المستجدات والتطورات الجيوسياسية والإستراتيجية والأمنية في منطقتنا هائلة ومتسارعة وخطيرة، وكرات النيران الملتهبة والمتدحرجة منذ بداية كارثة احتلال العراق في العام 2003م لم تجد من يسعى لإطفائها، أو على الأقل التقليل من شررها، أو إيقاف تدحرجها المرعب والمستمر بقوة من الأعلى إلى كافة الاتجاهات، ولا ندري في أي بقعة جديدة ستقف، وفي أي بلد جديد ستضرم النيران!

وسط هذه المستجدات الإقليمية لا يمكن إغفال قضية انتهاء معركة الموصل التي حشدت لها الولايات المتحدة أكثر من 60 دولة لدعم حكومة بغداد ومليشيات الحشد الشعبي في معركتهم ضد تنظيم داعش، والتي دمرت مدينة الموصل وجعلتها مدينة للأشباح والجثث والخراب، وهذا ما أكدته الأمم المتحدة في السادس من يوليو 2017م، حيث أوضحت أن نسبة الدمار التي حلت بالمدينة فاقت كل التوقعات، وبالأخص في الموصل القديمة ومحيطها من المناطق الأكثر كثافة سكانية، وأن التوقعات كانت بأن تصل تكلفة إعادة إعمار مدينة الموصل إلى 500 مليون دولار، لكن بعد مشاهد الدمار تلك فإن تكلفة إعادة الإعمار ستكلف مبلغاً أعلى بكثير، وأن نسبة الدمار التي لحقت بالموصل وبحسب مصادر عراقية بلغت نحو 70%».

هذه التطورات الإقليمية، والميدانية لا يمكن أن تمر على المشهد العراقي مرور الكرام، ومن المؤكد أنها ستلقي بظلالها على مجمل الملفات الإستراتيجية والعسكرية والأمنية والاجتماعية في بلاد أدخلتها الولايات المتحدة في نفق مظلم عبر احتلال ظالم، وعملية سياسية كانت أساساً للظلم والتهميش والإقصاء، وجعلت إيران المتحكم الأبرز في غالبية الملفات السياسية والأمنية عبر وكلائها داخل العملية السياسية، وهم اليوم يمثلون الأغلبية.

وفي ظل هذا الواقع القائم، والتطورات الإقليمية والمحلية نجد أن المستقبل العراقي يحمل في طياته العديد من الاحتمالات، وسنحاول هنا المرور على أغلبها بعجالة لأن الوقوف عند كل احتمال بحاجة إلى بحث كامل ودراسة متخصصة:

التقسيم أو التشظي:

مع انتهاء معركة الموصل وسيطرة قوات البيشمركة الكردية على غالبية المناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك، وتحديد القيادة الكردية شهر سبتمبر القادم موعداً للاستفتاء على استقلال الإقليم من العراق، هذا الحدث التاريخي إن تم فإنه يؤكد بداية تهشيم العراق، أو على الأقل زوال أكثر من ربع البلاد بيد الكرد.

وفي نهاية سبتمبر 2016م، أكد رئيس مجلس الأمن في الإقليم مسرور البرزاني لصحيفة واشنطن بوست، أن «الإقليم جرب جميع السبل مع حكومة بغداد إلا إنه من دون أية نتيجة، وأن الإقليم يريد الاستقلال عن المركز ولكن بشكل سلمي، بلا عنف واقتتال، وأنهم ماضون في إجراء استفتاء لتقرير المصير»، ولهذا أعتقد أن بقاء الإقليم ضمن الدولة العراقية مجرد مسألة وقت، وذلك لوجود دعم أمريكي وأوربي لهذا الاستقلال ولو من تحت الطاولة.

قضية الأقاليم لن تتوقف على مستوى كردستان فقط، إذ سبق لمحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي أن أكد في مايو 2015م خلال كلمة ألقاها في معهد بروكنز للدراسات الإستراتيجية في واشنطن، أنه «من الضروري الذهاب إلى تقاسم الصلاحيات في العراق بإنشاء أقاليم جغرافية، وأن الأقاليم لا بد أن تكون على مرحلتين الأولى إنشاء إقليم جغرافي لمحافظة نينوى بحدود المحافظة الإدارية ثم تأتي مرحلة المفاوضات بعد ذلك مع الأقاليم أو المحافظات المجاورة لتنظيم العلاقة بينها، وأن يكون كل ذلك وفقاً لما أقره الدستور العراقي».

فهل هذا نظام إداري أم تدمير للبلد حينما يريد بداية مرحلة مفاوضات مع المحافظات المجاورة؟!

وفي الخامس من يوليو 2017م، طالبت سبعة أحزاب مسيحية باستحداث محافظة سهل نينوى للشعب الكلداني السرياني الآشوري وشراكة الأقليات المتعايشة معه وفق إحصاء عام 1957م، وأن تتحول هذه المحافظة لاحقاً إلى إقليم بموجب المادة الدستورية 119 من دستور العراق الفيدرالي.

وقد عقد المؤتمر المسيحي بدعم أمريكي وحكومي، وهذا يؤكد وجود اتفاقات وتفاهمات أمريكية وحكومية لتمزيق العراق ولو بحجة الأقاليم.

والأمر لم يتوقف عند الشمال العراقي حيث سبق لمحافظات جنوبية ومنها البصرة المطالبة بتحويل المحافظة إلى إقليم، وهكذا نرى أن المستقبل يحمل في طياته خبايا ومخاطر ربما تنذر بتشظي العراق وتقسيمه تحت مسميات الفيدرالية أو الأقاليم.

وبالمحصلة أرى أن هذه التطورات ستقود البلاد إلى مزيد من الاحتقانات الطائفية والمذهبية والعرقية بين المواطنين، لأن هذه الخطوة لم تنضج بعد في الفكر السياسي والاجتماعي العراقي، ولأن غالبية دعاتها ينظرون لها على أنها استقلال وليست أسلوباً إدارياً معمولاً به في العديد من دول العالم المعتبرة.

دولة الحشد الشعبي:

لا يخفى اليوم الإمكانيات العسكرية والبشرية الكبيرة التي يمتاز بها الحشد الشعبي، بحيث إن هذه القوات صارت قوة أكبر من الجيش العراقي، وتزود الجيش بأسلحة ومعدات متنوعة؛ وهذا ما أكده هادي العامري رئيس منظمة بدر خلال استعراض عسكري للحشد في محافظة صلاح الدين في فبراير الماضي.

والحشد الشعبي قوة عسكرية شيعية شكلت بموجب فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الشيعي علي السيستاني، وذلك بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل في يونيو 2014م، والغاية منه بحسب بيان المرجع الشيعي حماية المقدسات الشيعية.

وسبق لفالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أن أعلن أن تعداد الحشد الشعبي وصل إلى 140 ألف مقاتل.

والمتابع لواجبات الحشد الشعبي يلاحظ أنه ينفذ أجندات عسكرية وسياسية تحت مسمى «الجهاد الكفائي» في العراق وسوريا، وهذا مؤشر خطير لن تتوقف آثاره داخل إطار العراق فقط، وربما سيصل ضرره إلى بعض الدول، وبالذات تلك التي لا تتمتع بعلاقات طيبة مع إيران، على اعتبار أن غالبية زعماء الحشد الشعبي يأتمرون بأوامر إيرانية.

ولا ينكر اليوم أن الحشد الشعبي أمسى قوة واضحة في الشارع العراقي ولا يأتمر بأوامر رئيس الحكومة حيدر العبادي برغم ارتباطه به بموجب هيئة الحشد الشعبي.

وهذه الأيام هنالك بعض الأصوات المنادية بإنهاء وجود الحشد الشعبي بعد معركة الموصل، والحقيقة أن قيادات الحشد كانت واضحة بأنها ستبقى ولن تنفذ أوامر حل الحشد، وهذا ما أكده أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي في بداية يوليو 2017م، في كلمة له خلال اجتماع للجمعية العامة لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات المنعقد في مدينة مشهد شمال شرق إيران رداً على سؤال حول علاقة الحشد بالحكومة وحول ما قيل من أن «الحشد يمكن أن يحل بعد معركة الموصل، بأن هذا لا يمكن أن يحصل ولو وقع رئيس الحكومة، وفي حال تم هذا الأمر سنتجمع مرة ثانية، وأن حل الحشد جريمة كبرى، وأن تشكيل الحشد حصل بفتوى مرجعية شرعية، وهو حركة أمة».

وأظن أن قضية حل الحشد الشعبي إن تمت فإنها ربما ستصل إلى مرحلة حرب شيعية - شيعية نتيجة اختلاف الولاءات في الشارع العراقي، وبهذا أتوقع انطلاق حرب مليشياوية شرسة للسيطرة على الحكم إن لم تتدخل الولايات المتحدة وتلجم القوى المالكة للسلاح.

وفي كل الأحوال ربما سنكون أمام دولة مليشياوية تتحكم في مصير العراق بعد سنوات من التجربة الديمقراطية الفاشلة التي جاءت بها الدبابة الأمريكية إلى بلاد الرافدين.

تسليم البلاد لقيادة عسكرية:

مع هذه الاحتمالات الميدانية المعقدة، وفشل العملية السياسية في الحفاظ على السلم المجتمعي، ربما ستضطر الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم العراق لقيادة عسكرية أمريكية، أو عراقية لترتيب أوراق البيت العراقي المبعثرة، وهذه الدعوة سبق وأن أطلقت من بعض المسؤولين والوجهاء في الأنبار والموصل بضرورة تسليم مدنهم لحاكم عسكري لحين إعادة الأمن وإكمال إعمار مدنهم، وهذا الاحتمال وارد لكن لا أرى أن مرحلته قد نضجت بقوة، ولذلك لن نقف عنده طويلاً.

تطوير العملية السياسية:

الاحتمال الأبرز هو السعي لتطوير أو لتطعيم العملية السياسية بوجوه وقوى ودماء جديدة من أجل إنقاذها من الفشل التام، الذي تعاني منه منذ يوليو عام 2003م وحتى الساعة.

والمساعي الإقليمية اليوم منصبة على زيادة التمثيل السني في العملية السياسية، وقد عقدت عدة اجتماعات في أنقرة برعاية سعودية وإماراتية وقطرية وتركية وأردنية، وشارك فيها وفود من المشاركين والمقاطعين للعملية السياسية، ومن بين الحاضرين لاجتماعات أنقرة رئيس البرلمان سليم الجبوري، وأسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى رافع العيساوي وخميس الخنجر وغيرهم.

اجتماعات أنقرة يبدو أنها أزعجت حكومة العبادي التي حاولت الضغط دبلوماسياً لنقل تلك الاجتماعات إلى بغداد؛ وذلك لتحقيق عدة غايات، منها إظهار أنها تقبل بالقوى المعارضة لها للاجتماع في بغداد، وسعيها لترميم العملية السياسية المسيطر عليها من قبل التحالف الوطني الشيعي الحاكم، والغاية الأبرز أن تكون تلك الاجتماعات تحت سيطرة وعيون المخابرات العراقية وإطلاعها على ما يدور في العلن والكواليس، وأيضاً فإن سقف تلك الاجتماعات حينما تعقد ببغداد من المؤكد أنه لن يكون عالياً، وربما يتم احتواء بعض تلك الشخصيات السنية وضمها للتحالف الحاكم.

ويبدو أن ضغوط حكومة العبادي قد آتت ثمارها، ومنها عقد بعض الأطراف السُنية «مؤتمر بغداد» في شهر يوليو، وربما هو امتداد لمؤتمري أنقرة.

والمؤتمر، أو المشروع بحسب بعض المتابعين السياسيين، يتكون من عدة مراحل، الأولى تكوين غرفة سنية، والثانية توحيد القوى الشيعية، والثالثة السعي لتوحيد موقف المكونات والأقليات، أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي توحيد جميع المكونات تحت عنوان «مشروع سياسي وطني».

التسريبات من داخل بغداد أكدت أن اللجنة التحضيرية عقدت المؤتمر في بغداد، بمشاركة الرئاسات الثلاث ورؤساء الكتل السياسية، وقادة الحشد الشعبي وشخصيات سنية معارضة وممثلين عن الشخصيات المطلوبة للقضاء التي ستحضر في لقاء متزامن في أربيل.

وهذا يعني أن المؤتمر ليس مؤتمراً سنياً، بل تمت السيطرة عليه من قبل الأحزاب الحاكمة؛ وعليه فإن هذا الأسلوب سيطيل من أمد المشكلة، وعمر العملية السياسية، ولا يمكن أن يكون العلاج الشافي للحالة المزمنة التي تعاني منها بلاد الرافدين نتيجة العملية السياسية المليئة بسياسات الإقصاء والتهميش للمكونات غير المتفقة مع التحالف الوطني الشيعي الحاكم.

إنقاذ العراق:

الإنقاذ الحقيقي للعراق يمكن أن يكون عبر مصالحة وطنية حقيقية يستثنى منها القتلة والمجرمون وسرّاق المال، وببناء دولة المواطنة التي لا تفرق بين المواطنين على أساس الدين، أو المذهب، أو العرق، أو اللون، وتكون فيها السلطة للقانون، ولا يُسمح بالمظاهر المسلحة خارج إطار القوات المسلحة، وتكون الكفاءة هي المعيار الحقيقي في الوظائف العامة العسكرية والمدنية. وهذا المشروع غائب تماماً عن الساحة العراقية حالياً.

أمواج التطورات المتسارعة في المنطقة لا يمكن أن تترك العراق دون أن تؤثر به في جوانب جيو إستراتيجية، أو ديمغرافية، ولهذا ينبغي على الدول الفاعلة في المنطقة السعي لإيجاد أرضية صالحة لبناء دولة المواطنة في العراق قبل فوات الأوان، وحينها لن تتوقف تداعيات دمار المشهد العراقي عند حدود الدولة العراقية، وأعتقد أنها ستصل إلى العديد من دول المنطقة ووقتها لا ينفع الندم.