مما يؤسف له أن بعض العلماء فصلوا قضايا العقيدة والشريعة عن قضايا السياسة وشؤون الدولة، بزعمهم أن قضايا الدين من اختصاص العلماء، وأن قضايا السياسة من اختصاص السلطات العمومية التي جعلت آراء العلماء واستشاراتهم غير ملزمة لها، إذ ليس لهم في نظام الحكم الوضعي المعاصر أية صفة في تسيير شؤون الحكم.

وهكذا انتقلنا من مرحلة كان فيها الإسلام مبجّلاً معظماً مهيمناً على قمة السلطة إلى مرحلة أصبح فيها الإسلام وطنياً قطرياً مستخدماً لخدمة أغراض شخصية أو فئوية أو نخبوية تتحكم فيها أهواء النفوس.

وعلى الصعيد النظري، فإن هؤلاء العلماء يرفضون أية فكرة علمانية، ويصرخون بأن العلماء هم أداة توجيه المجتمع، ومن واجبهم السهر على تحقيق مصالح الناس. لكن على الصعيد العملي فإن مبادئ العلمانية وأفكارها هي التي تتحكم في السلوك اليومي للمجتمعات الإسلامية.

بل إن من العلماء من يصرح: بأننا علماء ولسنا ولاة، لذلك لا ينبغي أن نتدخل في قضايا الدولة والسياسة والاقتصاد، وغيرها من القضايا العمومية التي تمس حياة الناس؛ لأن هذا ليس من اختصاصنا، وإنما هو من اختصاص الملوك والرؤساء والأمراء والزعماء.

وهكذا فإن الإرجاء هو الذي كيّف مواقف هؤلاء العلماء لتبرئة الحكام وحماية الأنظمة العلمانية التي تحكم العالم الإسلامي بقوانين ونظم وأعراف امتزجت فيها الليبرالية والاشتراكية والديمقراطية بالإسلام، وامتزج فيها الباطل بالحق.

وهذا النوع من الشرك الخفي الذي عليه مسحة من الإرجاء لا يقبله الإسلام مطلقاً، لقوله تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]، وفي قراءة: {وَلا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}[1].

وبعض العلماء والدعاة - هداهم الله تعالى - يقولون إن الحاكمية مصطلح حديث، ولا يمكن اعتباره ضمن المبادئ الأساسية للتوحيد، بينما إفراد الله تعالى بالحكم في حقيقة الأمر أصل من أصول الاعتقاد وعروة من عرى الإيمان، لقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة»[2].

لقد جاءت الآيات القرآنية مؤكدة أن الحكم بما أنزل الله جل ذكره من صفات المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير شرع الله تعالى من صفات المنافقين. فإذا كان جوهر الإيمان والإسلام هو الانقياد والخضوع والطاعة، فلا يتحقق ذلك إلا بقبول أحكام الشرع والإذعان لحكم المخبر.

وأصحاب مقولة «الحاكمية مصطلح حديث، ولا يمكن اعتباره ضمن المبادئ الأساسية للتوحيد»، يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم إذا دعوا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة المختلفة سيضعون أنفسهم في موضع المواجهة مع الأنظمة العلمانية التي تحكم العالم الإسلامي بقوانين وضعية محادة لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وهناك من النهضويين الجدد من دعا إلى الفصل بين العبادة وسلوك الناس، فزعم أن دين الإسلام لا يخرج من دائرة العبادات، ودعا إلى فصل الدين عن السياسة بقوله: «ينبغي التمييز بين الهيئة الدعوية والحزب السياسي وبين الفتيا والسياسة، بحيث نقبل أن يكون دور الحركات الإسلامية دعوة الناس للدين وفتياهم في القضايا العبادية. ولا يجب أن نخلط ذلك العمل بالسياسة، ونترك ذلك لأحزاب سياسية دنيوية يكون فيها المسلم وغير المسلم من مواطني البلد، إذ ليس من المقبول وجود أحزاب دينية سياسية... وليس من مقصد الشريعة أن يحكم الناس بما لا يريدونه، فلا بد أن يكون هناك رضا وانسجاماً من خلال قوانين مدنية تقر بالوسائل الديمقراطية والمعايير الدستورية حتى نضمن لها قبول الناس»![3].

لقد نسي هؤلاء أن العمل ركن أساسي في الإيمان، ولذلك فإن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية وهي الجانب المكمل للعقيدة قد أفضى إلى إحلال القوانين الوضعية محل أحكام الشريعة، مما أدى إلى إحداث ثغرة خطيرة في حياة المسلمين نتج عنها ازدواجية في المعايير وفصام نكد في الشخصية المسلمة التي مزقها التجاذب بين القانون والشريعة، فتاهت وضاعت بين الشركاء المتشاكسين.

على أن هؤلاء العلماء والدعاة حين يستعملون أفكار المرجئة ويلبسونها لباساً  سنياً، إنما هدفهم هو الدفاع عن الأنظمة التي أقصت الشريعة من شؤون الحياة واستبدلتها بالقوانين الوضعية الجائرة الفاسدة، أو تلك الأنظمة التي تتلاعب بالشريعة وتوظفها لحماية مصالحها الدنيوية، وذلك لحماية هذه الأنظمة جميعاً من أن توجه إليها تهم الردة أو النفاق.

وقد ذهب هؤلاء بعيداً في انحرافهم إلى حدّ قولهم إن الحكام ما داموا لا يصرحون بعداوتهم للإسلام بألسنتهم، ولو كانوا لا يطبقون الشريعة في الحكم، ويفرضون على المسلمين قوانين وضعية، فهم مع ذلك مؤمنون؛ فليس المهم هو تطبيق الشريعة، لكن المهم هو الإيمان بها! 

ولا شك أن هذا التصور المنحرف للإسلام، والمنافي لحقائقه المبثوثة في نصوص الكتاب والسنة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، يقوم بعلمنة الإسلام من الداخل، ويبعد العقل المسلم عن فهم وتصور السياسة الشرعية التي ينبغي أن تكون الموجه للفكر والسياسة والاقتصاد والدفاع والإعلام والفن والأخلاق والتعليم والعلاقات الدولية في المجتمعات الإسلامية.

والعجب العجاب أن هؤلاء العلماء والدعاة برغم أن بعضهم يصرح بأن العلمانية تمثل خطراً على الإسلام والمسلمين، وأنها قناع لأفكار ونظم هدامة كالليبرالية والاشتراكية والديمقراطية والوطنية، إلا أنهم من الناحية العملية علمانيون من حيث لا يشعرون؛ حين يمنحون المشروعية الكاملة لولاة الأمر سواء كانوا ليبراليين أو اشتراكيين أو ديمقراطيين أو وطنيين. وهذا اللبس في المفاهيم والمواقف يعود إلى جرثومة الإرجاء التي مهدت الطريق في نفوسهم لقبول السلوك العلماني الذي عزل دين الله تعالى عن حياة المسلمين.

وهذه المواقف والأفعال الصادرة منهم قد سعى الاحتلال الأوربي إلى تدشينها في مستعمراته الإسلامية والترويج لها لتصبح سلوكاً لدى العلماء والعوام على السواء. قال أحد دهاقنة الاستعمار في المغرب والجزائر: «طالما أن سكان المستعمرات المسلمين لم يفصلوا بين الروحي والمدني، وطالما أن فكرهم واعتقادهم في تضاد مع قوانيننا، فإننا سنظل نعاني من مشكلات في المستعمرات. ينبغي أن يتحول القرآن في نفوسهم إلى كتاب ديني لا علاقة له بقوانين المدنية»[4]

وجدير بالذكر أن فكر بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة قد أصابه الوهن بسبب تأثرها بفهم منحرف يقوم على عقيدة الإرجاء، والتي بنيت على فصل العمل عن الإيمان. وهذا الفهم الضال الذي تلقفته وتمثلته اعتقاداً  وسلوكاً جعلها تتلوث بفكر أكثر خطورة وهو الفكر العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة وعن السياسة.

لقد وضعت هذه الجماعات أصولاً باطلة تفضي إلى تعطيل التشريع الذي هو من خصائص رب العالمين، إذ اعتبرت الحكم بما أنزل الله تعالى فرعاً من فروع الدين، وليس أصلاً. وقد تفرع عن هذا الأصل الباطل عندهم وجوب ترك الحكام وشأنهم، وعدم التعرض لهم وإن حكّموا القوانين الوضعية في رقاب الناس، ومنحوا ولاءهم لأمم ودول الكفر، فنادى أحد كبارهم بترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر. وهذه هي العلمانية بعينها التي تفصل الدين عن شؤون الحياة.

وهكذا قام فكرهم على تعطيل الحكم بما أنزل الله عز وجل، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بإذن الإمام بحسب زعمهم! فهم إذنْ مرجئة مع الحكام يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا يلزمونهم بالعمل؛ فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان[5].

فقد تصوروا بناء على الفكر الإرجائي المنحرف أن من لا يحكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقيم من شريعة الله تعالى إلا جزءاً قد يقل أو يكثر، لا يقيمه لأنه من أمر الله تعالى وامتثالاً له وإيماناً بدينه، بل لأنه موافق للهوى والمصلحة الذاتية، ومقر ممن يملك الإقرار والتشريع سواء كان شخص الزعيم أو الحزب أو المجلس التشريعي، فإنه لا يكفر إلا إذا علمنا أنه في قلبه يفضل شرائع البشر على شريعة أحكم الحاكمين. وما لم نطّلع على ذلك فكل أعماله هي على سبيل المعصية، حتى وهو يصدر القوانين تلو القوانين، ويترصد للمطالبين بتطبيق الشريعة ويلاحقهم بصنوف الأذى، ويظهر الموالاة الصريحة للكفار، ويلغي ما شرعه الله عز وجل من الفروق الجلية بين المؤمنين والكفار من الرعية، ويرخص بإقامة أحزاب لادينية، كل ذلك معاصٍ لا تخرجه من الإسلام ما لم نطّلع على ما في قلبه فنعلم أنه يفضل شرعاً وحكماً غير شرع الله وحكمه على شرع الله تعالى وحكمه أو يصرح بلسانه أنه يقصد الكفر ويعتقده، وأنه مستحل للحكم بغير ما أنزل الله تعالى[6].

وللأسف الشديد، فقد حصد أعداء الإسلام ثمار هذا الفكر المنحرف الذي سرى في الأمة سريان النار في الهشيم، فتركت العمل، وتركت محاسبة الحكام على زيغهم وضلالهم، وانجرت نحو الفسق والفجور والانحلال، مما أدى لظهور الفكر الغالي الخارجي عند بعض الشباب.

فإذا بالأمة التي كانت عاملة مجاهدة قائمة بأمر الله تعالى عزيزة القدر بين الأمم، مهابة الجانب من عدوها، ماضية باسم الله تعالى تنشر العدل والخير والهداية للعالمين، إذا بها تهمل أسباب ذلك، وتتخلف عن مقدمات ذلك السؤدد، وهي العمل المتمثل في القيام بكل ما أوجب الله جل ذكره عليها من عبادات، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وجهاد، وتحكيم الشريعة في كل مجالات الحياة، والبراءة من الكافرين والمنافقين، واستقامة تامة على نهج الإسلام.

على أن داء الإرجاء الذي أصاب بعض العلماء والدعاة أدى إلى فساد المعرفة نفسها تبعاً لفساد الإرادة والمقصد، فخرجوا من التمسك بالسنة إلى البدعة، ومن إرشاد السائرين إلى قطع الطريق عليهم.

فترى الواحد منهم في الأصل وارثاً لعلم السلف، معتقداً لعقيدتهم نظرياً، لكن انصراف همته وإرادته للدنيا أخرجه في واقع حياته إلى ضلال في التصور وانحراف في السلوك شعر أو لم يشعر. فبينما هو يعجب من حال أهل العقائد البدعية، إذا الشيطان ينسج حوله شباك بدع من جنس آخر، فأصبح فتنة لأهل البدع ومنديلاً لذوي السلطان ومرقاة لأصحاب الأهواء والشهوات. وهذه عقبة كبرى وباب خطر قلّ من يجتازه وينجو من بلائه، وإنما هو مدخل للشيطان، فيتدرج به خطوة خطوة من باب التوسع في المباحات، ثم يفضي به إلى الانغماس في الشهوات ومجاراة الكبراء في دنياهم، ثم يجوز به من باب التبرير لما هو فيه إلى الإفتاء بصحته ومشروعيته ومعاداة مخالفه. وعندئذ يتكدر عليه صفاء معرفته، وينقلب عليه سلاح علمه، فلا يزال يقول على الله تعالى بغير علم، ويكتم ظاهر الحجج، ويتعلل بفنون التأويلات حتى ينسلخ من نور العلم ويصبح مثله كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهو المثل الذي ضربه الله عز وجل في كتابه لعالم السوء[7]

وهذا حال من آثر الدنيا من أهل العلم والدعوة، واستحبها وتغلغلت في كيانه، فلا بد أن يقول على الله جل ثناؤه غير الحق في فتواه وحكمه؛ لأن الهوى الخفي قد غشي قلبه وملك عليه عقله.


 


[1] قراءة ابن عامر من السبعة.

[2] أخرجه أحمد في مسنده (بترتيب الساعاتي)، 1/117.

[3] أحمد العمير: النهضويون الجدد: قراءة في ملتقى النهضة الشبابي الثالث بالكويت، مجلة المنار الجديد، العدد 58-59، ص67.

[4] بشير عصام المراكشي: أثر المسيحية في العلمانية الإسلامية، ص203-204.

[5] عبد الرزاق الشايجي: الخطوط العريضة لأصول أدعياء السلفية، ص6، 9.

[6] سفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، 2/695.

[7] الحوالي: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، 1/169-170.