسكرية وأكثرها كفاءة. ولكن التحريضات والتحرشات والأعمال الاستفزازية التي كان الصفويون يقومون بها في أراضي الدولة العثمانية، واندلاع الثورات الشيعية في عقر دارها أدت لقيام السلطان سليم الأول بتغيير تلك الإستراتيجية، وبالتالي تجريد الجيوش ضد الدولة الصفوية في الشرق، ومن ثم نشوب معركة جالديران عام 1514م بين العثمانيين والصفويين، والتي انتهت بهزيمة الصفويين، ثم بعد ذلك قيام السلطان سليم الأول بضم الشام ومصر والحجاز إلى دولته الصاعدة وإنهاء الدولة المملوكية، ومن ثم الانشغال بالتصدي للبرتغاليين في البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي. وكل هذا وغيره جاء على حساب مشروعه لفتح أوربا، وعلى حساب خطته لاستعادة الأندلس. وقد توفي السلطان سليم الأول سنة 1520م، وهو يعد العدة لإعادة الزحف على إيران، للقضاء على الدولة الصفوية نهائياً، ومن ثم جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة وفي إطار خلافة واحدة هي الخلافة العثمانية، وكان في الوقت نفسه، يجهز الأسطول العثماني، لطرد البرتغاليين من الهند.

خطة السلطان سليمان القانوني:

جاءت هذه الخطة في أعقاب ضم العثمانيين لشمال إفريقيا، وتأمينها من غارات الأساطيل الإسبانية والبرتغالية، وأيضاً بعد تأمين الحماية اللازمة للحرمين الشريفين، وإحباط حملات الأساطيل البرتغالية في البحر العربي، والمحيط الهندي، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسلامية، ومن ثم ضم العثمانيين لليمن وشرق إفريقيا، وكذا بعد فتح بغداد وتبريز وتحرير العراق وأذربيجان وغيرهما من الصفويين، إضافة إلى تحطيم أسطورة فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس، ودك معاقلهم فيها، وفتح العثمانيين لهذه الجزيرة ومن ثم سيطرتهم شبه الكلية على البحر المتوسط، واستئناف الفتوحات في شرقي أوربا، وفتح بلجراد، ودق أبواب فيينا، كل ذلك كان في عهد السلطان سليمان القانوني (1520- 1566م)، الذي وصلت الدولة العثمانية في عهده لأقصى اتساعها ولذروة قوتها ومجدها وعزها، بحيث كانت أكبر وأقوى دولة في العالم على الإطلاق.

فبعد كل تلك الإنجازات والفتوحات والانتصارات وغيرها، سمت بالسلطان سليمان القانوني نفسه إلى استعادة الأندلس، والتي كان الإسبان الكاثوليك، قد استولوا على آخر مملكة إسلامية فيها عام 1492م، وهي مملكة غرناطة الصغيرة، ومن ثم إعادة الأندلس كلها إلى حظيرة الإسلام. ولعله أراد بذلك أن يجعلها مسك الختام في حياته، لأنه كان حينذاك قد تجاوز السبعين من عمره.

والمهم أنه في غضون ذلك عادت إلى ذاكرة هذا السلطان العظيم خطة خير الدين بربروس، القائد البحري المسلم المجرِّب الشهير، والذي كان اسمه يبث الرعب في قلوب النصارى في ممالك غرب أوربا. وكان هذا القائد قد توفي قبل ذلك بحوالي عشرين عاماً، وتحديداً في سنة 953هـ/ 1546م. وكانت خطة خير الدين بربروس لاستعادة الأندلس تقضي بفتح تونس أولاً، واعتبر ذلك شرطاً لا بد منه، لأي حرب مظفرة في الغرب، أي في غرب أوربا، وتحديداً في إسبانيا، وهو ما يعني بالنتيجة إعادة فتح الأندلس من جديد.

وكانت تونس ذات أهمية إستراتيجية كبيرة لموقعها المتوسط في حوض البحر المتوسط، ومن ثم سيطرتها على الملاحة في هذا البحر، وهذا فضلاً عن قربها من الشواطئ الإسبانية والفرنسية والإيطالية. وكانت تونس حينذاك تحت سيطرة الإمبراطورية الإسبانية.

هكذا كانت خطة خير الدين بربروس لاستعادة الأندلس، وهي الخطة نفسها التي تبناها السلطان سليمان القانوني، وأوشك أن يضعها موضع التطبيق.

ولكن، وبينما كانت خطة استعادة الأندلس مطروحة على طاولة البحث، توفي السلطان سليمان القانوني عن عمر تجاوز الـ71 عاماً، بعد أن حكم المسلمين لأكثر من 46 عاماً، حافلة بالإنجازات والفتوحات، في الشرق والغرب والبر والبحر. وخلفه في الحكم ابنه السلطان سليم الثاني (1566- 1574م)، والذي لم يكن على مستوى أبيه من القوة والحزم، والهيبة، والتفكير الإستراتيجي.

السلطان الجديد ومصير الخطة:

عندما تولى السلطان الجديد سليم الثاني أعاد تقييم أمور دولته، وتبين له ولحكومته أن هناك خطرين عظيمين يهددان دولة الخلافة العثمانية، هما:

الأول: الخطر الصليبي: ممثلاً في الإسبان والبرتغاليين، الذين كانت أساطيلهم لا تزال تقوم بحملات ضارية على سواحل شمال إفريقيا بهدف السيطرة عليها، لحرمان المسلمين من التمركز فيها.

الثاني: الخطر الشيعي: الذي كانت تمثله الدولة الصفوية في إيران. وذلك أنه برغم هزيمة الصفويين في معركة جالديران عام 1514م على أيدي العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، وأيضاً برغم الحملات العسكرية الثلاث الكبرى، التي وجهها السلطان سليمان القانوني ضد إيران لغرض القضاء على هذه الدولة، إلا إن تلك الحملات كلها، لم تحقق أهدافها كاملة، ولم تضع حداً للخطر الصفوي الشيعي، وإنما نجحت فقط في تحجيمه، والحد منه. وإزاء ذلك انقسم السياسيون والقادة العسكريون في بلاط السلطان سليم الثاني إلى فريقين رئيسين:

الفريق الأول: وهو الذي كان يمثله الصقور، بزعامة الوزير الأكبر (الصدر الأعظم) محمد باشا الصوقللي، والباقي على رأس الحكومة من عهد السلطان سليمان القانوني. فقد كان يرى أن هناك إمكانية لتأجيل الحرب ضد العدو القريب في الشرق (الدولة الصفوية)، وأنه لا بد مما يلي:

التحالف مع جميع الحركات المناهضة للكاثوليكية في أوربا والاستفادة منها في ما يخدم إستراتيجية دولة الخلافة العثمانية.

احترام البلدان الأوربية التي تنتهج سياسة حذرة، والعمل على تحييدها، وعدم الاصطدام بها، لاسيما البندقية، وكانت من الدول البحرية المهمة إذ ذاك.

تركيز الجهود العسكرية في غرب أوربا، والشروع في القتال بأسرع ما يمكن ضد الطغاة الإسبان، وإعادة فتح الأندلس من جديد.

الفريق الثاني: كان على رأسه السلطان نفسه إلى جانب مصطفى باشا مربي السلطان، وقابودان باشا بيالي صهر السلطان، وكان يرى أن الإمبراطورية الإسبانية، بزعامة فيليب الثاني (1555-1598م)، هي عدو قوي جداً، وتتوافر على إمكانات هائلة جداً، خاصة بعد اكتشاف الأميركيتين وسيطرتها على أطنان من الذهب والفضة فيهما، وهي بالتالي قادرة على تعريض الدولة العثمانية لخطر حرب كبيرة في الغرب، قد تستنزف إمكاناتها العسكرية والاقتصادية، وبصورة قد تعرضها لتهديد كبير في المركز، خاصة في ظل وجود الدولة الصفوية المتحفزة دوماً للغدر والشر والأذى، وحليفة الإسبان والغرب الصليبي ضدها. لاسيما مع تمدد هذا الخطر ووصوله إلى شمال اليمن، حيث برز الأئمة الزيديون في معاقلهم الجبلية كعدو لدود شرس لدولة الخلافة العثمانية، وصار خطرهم يتزايد يوماً بعد يوم، ليس على الوجود العثماني في شمال اليمن فحسب، وإنما أيضاً على ميناء عدن، القاعدة العثمانية الإستراتيجية لمواجهة المد الأوربي الصليبي في البحر العربي والمحيط الهندي وشرق إفريقيا. وهذا يعني أنه من غير الممكن تركيز الجهود لإعادة فتح الأندلس، طالما هذا الداء العضال موجود في خاصرة الدولة العثمانية. ولذلك لا بد من التخلص من هذا الخطر أولاً ثم بعد ذلك التفكير في فتح إسبانيا. وكان الفريقان متعادلين تقريباً في القوة.

خطة العثمانيين البديلة لاستعادة الأندلس:

برغم تركيز العثمانيين في عهد السلطان سليم الثاني جهودهم للتخلص من الخطر الشيعي الصفوي، وإعادة فتح اليمن من جديد، فإنهم لم يتخلوا عن حلفائهم في ممالك غرب أوربا، وظلوا يقدمون المساعدات السرية للحركات البروتستانتية المناوئة للكاثوليكية فيها، ويزودون بالأسلحة الجيش الذي كان يجري الإعداد له من بقايا المسلمين في غرناطة وما حولها للثورة ضد الإسبان الكاثوليك. وكان السلطان سليم الثاني في «فرماناته العلية» (نامة هامايون) إلى أعيان الشعب الأندلسي، وإلى «بكوات فلاندرة وغيرها من الولايات الإسبانية» يدعوهم بإلحاح لتدعيم «التحالف الإسلامي اللوثري»، وتنسيق خططهم، والتعاون في تنظيم هجوم عام على «البابوية». بيد أن الفريق الأول (فريق الصقور)، لم يتخلَّ عن خطته تماماً، وظل الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) يضغط بإصرار لتنفيذ خطة السلطان سليمان القانوني لاستعادة الأندلس، ولذلك قام في مارس سنة 1568م بتعيين القائد البحري الشهير علج علي، بكلر بك طرابلس (1565-1568م)، والعدو الأول للبابوية ولطبقة النبلاء الكاثوليك في أوربا، ليكون بكلر بك على الجزائر، وأمره بالاستعداد للهجوم على شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس)، فبدأ علج علي بتكديس احتياطي المواد الغذائية والأسلحة والذخائر الحربية، في منطقة مستغانم - وهران، ودوت صيحة الجهاد في أرجاء الجزائر كلها، وتدفق المتطوعون للقتال من أجل استعادة الأندلس من كل حدبٍ وصوب. وخلال مدة يسيرة تم حشد قرابة 14 ألفاً من الرماة والفرسان، و60 ألفاً من المجاهدين المحليين، وعدداً كبيراً من المدفعية، وكميات ضخمة من البارود. وفي غضون ذلك كان الإعداد للثورة الشاملة في أوساط الموريسكيين (المسلمين الذين بقوا في الأندلس وأجبروا على التنصر)، وخاصة في غرناطة وجبال البشرات، جارياً على قدم وساق، بعد أن كانت مأساتهم قد وصلت إلى ذروتها تحت نير محاكم التفتيش الكنسية، سيئة الصيت، والحكم الإسباني الكاثوليكي البغيض. وكان الوالي العثماني في الجزائر، علج علي، وبقية المجاهدين المتطوعين المتأهبين، يترقبون الشرارة الأولى لاندلاع تلك الثورة، لكي يعبروا إلى الأندلس عن طريق البحر، للقتال إلى جانب إخوانهم المسلمين هناك، وذلك بعد تأمين أماكن لإنزالهم على سواحل الأندلس الجنوبية الشرقية.

ثورة بقايا المسلمين في الأندلس:

وفي ليلة عيد الميلاد، ديسمبر 1568م، وبعد شهور من التحضير والإعداد، نشبت ثورة بقايا المسلمين المتنصرين في الأندلس (الموريسكيين) ضد الإسبان الكاثوليك. فقد اندلعت هذه الثورة في غرناطة وفي ضواحيها حيث يقيم أعيان الموريسكيين، واضطرمت في أنحاء منطقة البشرات الجبلية، وفي بسطة ووادي آش، وفي معظم أنحاء المرية، ووثبت الجموع المسلحة من الموريسكيين الثوار على الحاميات العسكرية الإسبانية المتفرقة في تلك الأنحاء، وعلى النصارى المستوطنين بين أظهرهم في جنوب الأندلس، ففتكوا بهم، ومزقوهم شر ممزق، وصبوا جام غضبهم، بصفة خاصة، على القسس ورجال الكنيسة، وموظفي الحكومة، لكونهم كانوا سبب بلائهم ومصائبهم ونكباتهم. ولم يلبث لهيب الثورة حتى عم معظم أنحاء جنوب الأندلس، حيث دوت صيحة الحرب القديمة، في أكثر أرجائها، وقد توج زعماء الموريسكيين ثورتهم بإعلان استقلالهم، بزعامة أمير شاب منهم من أهل البيازين في غرناطة، يدعى الدون فرناندو دي كردوبا فالور، فأطلق على نفسه اسم محمد بن أمية، لأنه كان من أعقابهم، وكان من جملة المسلمين الذين أجبروا على التنصر وتغيير أسمائهم العربية. وهكذا استعد الموريسكيون لخوض معركة الحياة والموت مع الإمبراطورية الإسبانية، إحدى أقوى الإمبراطوريات في العالم حينذاك. وما أن اندلعت هذه الثورة حتى سارع علج علي، بكلر بك الجزائر، لتأييدها، وأرسل إلى مرفأ ألمرية في جنوب شرقي الأندلس أربعين مركباً محملاً بالسلاح والمتطوعين. لكنها للأسف الشديد لم تتمكن من الوصول إلى الشاطئ بسبب العواصف الشتوية. وفي يناير 1569م كرر علج علي المحاولة ففشلت للمرة الثانية. وأدت العاصفة الشتوية إلى فقدان 32 مركباً، ولم تتمكن إلا ستة من مراكب علج علي، من الوصول إلى شاطئ ألمرية، ومن ثم تفريغ ما على ظهرها من مدفعية وبارود، مع مجموعات صغيرة من المجاهدين المتطوعين. وكان هذا من سوء حظ الموريسكيين المضطهدين في جحيم حكم الإسبان الكاثوليك، والذين كانوا بحاجة ماسة للدعم والمساعدة، أو لنقل إن ذلك كان لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. وقد بلغ مجموع من استطاع علج علي إرسالهم إلى إسبانيا إبّان تلك الثورة قرابة أربعة آلاف مقاتل، بمن فيهم بضع مئات من العثمانيين من إنكشاريته القدامى، فعمل هؤلاء كمدربين عسكريين أو «قباطنة» عند الموريسكيين. وبقي هذا الوالي العثماني المتحمس لاستعادة الأندلس يتابع أخبار تلك الثورة، ويترقب في الوقت نفسه وصول الأسطول العثماني، ووصول المدد من إسطنبول، لكي يباشر بنفسه قيادة الحرب في الأندلس.

رد الفعل الإسباني ومصير الثورة:

أما في مدريد عاصمة الإمبراطورية الإسبانية فقد سادت أجواء الذعر الشديد من إمكانية وصول القوات النظامية لجيش العثمانيين وأسطولهم، في ظل تفاقم ثورة الموريسكيين. ففي أكتوبر 1569م، وبعد حوالي عشرة أشهر من اندلاع الثورة الموريسكية الشاملة، وأثناء حوار مع رسول البابا، في بلاط فيليب الثاني، أعلن المسئولون الإسبان أنه إذا حصل تدخل مباشر من جانب العثمانيين، في هذه الثورة فإن إسبانيا قد تسقط في أيدي المسلمين. وفي غضون ذلك، سارعت السلطات الإسبانية بإرسال أفضل وحدات الجيش الإسباني المدجج بأقوى ترسانة أسلحة في العالم في ذلك الوقت، بقيادة دون خوان النمساوي، لقمع الثورة وخنقها. وقد طلب منه الملك أن يخمد الثورة بأسرع ما يمكن قبل أن يتمكن السلطان سليم الثاني من تجميع قواته التي كانت منتشرة آنذاك في البلقان وشرقي أوربا. وهكذا قام هذا القائد الإسباني بأكبر حرب إبادة وتنكيل في التاريخ ضد الموريسكيين، فدك مدنهم وقراهم دكاً، وسفك دماء عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، وأخذ الكثير منهم رهائن ودروعاً بشرية، لكي يجبر المجاهدين على الاستسلام، وبجانب ذلك جرت محاولات في غاية الدهاء، لاختراق الثوار الموريسكيين وشق صفوفهم، ونجحوا فيها للأسف. لذلك قُبيل شهر مايو 1570م تمكن دون خوان النمساوي من القضاء على قوات المجاهدين الرئيسة، وتشريد من تبقى منهم في الجبال. وفي 20 مايو استسلم «الرئيس الأعلى» للمسلمين الإسبان، وقبل 15 يونيو كان ثلاثون ألفاً منهم، قد ألقوا سلاحهم بعد المجازر الرهيبة التي لحقت بأهاليهم ونتيجة للجوع ونقص الموارد والحصار الخانق، وسمح للمجاهدين القادمين من شمال إفريقيا بالعودة إليها. وأما النجدة العثمانية المرتقب وصولها إلى الأندلس فلم تصل أبداً. صحيح أن السلطان العثماني سحب جيشين من جيوشه الكبيرة من منطقة البلقان، لكنه لم يوجه أياً منهما للأندلس، وإنما وجه أحدهما سنة 1569م للتصدي للثورة الزيدية التي نشبت ضد العثمانيين (السنة) في جبال اليمن. ووجه الجيش الآخر للاستيلاء على إستراخان وقازان، التي كانت مهددة بالاجتياح من قبل الصليبيين الروس بعد صعود نجمهم. وهكذا تورط العثمانيون في حرب الشرق، إبان أدق ظروف الانتفاضة المعادية للإسبان في الغرب، وتبددت جهودهم في التصدي للخطر الشيعي، سواء في إيران أو اليمن، وترك الموريسكيون لوحدهم يقارعون إمبراطورية الإسبان، التي كانت تحكم منطقة غرب أوربا عدا فرنسا. وفي عام 1570م اندلعت الحرب بين العثمانيين وجمهورية البندقية. لذلك أصيب محمد باشا الصوقللي، وقيادة الغزاة العليا في شمال إفريقيا بخيبة أمل كبيرة، فقد كانوا ضد الحرب مع البندقية. وأصر الأندلسيون والجزائريون وغيرهم من الشخصيات المحيطة بعلج علي على بدء العمليات العسكرية بأسرع ما يمكن ضد إسبانيا. غير أن حريق البندقية وانتصار دون خوان النمساوي دفعا البكلر بك علج علي إلى تغيير خططه، فشرع في أكتوبر 1569م في الهجوم على تونس. وقد انتهت هذه الحملة المظفرة بتحرير تونس، وطرد الإسبان منها، وضمها لدولة الخلافة العثمانية، وذلك بمساعدة الأسطول العثماني. وأما مأساة المسلمين في الأندلس فقد انتهت بطرد البقية الباقية منهم من إسبانيا سنة 1609م، وذلك في ذروة انشغال العثمانيين بالحرب ضد الصفويين.

 


 


[1] كان سليم الأول يبلغ الخامسة والأربعين من عمره عشية توليه السلطنة، وكان يتصف بعلو الهمة، والجسارة، والبنية القوية، والذهن الوقاد، وكان شجاعاً، ذكياً، طموحاً، عظيم الهيبة، ذا عزيمة تفل الحديد، ونفسٍ تحب الغزو والجهاد والفتوحات، ويعده المؤرخون أحد العباقرة العسكريين في التاريخ، لدهائه وإنجازاته العسكرية الخارقة، وكان فيه مسحة من جده السلطان محمد الفاتح. وبرغم شخصيته العسكرية، وما اتصف به من بطش وجبروت، فقد كان يجل العلماء والأدباء، ويقدمهم في مجلسه، ويحسن إليهم، وكذلك شجع رعاياه على العلم وطلبه، كما أنه كان عارفاً بالفقه والشعر والتاريخ.