بعد انتهاء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من إعلان تحقيق النصر النهائي على تنظيم داعش في الموصل بدأت صفحة جديدة من صفحات القتل والخطف والتهجير التي تطال المكون السني في العراق، حيث أعلنت وسائل الإعلام العراقية، وفي يوم إعلان النصر في الموصل، عن اختطاف 61 مواطناً سنياً من عشيرة الجنابيين المهجرين من جرف الصخر إلى قضاء المسيب، وفي اليوم نفسه سجلت وزارة الداخلية حالة قتل لثلاثة أشقاء من العشيرة ذاتها على يد مليشيا حزب الله العراقي، ثم أعقبها بيوم اختطاف سبعة عشر فرداً من العشيرة نفسها في ناحية اللطيفية إلى جهة مجهولة، وقتل سبعة أشخاص من ضمنهم أحد شيوخ عشيرة الجنابيين وأولاده في اليوم نفسه!

وهذا له دلالة جلية على أن أهل السنة في العراق عموماً وفي جنوب بغداد بشكل خاص سيكونون هدف الصراع الطائفي وبصورة أوسع مما كان بعد 2006م، وسيكون مصيرهم مجهولاً كحال جثث أبنائهم وسط انتشار المليشيات الشيعية ذات الولاء الإيراني، فضلاً عن تعدد ولاءات القوى السنية وتخبطها في وسط مستنقع المجهول، في إطار تلاقح سياسة الغرب الطامع في ثروات القارة الجديدة، وسياسة المصدر الصفوي لثورته الإيرانية.

لماذا بابل؟

لقد بدأ المسلسل من محافظة بابل حزام بغداد الجنوبي التي كانت تمثل قلب المثلث السني وطريق الموت لقوات الاحتلال والقوى المساندة له، إلا إنها اليوم في ظل وضع يختلف عن عام 2006م، فالمقاومة السنية لا ثقل ميداني لها، وتنظيم داعش تخلى عن المنطقة بعد استهداف أبناء المقاومة فيها، في صفقة مع زعماء الحشد الشعبي الشيعي، وهذا الحشد في أوج قوته، لذا يتوقع المهتمون بالشأن العراقي، أن قطعان الحشد الشعبي الشيعية ما إن تنتهي من معاركها الجانبية في محافظة نينوى إلا وقد عدت العدة للبدء بعمليات التغيير الديمغرافية الشاملة دون رادع ولا عائق، فقد أصبحت قوة تخشاها الأجهزة الحكومية العراقية إن لم تكن متعاونة معها، يقول قاسم سليماني في تصريح بتاريخ 10/7/2017م: «نحن اليوم مطمئنون على الجيش العراقي لأنه أصبح جيشاً عقائدياً».

الطبيعة السكانية لبابل:

بحسب تقديرات عام 2003م للبطاقة التموينية يبلغ عدد سكان محافظة بابل مليون وثلاثمئة ألف نسمة أغلبهم من المسلمين، وتعد منطقة جنوب بابل بشكل عام ذات أغلبية عربية شيعية، إذ يتركز الشيعة في مركزها مدينة الحلة، وجنوب المحافظة، في حين يشكل العرب السنة أغلبية سكان شمال بابل في مناطق جرف الصخر والإسكندرية والحصوة واللطيفية، فضلاً عن تجمع سني كبير جداً في قضاء المسيب وناحية جبلة.

ومن خلال النظر إلى التعداد السكاني التقريبي لمحافظة بابل عام 2003م يتضح لنا أن نسبة العرب السنة في هذه المحافظة لا تقل عن الثلث في أقل التقديرات، فلو جمعنا تعداد سكان المناطق ذات الأغلبية السنية في محافظة بابل لكانت النتيجة أن اللطيفية يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة، والإسكندرية 157 ألف نسمة، وجرف الصخر 135 ألف نسمة، فتكون النتيجة 392 ألف نسمة.

وإذا ما أضفنا إليها النسبة السنية الكبيرة الموجود في كل من ناحية جبلة ومركز قضاء المحاويل والتي قدرتها دراسات ميدانية بالثلث، في حين يدعي الشيعة أن نسبتهم 10% من إجمالي سكان تلك المناطق البالغ 482 ألف نسمة (135 ألف ناحية جبلة + 347 ألف قضاء المحاويل)، فيكون نسبة أهل السنة منها بحسب تقديرات الشيعة 48.200 نسمة، وبحسب التقديرات السنية 168 ألف نسمة.

من ثم يكون إجمالي تعداد أهل السنة في محافظة بابل هو 440.200 نسمة من مجموع سكان المحافظة البالغ بحسب تعداد عام 2003م مليون وثلاثمئة ألف نسمة، أي ما يقرب من نسبة 30% من إجمالي سكان المحافظة بحسب التقديرات الشيعية، وأما بحسب التقديرات السنية فيكون العدد 560 ألف نسمة، وهذا ما يزيد على الثلث بكثير.

وتمهيداً للتغيير الديمغرافي في هذه المحافظة فقد كانت المناطق السنية مستهدفة من قبل التهريج الإعلامي الشيعي طيلة فترة الاحتلال منذ عام 2003م ولغاية اليوم، فقد تعرضت هذه المناطق إلى هجمة إعلامية ومليشياوية حكومية منظمة بهدف إفراغها من أهلها كونها تمثل الطريق المهم المؤدي إلى كربلاء نزولاً في المفهوم العقائدي الشيعي، والطريق المهم ديمغرافياً بالنسبة للسياسة الإقصائية الشيعية شمالاً نحو بغداد.

حركة تشيع صفوي دؤوبة:

منذ سقوط الموصل بيد تنظيم داعش وعمليات التشيع تجري بالقوة في هذه المناطق وبوتيرة متسارعة ومتصاعدة، مستغلين الفوضى الأمنية التي تضرب أرجاء البلاد أمام ضعف وتواطؤ العنصر الحكومي، ففي ناحية الإسكندرية وبعد اغتيال أغلب خطباء وأئمة المساجد أصبحت الصلوات لا تقام إلا في أربعة مساجد فقط بعد أن كانت تفوق الثمانية عشر مسجداً، والتي قضي عليها بين تفجير واستيلاء، علماً أن المساجد الأربعة غالباً ما يتغيب عنها خطباؤها بسبب عمليات التهديد المستمرة من قبل المليشيات الشيعية فيتم سد النقص الحاصل من خلال استجلاب خطباء من بغداد لإقامة صلاة الجمعة ومن ثم يغادر الخطيب المسجد عائداً إلى بغداد.

وقد وصفت مدينة الإسكندرية للقوات المحتلة الأمريكية من قبل النائب كريم ماهود بأنها بوابة الفتنة الطائفية إذا كانت أمريكا تروم ذلك الأمر فكانت «نعم النصيحة»!

أما ناحية جرف الصخر فقد خربت جميع مساجدها وفجر فيها قرابة 27 مسجداً وما بقي فهو مدمر ويرفع فيه الأذان الشيعي بعد أن تم منع أهل تلك المناطق من العودة إلى بيوتهم بدعوى محاربة الإرهاب، وشوهدت سيارات الحشد الشعبي وهي تسرق ممتلكات المواطنين، حتى أفرغت المنطقة من أي مظهر للحياة، واليوم يؤكد شهود عيان أن بساتين الناحية تستغل من قبل عناصر متنفذة في الحشد يبيعون محاصيلها ويتصرفون بأسعارها في دعم مشروعهم الديمغرافي، بل إن هناك من عناصر حزب الله العراقي من أكد لنا أن بيوت الناحية اليوم تعج بالجنسيات الأفغانية والباكستانية التي اخترقت الحدود العراقية كمعسكرات لتدريبهم والزج بهم في معارك الأطماع الإيرانية العقائدية وبعلم القوات الأمريكية والحكومة العراقية، وأكد أيضاً وبحسب علمه أن مسألة إعادة المواطنين الأصليين من سكنة ناحية جرف الصخر أمر مستحيل الحدوث بحسب توجيهات المرجعية الفارسية العليا.

وفي ناحية المسيب قد تحدث إلينا أحد أئمة مساجدها، وأصله من عشيرة المسعود الذي تسنن، بأن مساجد المدينة السنية مغلقة بالكامل ولا تسمح الحكومة المحلية ولا المليشيات المتنفذة أن يرفع الأذان في أي مسجد منها، وأن تلك المساجد استغلت من قبل بعض المتنفذين في المدينة كمخازن لهم تهان فيها حرمتها، تمهيداً للاستيلاء عليها من قبل الوقف الشيعي، وقد تستخدم كأماكن لاستقبال الزوار في فترة الزيارات الشيعية مستغلين مكبرات الصوت الموجودة في تلك المساجد لتشغيل أشرطة المواكب الحسينية.

وفي قضاء المحاويل هناك ستة مساجد تقام فيها صلاة الجمعة، وبرغم قلتها إلا إنها تشير إلى الكثرة العددية للعنصر السني القاطن في مركز ذلك القضاء الذي لم يسلم هو الآخر من عمليات التطهير العرقي.

وفي ناحية جبلة لا تقام الصلاة إلا في مسجدين فقط من مساجدها التي زادت على 15 مسجداً، والتي أغلقت جميعها، وتعيش فيها القبائل السنية رعباً أجبر بعض أفراد تلك العشائر على الانخراط في صفوف الحشد الشعبي ظناً منهم أنهم بهذا التصرف سيوفرون الحماية اللازمة لمناطقهم وأهليهم، وأكد لنا سكنة تلك الناحية أنهم يتعرضون للخطف والقتل والاعتقال الدوري من قبل المليشيات الشيعية، حتى إن أحدهم تم اعتقاله 19 مرة والهدف من الاعتقال كان إرهاب ساكني تلك الناحية من أهل السنة، فقد أكد ذلك المعتقل أنه في اعتقاله الأخير قال له المعتقلون من الشرطة الحكومية بالحرف الواحد: «ما تمل من كثرة اعتقالك؟ هل تريد أن نقتلك؟ أنت شخص جيد ولا نريد قتلك»، وهذا دليل على أن الأمر ممنهج وما على الخاطفين والمعتقلين إلا تنفيذ أجندات خارجية، كما أنهم من خلاله يرسلون رسائل تخويف وإرهاب تعجل بالهجرة الاضطرارية للعرب السنة في عموم محافظة بابل.

كما أكدت تقارير أمنية صدرت قبل إنهاء معركة الموصل بأشهر أن هناك استهدافاً ممنهجاً لعشيرة الجنابيين التي تمثل أكبر عشيرة عربية سنية في هذه المحافظة، إذ تم اغتيال أكثر من 32 شخصاً خلال مدة وجيزة، ونجا عدد آخر من محاولات اغتيال وخطف وتفجير.

خريطة طريق نحو الخليج:

إن تحويل ناحية جرف الصخر إلى معسكر مغلق للمليشيات التي تأتمر بأمر المرشد الإيراني الأعلى خامنئي بصورة مباشرة ومطلقة، ولاسيما كتائب حزب الله العراقي، الذي صرح أمينه العام وبعض قادته بتبعيتهم المطلقة لإيران وبحضور قيادات سياسية في حكومة العبادي، فضلاً عن استقدام مليشيات شيعية من باكستان وأفغانستان وإيران وإعدادها لمعركة واسعة، مصحوبة بتهديدات معلنة لدول الخليج ولاسيما الكويت والسعودية، مما يكشف بشكل سافر عن المخطط الإيراني في المنطقة.

وهذا يستدعي وقفة جادة من الدول العربية ولاسيما الخليجية لمواجهة هذا المشروع العملي المدروس، وأن يسارعوا بدعم العشائر العربية السنية في جنوب بغداد، وفق إجراء احترازي ومسبق في الصراع الدموي القادم في المنطقة.