يعد الأمن أمراً حيوياً وضرورياً في حياة جميع الكائنات الحية، لذا فإن أي تهديد يشكل خطراً على أمنها قد يجعل من حياتها أمراً في مهب الريح، والإنسان لا يشعر بضرورة الأمن إلا إذا فقده؛ لما أخرجه الطبراني في الأوسط، عن رسول الله # قال: «الأمن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس»، والأمن من النعم التي أنعم الله بها على عباده، قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ 3 الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: ٣، ٤].

 هذا فيما يقال عن أهمية الأمن.. فما هو الأمن؟

بكل تأكيد إن مفهوم الأمن ليس مطلقاً وثابتاً، وإنما هو نسبي وغير ثابت من حيث الزمان والمكان وطبيعة الأشخاص، وذلك ينطبق بشكل أكثر وضوحاً على المجتمعات والدول، وأبسط مفهوم للأمن هو التحرر من الخوف أو التهديد، ولكن لا يمكن الرجوع إلى زمن الدولة القومية التي كان عندها الأمن يعني أمن الدولة وكيفية حمايتها من التهديدات العسكرية المباشرة، بعيداً عن أمن المواطن وأهميته التي كانت تأتي بدرجة أقل أهمية بغض النظر عن صحة قرارات من يمتلك السلطة، فالفرد في نظر الأمن التقليدي أداة ووسيلة للحفاظ على كيان الدولة، أما حياته وتوفير احتياجاته فأمر لا يمكن نقاشه عند أصحاب المدرسة الواقعية الذين ينظرون للدولة ككائن قابل للحياة، ولكن في عصر العولمة حيث أصبحت الدول أكثر اختراقاً من ذي قبل، زادت معه أهمية الفرد في الدولة وأصبح له مكانة وأمنه مرتبط بأمن الدولة، حيث بني الأمن المعاصر على الأمن العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

أما في عالمنا العربي وما يسمى بالدول النامية أو العالم الثالث، فقد ورثت الأنظمة الشمولية الدكتاتورية الحاكمة المفهوم التقليدي للأمن من الأزمنة الغابرة التي برزت من الاستعمار القديم، حيث إن الأنظمة العربية بعد التحرر استخدمت الأسلحة نفسها التي كانت تستخدمها ضد الاحتلال فأصبحت اليوم موجهة ضد الشعوب التي وقفت معها، بعد أن أمدها الاحتلال نفسه بأسلحة هي أصلاً لا تستخدم في الحروب الخارجية، بل وأصبحت هذه الأنظمة تستخدم تلك الأسلحة الموجهة للخارج ضد أبناء شعبها، بعد أن تصالحت مع الجميع إلا مواطنيها، أمام هذه المفاهيم سنرى ما هو مفهوم الأمن في العراق بعد الاحتلال 2003م. وإذا ما أردنا أن نستكشف مستقبل العراق الأمني فلا بد من تفكيك مفاهيم الأمن التي ذكرناها، ومعرفة كيف تعاملت السلطة الحاكمة في العراق مع المواطنين، وسوف نستبعد البحث في الأمن البيئي كونه آخر اهتمامات المواطن والسلطة الحاكمة، ليس لأنه قليل الخطر بل إن خطره أكثر تأثيراً بسبب كثرة الملوثات التي قد تزيد نسبتها عنها في دول صناعية كبرى، وإنما لأن خطره ليس من الأخطار المنظورة.

أولاً: الأمن العسكري:                          

منذ العام 2003م ودخول القوات الأمريكية ومن تحالف معها، والتي هدفت إلى ضبط الأمن المبني على القوة المفرطة وحسب، ولذلك ملئت السجون القديمة التي تأسست في العراق الحديث والتي لم تعد تكفي فبنت السلطات الجديدة سجوناً تزيد عن كل ما سبق، وزج بها ما زاد عن المليون معتقل جلهم من أهل السنة، وإن لم يكونوا ضمن منظومة فكرية واحدة، فهناك السياسيون المشاركون بالعملية السياسية، وهم أعداد محدودة، وهناك المجاهدون والمقاومون للاحتلال، ومعهم من لم يكن مع أي طرف إلا لانتمائه لأهل السنة والجماعة وإن لم يدخل مسجداً في حياته، وهذا الوضع لم ينتهِ فما زال وإلى يومنا هذا هو الأسلوب المستخدم ضد أهل السنة بحجة حفظ الأمن واستقرار البلاد، ولا توجد بوادر تشير إلى انتهائه، فالحل العسكري هو الهم الأول للاحتلال ولمن جاء على دباباته، من الذين تسربلوا بثوب معارضة النظام السابق، وقد امتهنوا القتل والتفجير والتخريب، وقطع الطرق في الأهوار وغيرها، ولأنهم ما زالوا يعيشون نظرية المؤامرة وتستهويهم أفكار المعارضة المسلحة وتكشف ما في داخلهم من تعطش للدماء، فضلاً عن كونهم لا يزالون لعبة بيد قوى خارجية، فالحلول عندهم منحصرة ضمن نطاق القوة المفرطة.

ثانياً: الأمن السياسي:   

لكل شيء ثمن، فما تسمى بـ«المعارضة» رهنت مشروعها السياسي - إن كان لها مشروع - بيد الأمريكان والبريطانيين والإيرانيين، وهم اللاعبون والمحركون الأساسيون لهم بما قدموه من دعم مادي، فضلاً عن لاعبين آخرين أقل تأثيراً، وتعود جذور هذه العلاقات بهذه السعة بعد عام 1991م، ولأن هؤلاء المرتزقة لإيران في الشمال والجنوب لم يكونوا تحت المظلة الغربية، ومع أنهم استطاعوا بمساعدة الإيرانيين السيطرة على 12 محافظة تقريباً، لكن هذه السيطرة انتهت خلال أسبوع تقريباً باستثناء المحافظات الشمالية الثلاث التي بقيت تحت سيطرة الأحزاب الكردية المتصارعة فيما بينها وليومنا هذا.

وحينها رهن هؤلاء المرتزقة مستقبلهم السياسي وأمن البلد ومستقبله بشعبه وأرضه وثرواته بالبقاء في الحكم وبأي ثمن، وأصبح العمل مع الأجنبي قمة الوطنية وعملهم جهاداً في سبيل المذهب والقومية.

ثالثاً: الأمن الثقافي (الفكري):

يعد غياب المشروع السياسي من أهم مقومات فشل أي تجربة سياسية وإن امتلك صاحبها الكارزما والمؤهلات الجسمانية وفصاحة اللسان، فكيف إذا اختفت كل تلك المقومات؛ فلن يبقى أمام السياسي الفاشل إلا البحث عن أقصر الطرق للوصول إلى عقول العامة بعد أن حصلوا على تزكية من مراجع دينية لا تعي شيئاً لا في السياسة ولا في الدين.

وفي الحديث عن الأمن الثقافي لا بد من الحديث عن الأمية التي عادت بالعراق لأكثر من سبعة عقود، والأمية التي نقصدها هي الجهل بالقراءة والكتابة فضلاً عن الكارثة الكبرى من جهل حملة الشهادات العليا، وهنا نتحدث عن مجال اختصاصهم، وهذا الكلام نلمسه بأنفسنا ونستمع له من زملائنا الأساتذة وعمداء الكليات في مختلف الجامعات والاختصاصات، وما صرح به وزير التعليم العالي بعدم زيادة سعة المقاعد للدراسات العليا بسبب قلة الكفاءات، مع العلم أن عدد من يحمل شهادات عليا في العراق لم يسبق له مثيل.

رابعاً: الأمن الاقتصادي:           

لا يمكن وضع اللوم على الساسة الشيعة ومراجعهم فقط في عملية الفساد الاقتصادي، كونها عملية منظمة يشترك فيها جميع من شارك في العملية السياسية بعد الاحتلال، ولا أحد يستطيع أن يزكي أياً منهم، وإلا أين ذهب ما يزيد عن ألف مليار من الدولارات عداً ونقداً؟! ونحن لا نتحدث عن تهريب النفط ولا عن غيره من مواد الدولة المنقولة وغير المنقولة، بل نتحدث عن الألف مليار التي لم نرَ منها شارعاً جديداً أو مستشفى أو مدينة، ولا يرد أحدهم فيقول تم بناء جسر هنا وهناك أو مستوصف صحي، ومن يتفقد مستشفيات العاصمة بغداد يرى العجاب من تدهور في الخدمات المقدمة وفقدان للأدوية والأجهزة الضرورية لحياة الإنسان.

خامساً: الأمن الاجتماعي:

من يريد أن يبرر الفساد ويلصقه بالنظام السابق فهو منافق وكذاب، فما كان يحدث خلال عقود مذكرة التفاهم (النفط مقابل الغذاء) وغيرها من عقود منحت لشركات خلال تسعينات القرن الماضي لم يكن إلا على مستوى الموظفين الصغار ممن في تلك اللجان، ولم تكن ظاهرة اجتماعية كما يشاع اليوم، مع أن فتوى سرقة أموال الدولة كانت معروفة ومتداولة بين أتباع المرجعية، إلا إن قوة الدولة آنذاك مع الواقع الاجتماعي الذي كان في وضع أفضل منه الآن بدرجات لا يمكن مقارنتها، وبرغم فترة الحصار الذي كان الهدف الأساسي منه استهداف الأمن الاجتماعي، في مجال الرشوة والتفكك الأسري وغيره، ولكن بعد الاحتلال تم استهداف الأمن العائلي والاجتماعي في بعض المحافظات والذي ينذر بكارثة خطيرة نتيجة الممارسات التي أصبحت تمارس بين الأقارب والتي لا تمت للشرع بصلة، فما يحدث يظهر حجم الأزمة الاجتماعية التي يمر بها قسم كبير من البلاد، وتأثيره الأمني والاجتماعي لن ينحصر على محافظة أو طائفة، وأيضاً هناك تزايد في نسبة الطلاق فضلاً عن ملايين الأرامل والأيتام، ومع أعداد النازحين والمهجرين، فكل هذه الأعداد يمكن أن تهدد أمن المجتمع، مع تنامي ظاهرة عمل الأطفال والتسول فإن الأمر يتطلب حلاً جذرياً للمشكلة لا بحلول ترقيعية، كالزواج بالقاصرات بحجة توفير الأمن لهن.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن واقع الأمن في العراق منذ 2003م قد رسخ فيه مفهوم الأمن التقليدي، وربما لا نجافي الحقيقة إن قلنا ما قبل الأمن التقليدي (أي قبل معاهدة وتسفاليا 1648م)، ولأن الحكومة الحالية مدعومة بقوى خارجية مختلفة تؤمن بالحل العسكري، فنرى أن الحل ينطلق من تصحيح المؤسسة العسكرية الرسمية، التي يؤكد الجميع على افتقادها لأي عقيدة عسكرية يجب أن يتمتع بها أبسط جيش في العالم، وهي الولاء لراية واحدة، وهذا أمر معدوم ومفقود في المؤسسة العسكرية الرسمية في العراق، وإذ كانت صفة الولاء للطائفة هي سمة هذه المؤسسة إلا إن الدخول في عمق هذه المؤسسة يؤكد وجود ولاءات فرعية أقوى من الولاء للطائفة منها ما كان للداخل ومنها للخارج وهو الأقوى، وما حدث عام 2008م عندما لم يقاتل ضباط وجنود من المؤسسة العسكرية مليشيا جيش المهدي سيكون حاضراً في أي مواجهة بين الحكومة وبين أكثر من مئة راية ترفع للمليشيات اليوم، التي برزت على أنها أقوى من المؤسسة العسكرية الرسمية بل وتحاول جاهدة أن تأخذ دورها. وهذا الكلام لقادة من الجيش، ويبرز هذا من خلال انتزاع ما يسمى بالانتصارات العسكرية، بما يمتلكونه من وسائل إعلام متعددة وقوة سياسية تدعمهم داخلياً وخارجياً تريد أن تجعلهم كالحرس الثوري الإيراني أو حزب الله اللبناني والحوثين في اليمن، أي قوة فوق سلطة الحكومة وقوتها، وهي من يؤثر على باقي مفردات الأمن التي تم ذكرها.

وهذا الأمر مثلما يشكل خطراً على أهل السنة فإن خطره سيكون أشد على المناطق الشيعية كونها ستختطف المشروع السياسي وتفرض حياة معينة على العامة، فهناك صراع سياسي وإن كان خفياً لحد الآن بين قادة المليشيات والأحزاب السياسية، فالأمن مرهون بمن يمتلك القوة العسكرية، والقوة العسكرية أصبحت مرهونة بيد المليشيات التي أصبح بيدها القرار السياسي، وهي تطمح أن تتزعم المشهد السياسي في الانتخابات القادمة.

والأمن لن يكون بأفضل حال لأن الممارسات الطائفية التي شهدها العراق خلال سنوات الاحتلال وما تجسد من حقد تمثل بالممارسات الفظيعة التي تمت خلال معارك السنوات الثلاث الماضية، كل ذلك ينذر بعواقب، وإذا ما اطلعنا على أحدث الاستبيانات التي شملت مناطق أهل السنة وبشكل خاص المهجرين في المخيمات، ومن ضمن ما جاء فيها أن 85% ممن شملهم الاستفتاء يعتقدون أن عودة قوة مسلحة جديدة أمر حتمي إذا ما استمرت ممارسات الحكومة ذات النهج المعتمد على القوة العسكرية المفرطة، وهو أمر متوقع بعد أن أصبح للمليشيات الشيعية مكاتب في جميع المدن الكبيرة والصغيرة في المحافظات السنية.

ونحن الآن نضيف سبباً آخر وهو عدم إعادة إعمار المدن التي دمرتها الآلة العسكرية للحكومة ومليشياتها وإيران والتحالف الدولي الذي ضم أكثر من 62 دولة، باستخدام أعنف الأسلحة من طائرات ومدفعية لا تستخدم في المدن، وما يظهره الإعلام هو جزء من ذلك الدمار، وما سيتكشف من دمار وضحايا من المدنيين سيصدم كل صاحب ضمير حي، فالتنافس والفساد المحتمل من عموم الساسة، وخصوصاً ساسة السنة الذين صمتوا على الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الماضية، فهم بانتظار العقود الجاهزة كل ذلك سيجعل من الأمن أمراً هشاً. فضلاً عن بحث المليشيات الشيعية عن دور أكبر من ساسة السنة في هذه العقود، وربما بل وأكيد ستعاود لعب دورها في مناطق سيطرتها في المناطق الشيعية بأن تكون لها حصة (إتاوة) كبيرة في كل عقد، وهذا جزء من دور المكاتب التي تم افتتاحها والتي ستدير الأمن من خلالها، والأيام القادمة حبلى بما لا يسر أمنياً وسياسياً.

فكيف الخلاص والسبيل إلى تحقيق الأمن؟

سؤال يمكن اختصاره بجملة واحدة وهي تلافي المعوقات التي ذكرناها، ولكن ذلك لا يتم إلا من خلال تغيير فكري لكامل المنظومة السياسية والدينية والعسكرية والبطانة الفاسدة لكل هؤلاء، وهذا التغيير يتطلب قوة أكثر تنظيماً وعدة في مواجهة المنظومة الحالية، وهي كما ظهر لنا سلسلة من الحلقات المتكاملة لا يمكن نزع أي من حلقاتها بصورة منفردة.